استراحة البيان: رسالة اعتذار .. ليوسف بك! يكتبها اليوم- جلال عارف

كان عبقري الموسيقى العربية سيد درويش يمشي في شوارع القاهرة ويرى كل مسارحها مضاءة بمسرحياته الغنائية, ثم يقول لأصحابه: هل ترون؟ لا يوجد مسرح في القاهرة الا وعليه مسرحية لسيد درويش, ومع ذلك فسيد درويش يقتله الافلاس ! بالطبع كان جزء من ذلك يرجع لتبذير سيد درويش وحياته البوهيمية التي قضت عليه في عز شبابه وأوج تألقه, ولكن جزءا آخر كان يعود لتواضع الاجور التي يحصل عليها المبدعون, والاهدار المستمر لحقوقهم من جانب المنتجين. الآن اختلف الوضع, فالاجور كبيرة, والحقوق مصانة, وأي موسيقي شاطر يستطيع ان يتحول لمليونير بأن (يلطش) نغمتين من هنا ونغمتين من هناك, وأجور الممثلين بلغت أرقاما فلكية, وتعدد المحطات التلفزيونية أرضا وجوا جعل من انصاف الموهوبين نجوما, والاستديوهات مشغولة عمال على بطال كما يقولون, وبعض المطربين يشترطون الدفع بالدولار في الافراح التي تحولت الى مباريات في السفه والتبذير, وفيفي عبده قالت يوما انها لو وقفت على فلوسها لرأت بوركينا فاسو أو الكونغو.. والله أعلم! ولا يستحق الفنان الحقيقي أ ي حسد على ما يأخذه, فالموهبة الحقيقية نادرة, وما تقدمه من ابداع جميل يستحق كل تقدير مالي وأدبي. واذا كانت الساحة قد امتلأت بعديمي الموهبة الذين تصنعهم الدعاية وتفرضهم الطرق الخلفية للتسويق بأن هذا ليس ذنب المبدعين الحقيقيين.. بل انهم في الحقيقة هم الذين يدفعون الثمن, لأن الشهرة والانتشار والمال تذهب لمن لا يستحقها, بينما هم يناضلون من اجل الفن الحقيقي. يستحق الموهوب ان ينعم بثمار موهبته, ولا جريمة في ان يستثمر (الشاطر) المناخ الفني السائد, فيشق طريقه بلا موهبة حقيقية مادام يجد من يدفع.. فهذه هي اقتصاديات السوق وأحكامها التي هي على كل عين وفوق كل رأس! لكن الذي يغيظ هو سلوك بعض الفنانين الذين لا يرضون بما هم فيه من نعيم مستحق أو غير مستحق, فيلجأون الى التحايل على القانون مرة والى التهرب من واجبات وطنية أو قومية مرات ومرات! خذ عندك ملف التهرب من الضرائب وهو فضيحة وطنية واخلاقية بكل المقاييس, فبدلا من ان يساهم الفنان الذي أنعم الله عليه بالثراء بجزء من ثروته في مشروعات خيرية أو برامج اجتماعية لمساعدة المجتمع, يلجأ الى تقديم بيانات خاطئة الى الضرائب, والى تزوير العقود التي يبرمها. فاذا تعاقد على عمل بمليون جنيه أثبت في العقد انه خمسون أو مائة ألف, وتقاضى الباقي من (تحت الترابيزة) أو خارج العقد كما يقولون, حتى لا تحاسبه الضرائب الا على أقل القليل. ولقد فاحت رائحة هذه العقود, ولم تعد الضرائب تعتمدها, وثارت المشاكل. ورغم ذلك, ولأن الدولة حريصة على سمعة الفنانين ــ ربما أكثر من حرصهم على أنفسهم ــ فالتعليمات تقضي بعدم اذاعة اسماء المتهربين ومحاولة الوصول الى حلول ودية معهم تحفظ ولو بعض حقوق الدولة. الأمر الآخر الذي يثير الاقاويل, هو سلوك بعض المطربين والمطربات حين يطلب منهم المساهمة الفنية في مناسبات وطنية, فيتهربون من المشاركة. ولو كان ذلك بسبب موقف سياسي أو فكري لكان لديهم ما يعتذرون به, ولكن المشكلة ان التهرب يأتي لأسباب مادية. ورحم الله زمانا كان المطربون والمطربات يتصارعون لكي ينالوا شرف السفر الى جبهة القتال لكي يشاركوا في رفع الروح المعنوية للجنود والترويح عنهم وهم يخوضون حرب الصمود ثم الاستنزاف أو يستعدون للعبور العظيم. ثالثة الأثافي ــ كما يقولون ــ هو ذلك التهرب من مسؤولية عبور الأزمة التي تمر بها الفنون, وخاصة السينما في هذه الأيام. ان السينما تمر بأزمة خانقة منذ سنوات, وعدد الافلام التي يتم انتاجها يتناقص من عام الى عام, والأسباب كثيرة ولا مجال لتناولها بالتفصيل هنا, ولكن ما ينبغي الاشارة اليه والوقوف عنده ان هناك هجمة تزداد شراسة على السينما المصرية ــ وبالتالي العربية ــ من الافلام الامريكية, وهو أمر له خطورته الثقافية وتأثيراته السلبية على الهوية الفنية الخاصة والكل الآن يحس بخطورة الموقف, ومع ذلك يظل النجوم يتفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم! بالطبع هناك واجب على الدولة, ولكن يصطدم بمفاهيم حرية السوق التي يحاول البعض ان يفرضها هكذا (سداح مداح) وبدون ضوابط. وهناك دور أهم على أهل السينما, ولكن النجوم الذين ربحوا الملايين من السينما يتهربون بحجة ان ذلك خارج اختصاصهم, وانهم لا يفهمون في الادارة والانتاج, مع انهم يدركون انه في ظل شركات الانتاج الكبيرة (القانون يعطي تسهيلات كبيرة للشركات التي يزيد رأسمالها على 250 مليون جنيه) فإن عملية الانتاج والادارة ستكون في أيدي المتخصصين, ولكن البعض لا يريد المساهمة في انقاذ السينما لأنه لا يريد المخاطرة ببعض المال. ويذهب هؤلاء لافتتاح مطاعم أو المضاربة في الأراضي.. وكأنهم يفهمون في صناعة الأكل أو السمسرة, بل ان البعض فضل ذات يوم ان يضع أمواله عند شركات توظيف الأموال, ويرفض الآن ان يضعها في مشروعات انقاذ السينما! هذه الخواطر كلها طاردتني وأنا أتابع احتفالا متواضعا بالفنان الكبير يوسف وهبي الذي تمر هذا العام مائة سنة على مولده.. هذا العبقري ابن الباشاوات أخذ ما ورثه ليبدده على المسرح.. أنشأ فرقة رمسيس ليكتب بها تاريخا جديدا للمسرح العربي, وعلى مدى سبع أو ثماني سنوات أنتج تراثا مسرحيا مازال يعيش حتى اليوم. ومن المسرح الى السينما أنشأ يوسف وهبي مدينة كاملة تضم الاستوديوهات والمسرح, وانتهى به الامر غير مرة الى الافلاس ولكنه لم يعلن التوبة, بل ظل يغامر ويبدع ويعانق المسرح والسينما ويساعد أجيالاً من الناشئين ويقيم نهضة لا مثيل لها. وتصوروا الجهد الذي يلزم لكي تكون هناك مسرحية جديدة كل أسبوع! نعم كل أسبوع وليس كل عشر سنوات كما يفعل النجوم الآن. وكان ما يقدمه يوسف وهبي على مسرحه يبلغ في الموسم الواحد 25 مسرحية من عينة (راسبوتين) و(أولاد الفقراء) و(بيومي أفندي) وغيرها. وقد شاهدت يوسف وهبي في أخر أيامه وهو يصر على أن يبقى ويؤدي أدواراً جميلة في السينما منها ما أثبت به أنه ممثل كوميدي من الطراز الأول مثل دوره في فيلم (إشاعة حب) , لكن الأهم ما كان يفعله في المسرح بعد أن تقدم به السن ولم يعد ممكنا منافسة مسرح الدولة الذي كان يتمتع بامكانيات هائلة. كان يوسف وهبي يطوف مدن مصر بفرقة مسرحية محدودة العدد ولكن عظيمة المواهب, وبأقل الإمكانيات وبجهد خرافي كانوا يقدمون عرضا مسرحيا مختلفا كل ليلة. وعلى مسرح مدينتنا المتواضع شاهدت كل روائع يوسف وهبي وبقروش قليلة. لم يكن لمسرح يوسف وهبي تأثير كبير على جيلنا, وكنا نشاهده ــ اذا تيسر ــ للتاريخ وكانت الحركة المسرحية المزدهرة في الستينات قد قدمت الكثير من الرؤى المختلفة وأنتجت واقعا مسرحيا أكثر تقدما. لكن الأمر يختلف الآن في الواقع الفني المرير الذي نعايشه. عندما لا تستطيع العائلة ان تجتمع في سهرة ممتعة في مسرح محترم لأن اسعار التذاكر فوق الطاقة, ولأن ما يتم تقديمه على خشبه المسرح لا يليق أن تشاهده عائلة محترمة, نتذكر هذا الشاب الذي أقام وهو في الخامسة والعشرين مسرحه التاريخي وبلغ به احترام المتفرج انه كان يكتب في صور المسرح موعد رفع الستارة بالساعة والدقيقة وموعد انتهاء العرض ويلتزم بذلك في أصعب الظروف. وعندما يتهرب فنانون كبار من أداء واجبهم لانقاذ المسرح والسينما, نتذكر ذلك الذي أطلق على نفسه أو اطلقوا عليه (مبعوث العناية الالهية لانقاذ فن المسرح العربي) . والذي اجتهد ليقدم فنا محترما واستطاع ــ في أصعب الظروف ــ أن يحافظ على التزامه بتقديم مسرحية جديدة كل أسبوع, ليبلغ رصيده الفني أكثر من 200 مسرحية منها 80 من المسرح العالمي, ثم لا يكتفي بالبقاء في القاهرة بل يجوب الوطن العربي من أقصاه الى أقصاه, الشام والمغرب العربي والسودان, وكلها كانت تحت الاحتلال, وكلها كانت تستقبل (يوسف بك) استقبال الابطال. عندما يتهرب البعض الآن من التزاماتهم وواجباتهم, نتذكر هذا الفنان الذي عشق فنه والذي اضطر في نهاية حياته الى التنازل عن حديقة منزله لتتحول الى فندق ليواجه أعباء الحياة. عندما يكون الشعار المرفوع بين أهل الفن ــ الا القليل النادر ــ هو (خد الفلوس واجري) يستحق منا أمثال يوسف وهبي أن نذكرهم بكل الخير, وأن نتقدم لهم بالتحية الواجبة, نضع على قبورهم باقات الزهور, ونطلب منهم ــ بكل الصدق ــ أن يقبلوا منا عميق الاعتذار!

تعليقات

تعليقات