استراحة البيان، قطعة صغيرة من أرض الوطن: يكتبها اليوم: محمد الخولي

هو مدير مدرسة ريفية تقبع على استحياء تحت أقدام جبل توجي في منطقة غابات شبه معزولة من اليابان. ولكنه مثل أي تربوي مسؤول ومحترم يجلس الى مكتبه وبين يديه ميكرفون الاذاعة المدرسية الذي يستطيع من خلاله ابلاغ التعليمات والنداءات أو الاستدعاءات الى تلاميذ المدرسة, فإذا بهم يأتونه جمعا وحشدا وربما قبل ان يرتد اليه طرفه . لكن حضرة الناظر الياباني لم يكن يوما بحاجة الى استخدام الميكرفون الذي كاد يعلوه الصدأ منذ بداية العام الدراسي الحالي من جراء عدم الاستعمال. بوسع حضرة الناظر في أية لحظة ان يطل من نافذة غرفته ويهتف باسم (ساتو) فيأتيه من فوره جميع تلاميذ المدرسة بغير حشد أو عناء, فالمدرسة الريفية بجلالة قدرها لا تضم سوى تلميذ واحد.. نعم تلميذ واحد عمره سبع سنوات اسمه (دايكو ساتو) وهو الصبي الوحيد الذي بلغ سن الدراسة الابتدائية في منطقته الغابية النائية, ومن أجله فتحت حكومة طوكيو مدرسة كاملة وعينت لها مديرا ومدرسة مرحلة أولى وصرفت على هذا كله ما يعادل 100 ألف دولار. هذا الخبر استرعى أنظارنا ونحن نقلب صفحات الجرائد وركام الأنباء في الوكالات. ولم نشأ ان نفوّته على اهتمامك, لا بحكم طرافته وحسب, ولكن بحكم التبرير الذي ساقته حكومة اليابان حين قالت: لقد صرفنا هذا المبلغ الجسيم على ابننا العزيز الوحيد (دايكو ساتو) ولكن رأينا ان الأمر مسألة مبدأ قبل كل شيء, وهو مبدأ المساواة وتحقيق الفرصة المتكافئة بين المواطنين. والحق نقول ان الذي لفت أنظارنا ان الخبر نشرته (نيويورك تايمز) على صدر صفحتها الأولى, وقدمته لقارئها على أربعة أعمدة مزودا بصورة ملونة للمدرسة اليابانية وتلميذها المحظوظ الوحيد مندمجا في اللعب مع أستاذته ــ الوحيدة أيضا ــ وبالمناسبة لم ينل لا السيد نتانياهو ولا السيد عرفات من الصفحة الأولى من الجريدة الصادرة في اليوم نفسه سوى عمود واحد أو يقل قليلا, فضلا عن ان الخبر قد تحول الى موضوع يحمل اسم كاتب نعرف له رصانته ونحمد فيه عمق تحليله هو نيكولاس كريستوف الذي استكمل الخبر على صفحة كاملة في داخل الجريدة وهو أمر ليس بالهيّن ولا بالميسور, حيث أسهب كريستوف في الحديث عن التناقض الذي رآه بين تمسك اليابان بالمساواة حين أفردت مدرسة بأكملها لتلميذ واحد, وبين تقصير طوكيو في ادارة اقتصادها الذي أصبح يعاني كثرة من العلل وصنوفا من الأدواء, ولن ندخل طرفا في هذا التحليل الأمريكي لواقع الاقتصاد الياباني, ولكننا نقف في عجب ممزوج ولا شك باعجاب ازاء تعليقات المسؤولين اليابانيين التي نقلها الكاتب الأمريكي في مقدمتها: انهم مدركون ولا شك بفداحة مثل هذه التكاليف, ولكنهم متمسكون بالحفاظ على تقليد راسخ متأصل في جذر الاعراف الاجتماعية في تراثهم واسمه تقليد (وا) ومعناه الوئام الاجتماعي والتوافق العام بين فئات وطبقات السكان, هذا الــ (وا) هو الذي يشعر معه المواطن بأن له حصة صغرت أو كبرت من مقدرات الوطن, وهو الذي نترجمه نحن في أدبياتنا العربية بعبارة (الانتماء) ولا شيء يخلق الــ (وا) أو يعمق هذا الانتماء سوى ان يشعر الانسان ان مجتمعه يتيح له ــ حسب قدراته ــ فرصة متكافئة, ولا شيء يتيح استثمار هذه الفرصة المتكافئة سوى التعليم. ولقد تناقل التاريخ حكمة من تراث السيد المسيح عليه السلام خاطب فيها قومه, وتقول: (تعرفون الحق.. الحق يحرركم..) وربما جاز لنا في هذا السياق ان نقول: (تبتغون سبل التعليم.. والتعليم يحرركم) . ألم يؤمر المسلمون بأن يطلبوا العلم ولو في الصين؟ وأنت اذا أمعنت النظر في سير زعمائنا المعاصرين, فلسوف تضع يدك وتكاد تلمس تلك الصلة الوثيقة بين عطاء الزعيم ورؤيته الايجابية للتعليم بوصفه جسرا لتحرير الانسان أو لنقل لبناء نهضة الأمة.. بهذا يفتقر التاريخ مثلا لرجل مثل محمد علي في مصر قسوته أو اطماعه الشخصية, فكل هذا يهون وكل هذا يذهب برحيل صاحبه, لكن الذي بقي ونفع وينفع الناس هو تلك البعثات التعليمة والتدريبية التي أوفدها محمد علي الى اوروبا على امتداد عقدين أو اكثر من سنوات حكمه واختار طلابها وأعضاءها من فلاحي مصر وأبناء الحرفيين في حواضرها, واذا كانت البعثات الاولى التي أوفدها محمد علي قد ضمت عددا من أنجال الوالي وأحفاده, فقد كانت الكثرة الغالبة من انجب ابناء الفلاحين والصناع المصريين الذين منحوا الفرصة المتكافئة بعد ان كانوا هم وآباؤهم على هامش المجتمع الذي كان واقعا لأربعة قرون ويزيد تحت نير الاستعمار التركي. ولك ان تتعجب ازاء هذا الحاكم الألباني الأصل الذي كان أميا أو يكاد وهو يدرك ــ كما لم يدرك اي حاكم شرقي مثله, ولا حتى متبوعه السلطان العثماني في الاستانة ــ قيمة العلم والتعليم ومن ثم لم يكن اول من ابتعثه محمد علي ضابطا يصلح لقيادة الحروب ولا اداريا يدرس في الإيكول سنترال ــ مدرسة العلوم الادارية الشهيرة في باريس, بل كان اسمه (نيقولا أفندي المسابكي) وقد اوفده محمد علي ليتعلم في ايطاليا اي شيء عن فن الطباعة وهي الجذر التربيعي لأية نهضة في ايطاليا وعندما عاد نيقولا افندي تولى ادارة مطبعة بولاق الاميرية عام 1821 وبعدها جاء موعد البعثة الاولى الكبيرة التي ضمت رائد النهضة الفكرية والتعليمية في الوطن العربي, الازهري الصعيدي النابه رفاعة رافع الطهطاوي. ويبدو ان هذا الربط بين العلم والتعليم وتحرير الانسان من ربقة التخلف وتمهيد ارضية التقدم امام الفرد والمجتمع ــ ظل تقليدا متوارثا وراسخا في الوجدان الشعبي العام, وأيضا في المحيط الثقافي العربي على الصعيد القومي. تأمل مثلا كيف شُغفت اجيال من بعد اجيال بكتاب (الايام) للدكتور طه حسين بأجزائه المختلفة وهو في التحليل الاخير سيرة فتى من صعيد مصر الاوسط نشأ في اسرة رقيقة الحال, وسط مجتمع تسيطر عليه مؤسسات تقليدية بعضها يتعاطى الخرافة وبعضها يستغل جهل الفلاحين, ثم هاهو يشق طريقه ــ رغم آفته من كف البصر, ورغم حاجته الى تدبير وسائل المعيشة ــ ليتحول من الأزهر الى أرقى جامعات فرنسا ويصبح وهو الكفيف رائدا ومعلما لملايين المبصرين وليس صدفة مثلا ان يعمد جمال عبدالناصر الى تجميع ما كان يرد اليه شخصيا من تبرعات كانت تأتيه من معجبيه ومؤيديه من شتى انحاء العالم العربي, ويودعها في حساب خاص برئاسة الجمهورية ليلبي من خلالها احتياجات بعض الطلاب بالمدارس والجامعات ممن كانوا يكاتبونه خفية وتسترا ينشدون عون الزعيم, ولا صدفة ان كان من اهم المناسبات التي كان يحرص على المشاركة بها مناسبة (عيد العلم) يشد بيده وقد لمعت عيناه تقديرا واعجابا, على الاوائل والمبرزين من الدارسين والخريجين, وكم كان الناس في تلك الأيام يتسامعون بأسماء أبناء الفلاحين وأولاد البلد: الدكتور عبدالسميع الحاصل على دكتوراه العلوم النووية, أو الدكتورة زينت أو فاطمة أو سعدية الحاصلة على أرفع الدرجات في الهندسة البيولوجية... الخ, وقد كان تفوقهم مشهودا بقدر ما كانت أياديهم خشنة, وأسماؤهم شعبية, أو بلدية, وهندامهم شديد التواضع ووجوههم تكاد تطالع مثيلاتها على جدران المعابد القديمة, في رسومات أسلافهم الفلاحين الفقراء والبسطاء. ونعود الى حكايتنا اليابانية التي بدأنا بها هذا الحديث, فلسنا نتصور ان حكومة اليابان تريد ان تبدد ميزانيتها هدرا أو سفها, ولكننا نتصور ان طوكيو تدرك ان وجود مدرسة ولو بتلميذ واحد, ولو كانت مدرسة ريفية متواضعة, هو قبل كل شيء طاقة نور في ظلمة غابات تغطي منطقة ريفية قصية لا يكاد يذكرها أحد, ولا يكاد يأبه بسكانها مسؤول, ولأن عجلة الحياة ماضية في دورانها المرسوم, فلاشك ان التلميذ سوف يلحقه زميل أو أكثر قبل ان يخرج من مدرسته. وقد تصلح المدرسة يوما لتكون مركز ارشاد للناس وساحة رياضة لأطفال الجيرة الصغار, وقد تصلح يوما لتكون مقرا لانتخابات محلية أو منتدى اجتماعيا لأهل المنطقة شبه المنسية, وقد يروي الابن العزيز (دايكو ساتو) حكاية مدرسته الفريدة لأولاده بعد انقضاء جيل أو أكثر وقد اشعرته انه يملك قطعة صغيرة من أرض الوطن وقد يعمل هو ذاته مدرسا فيها وقد يكتشف يوما من ان الصف الذي يعلمه قد ضم بين جدرانه خمسة أو ستة من التلاميذ, ويومها يشكو فتانا الياباني من تكدس الفصل وكثافة الازدحام!

تعليقات

تعليقات