استراحة البيان: (مي) بين كسروان والقدس! يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

منذ نصف قرن تقريبا انفجر في الحياة الثقافية ماسمي باللامعقول أو مسرح العبث. وصارت اسماء النجوم الجدد هي يونسكو وبيكيت وأداموف . وكنت اذا فتحت صحيفة أو مجلة ولم تجد فيها شيئا أو اكثر عن هذا اللامعقول ظننت انها قديمة أو تصدر في كوكب آخر. وأصبح تعبيرا دارجا ان تقول انك في انتظار جودو.. بمعنى انك تنتظر يائسا ما لا يأتي أبدا. وانفجرت فضيحة (الهواء الأسود) فلقد قامت مجلة (الكواكب) بتقديم مسرحية نسبتها الى دورينمات الذي كان هو ايضا اسما جديدا على الساحة الأدبية, وادعت ان هذه المسرحية من عيون أدب اللامعقول. وقدمتها الى بعض النقاد. ولم تذكر المجلة أبدا انها وضعت هؤلاء النقاد تحت ضغط شديد بزعم انها تريدهم ان يكتبوا مقدمة سريعة, وان ماكينة الطباعة دائرة, وانه لا وقت للدراسة, بل لا وقت للحصول على النص الاجنبي. وتورط بعض كبار النقاد وكتبوا عن مسرحية (الهواء الأسود) وما فيها من رموز وابداع, فمن كان آنئذ يجرؤ على انتقاد اللامعقول, بل من كان يجرؤ على محاولة فهمه! ونشرت (الكواكب) ما كتبه النقاد وقالت ان المسرحية من تأليف الكاتب الساخر أحمد رجب, ولقد قرأت المسرحية بعناية بعد هذه الفضيحة, وأؤكد انها كانت مسرحية متقنة وانها تشبه تماما مسرحيات اللامعقول, وان هؤلاء النقاد ظلموا في هذه الخدعة, كما ظلم القراء في هذه الموجة. وخرج أيامها كاتب كبير مثل توفيق الحكيم بمسرحيات من جنس اللامعقول, فلقد كان على رأس كتاب المسرح, وهاهو المسرح يخرج من بين يديه لأسماء مجهولة, فكتب عددا من مسرحيات اللامعقول أهمها (يا طالع الشجرة) وشيئا فشيئا انحسرت الموجة حتى استقرت في زاوية مهملة. وكأنما لم تكن الحركة الثقافية كلها لا معقولا! واذا كان لهذه الموجة الآفلة فضل, فهو انها نبهتنا الى لا معقولية ما نراه حولنا, فالدنيا كلها مسرحية لا معقولة, وطبعا لا أشير الى ما يحدث في السياسة! وفي هذا الاسبوع قرأت خبرا جميلا لم أنتبه الى لا معقوليته الا بعد لحظات. بعض المثقفين في لبنان فكروا في الاستعداد للعام المقبل, حيث ستصبح بيروت عاصمة ثقافية, وهي والله عاصمة ثقافية, قرروا هذا أم لم يقرروه. وتمخض التفكير الى مشروع لنقل رفات الكاتبة الشهيرة (مي) من القاهرة الى جبال (كسروان) في لبنان! وقبل ان أدخل الى هذا الموضوع الذي أراه لا معقولا, أعرض تحفظين.. الأول هو انني لم أشغل بالي في يوم من الأيام بالمكان الذي يدفن فيه الانسان. وأرى انه مع الموت يصبح الانسان بين يدي ربه, ولا علاقة لنا جميعا به الا من حيث ذكره وما أورثه للناس. ولذلك فأنا لا أزور المقابر, ولا أهتم بفخامتها, ولا أهضم فكرة الاعداد لها, ويهمني في الخالدين كيف عاشوا, ولذلك فدفن (مي) في مقابر (الامام) أو (الغفير) في مصر المحروسة أو في جبال (كسروان) لا تعنيني من قريب أو من بعيد, ولا أكتمكم سرا انني قبل نشر هذا الخبر, لم يخطر على بالي ان اسأل أين دفنت (مي) ولو ان احدا نفى دفنها في القاهرة, لصدقته. التحفظ الثاني وأرجو ان يفهم على حقيقته وليس أكثر: هو انني لا أحب كتابات (مي) , حقا انني أحببت ما تكتب سنتين أو ثلاث في سن المراهقة, ولكنني انصرفت عن كتاباتها بعد ذلك. واعتقد ان (مي) لو كانت رجلا ما بقي منها شيء, فلقد جذبت الناس بأنها فتاة. ولقد فتنت (مي) المجتمع الادبي بجمالها وثقافتها وتحررها, ولو ان سلامة موسى عندما صرت من حوارييه لفترة عندما كنت طالبا, قال ان (مي) كانت مجرد لحم أبيض محشور في فستان, وانها جذبت القلوب لان ذلك لم يكن مألوفا في هذا المجتمع المغلق. وقصص حب الكتاب (لمي) في زمانها أكثر من ان تحصى, واذكر عنها قصة مصطفى صادق الرافعي الذي كان يكتب لها الرسائل, ويقرأها على زوجته وهو يبكي, وتساءل الناس هل أحبها طه حسين ايضا والى أي حد, وبحثوا عن شخصية (مي) في رواية العقاد الوحيدة (سارة) وباختصار شديد لم يكن في عصر (مي) كاتب كبير أو شاعر كبير الا ووقع في غرام (مي) بشكل أو بآخر, ولولا انني هنا اعتمد على الذاكرة لحصرت اسماء من احبوا (مي) . ولكن من أحبت (مي) ؟! لم يستطع كاتب واحد ان يثبت ان (مي) أحبته, والرسائل الكثيرة التي خلفتها لا تدل على حبها لأحد سوى كاتب واحد هو جبران خليل جبران. وفي حياتها لم تلتق ابدا بجبران, الأمر الذي قد يطرح على علماء النفس مهمة تفسير هذه الظاهرة, ومن المعروف ان (مي) عاشت وماتت وهي تتشبث بلقب (آنسة) ! وأؤكد ان التحفظين اللذين اشرت اليهما لا يؤثران على حكمي, فانا أوقر الموتى حتى لو كان لايهمني اين يدفنون, وانا أقدر مي زيادة ككاتبة كبيرة, حتى وان كنت لا استسيغ كتاباتها, وأرجو ألا يفسر أحد قضية دفنها بغير ما أعنيه. ففي زمان (مي) وقبل زمانها كان العالم العربي واحدا, ولم يكن غريبا أن تأتي (مي) من لبنان لتعيش وتعمل في مصر, فلقد كان صاحب (الأهرام) هو انطون الجميل وصاحب (دار الهلال) هو جورجي زيدان, ومنذ ان أتى سليم نقاش واديب اسحق من بلاد الشام في عصر اسماعيل, لم يسأل أحد كاتبا عربيا عن جنسيته, وقضية الجنسية نفسها لم تكن موجودة حتى 1914 عندما اعلنت بريطانيا الحماية على مصر. فإذا لم يكن الناس في زمانها يرونها غريبة عن القاهرة, ولم تر هي نفسها انها غريبة, كيف نطرح القضية الآن, ونفتح بابا لايخطر على بال أحد فتحه, فكل الاسماء اللامعة في التاريخ العربي ــ وما أكثرها ــ ولد اصحابها في أماكن ودفنوا في أماكن أخرى من المتنبي الى ابن خلدون الى ابن رشد الى ابن الهيثم الى صلاح الدين الأيوبي الى آخر القائمة الزاهرة. ولو ان كل (بلد) طلب أن يدفن حيث نشأ سيكون أمرا شديد التعقيد. مثلاً هل تكون الأولوية لمكان الولادة أو حسب التعبير الشهير (مسقط الرأس) ! في هذه الحالة لايحق لكسروان ان تطالب برفات (مي زيادة) فلقد ولدت (مي) في القدس. وإذا أردنا أن تنقل رفات (مي) الى القدس ــ هل سيوافق نتانياهو وأحزابه الدينية وحاخاماته المتعصبون, بل ربما رأوا في رفات (مي) حصان طروادة, فنحن ندخل الرفات, لنعود الى (القدس) وهم يخرجوننا من هناك, فكيف نكون ضد حركة الواقع. ولقد حدثنا سلامة موسى عن (مي) واعتقد انه لم يحبها ابدا ان جمالها زال في عاميه الأخيرين واصابتها لوثة من الجنون, واظنه كبت هذا الكلام, وربما كبت غيره. واتمنى على الاخوة (المثقفين) في لبنان وغيره من البلاد العربية ان يتركوا رموز الوحدة, كلا في مكانه, وان يتركوا (مي) حيث هي واقسم انني لا أعرف أين هي!!

تعليقات

تعليقات