استراحة البيان:الذين سرقوا الفرح!يكتبها اليوم- جلال عارف

كلما استمعت إلى نقيق الضفادع الذي يداهمنا على أنه الغناء العربي الحديث أو غناء الشباب كما يقول البعض, اشتقت للغناء الحقيقي وهربت إلى الأصوات الجميلة أغسل بها أذني وروحي ومع ذلك يظل الأسى على أحوال الغناء الآن بعد ان ندرت الأصوات الحقيقية وضاعت في سوق الهمبكة الغنائية . وكلما جاءت مناسبة وطنية فظهر الفقر الفني في تناولها, حتى اننا بعد ربع قرن على حرب أكتوبر لا نملك أنشودة ــ مجرد أنشودة ــ على مستواها, تقفز إلى الذهن على الفور أيام كان الفنانون يتقاتلون لينالوا شرف المساهمة في الأعمال الفنية الوطنية, وكانت هذه الأعمال تملأ دنيانا بالبهجة والحماسة والإبداع الجميل. وقصص الصراع بين الكبار على احياء حفلات الأعياد الوطنية لم تعد مجهولة, والخلافات بين عبد الحليم وأم كلثوم, واستغاثات فريد الأطرش بعبد الناصر ليشارك, والمنافسات بين أئمة التلحين, كلها أصبحت في ذاكرة الفن, ولكن الجميل ان الصراع لم يكن على أهل القمة فقط, ولكنه كان بين الجميع. خذ مثلا هذه الواقعة عن ملك المواويل وأستاذ الغناء الشعبي محمد عبد المطلب. كان (أبو النور) وهذا اسم شهرته بسبب ابنه الأكبر (نور) هو مسك الختام في الحفلات الغنائية التي يشارك فيها, وهكذا كان الأمر أيضا في حفلات المناسبات الوطنية, وكان عبد الناصر يحضر حفل عيد الثورة ولكنه لم يكن يستطيع السهر حتى النهاية, وهكذا كان يستمع إلى أم كلثوم وعبد الحليم ثم ينصرف, ويستمر الحفل مع باقي النجوم حتى الصباح. وأحس عبد المطلب بالظلم, وكان (أبو النور) آية في الظرف وخفة الظل وطيبة القلب, وكانت له لازمة شهيرة في تحية أصدقائه, وهي (ألو يا أمم) وقد أخذها منه الممثل الشهير توفيق الدقن وجعلها جزءا من شخصيته السينمائية. ونوى (أبو النور) امرا, وقبل ان يختتم عبد الحليم وصلته, تسلل إلى الصالة, وجلس بالقرب من كبار المدعوين, وما ان انتهى عبد الحليم من الغناء , وقام عبد الناصر ايذانا بالرحيل, حتى قفز (أبو النور) أمامه قائلاً: ــ وشرفك يا ريس ما انت قايم! وبين دهشة الجميع انطلق أبو النور محدثا عبد الناصر: ــ يا ريس.. البدلة جديدة, والكرافتة جديدة والطربوش جديد, والغنوة كمان جديدة.. حتروح مني فين! وجلس عبد الناصر, وصعد (أبو النور) إلى المسرح, وغنى وأبدع, وسعد وأسعد الجماهير بصوته الجميل المميز الذي لا يمكن ات تخطئه أذنك, والذي يذكرك بحي الحسين والسيدة زينب, والحبيبة التي تطل من وراء المشربية, ورائحة البخور وأيام الخير والبركة. *** أجمل ما في الدنيا ان يكون الإنسان متصالحا مع نفسه ومع الكون كله, وهكذا كان الفنان الأصيل في تلك الأيام, ومن هنا شهد الابداع في الستينات ما لم يشهده عصر من قبل, وفي كل المجالات.. من المسرح إلى السينما إلى الغناء إلى الشعر إلى القصة, كانت التحديات هائلة ومع ذلك كانت الثقة بالنفس تزيد يوما بعد آخر. ولم تكن الحياة هنية في بلد محاصر يبني نفسه بجهوده الذاتية ويطلب من أبنائه على الدوام ان يقتصدوا, ومع ذلك كانت النفوس راضية والوجوه مبتسمة, لم تكن هناك السيارات الفارهة ولا البيوت الفخمة ولا السلع الاستهلاكية شديدة البذخ, ومع ذلك كان الناس سعداء بأنهم يحققون كل يوم انجازا جديدا.. يبنون المدارس والمصانع, ويوسعون من دائرة العدل, ويمدون الحضارة إلى ناس طال حرمانهم منها. وأنت الآن قد تضحك عندما تسمع عبد الحليم يقول في أغنية شهيرة ان من بين المطالب الشعبية ان يكون هناك تماثيل رخام على الترعة وأوبرا في كل قرية عربية, ولكننا في هذا الزمن لم نكن نضحك لهذه الأحلام.. كنا نعرف أنها احلام كبيرة ولكنها ليست مستحيلة, إنه الواقع الذي جسده الموهوب صلاح جاهين حين كتب أنشودته الجميلة عن السد العالي فقال في نهايتها: فيه ناس تقول في الصباح : حلمنا والله خير واحنا الصباح ييجي .. يلاقي الحلم متحقق كان المجتمع في حالة صحة ولذلك كان يعرف كيف يبني, وكيف يقاتل , وكيف يتعلم, وكيف يبدع, وكيف يغني, وكيف يسعد بالقليل المتوفر وبالكثير القادم, كان الكل يؤمن مع أجمل الشعراء فؤاد حداد انه: لسة ابتسامتك حتكبر كل ما تقاسي لسة جبينك حيعلى كل ما تصلي ولسة كل الدموع في عنينا حتخلي ايديك تزين القلم, والمطرقة, والفاس هل هي صدفة ان يجتمع كل هؤلاء في عصر واحد: طه حسين والحكيم ويحىى حقي ومحفوظ ويوسف ادريس ونعمان عاشور وسعد وهبة وعبد الرحمن الشرقاوي, وبيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين والأبنودي, وأمل دنقل وحجازي وصلاح عبد الصبور والبياتي ونازك الملائكة, وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفيروز والرحابنة والسنباطي ووديع الصافي وعبد المطلب وصباح فخري وصباح بصل! هل جاءت كل هذه المواهب والآلاف غيرها بالصدفة وحدها, أم انه القدر أراد أن يكافئ أمة على أنها عرفت طريق الخلاص؟ أسأل نفسي كل أكتوبر: لماذا فشل الابداع الفني في الاحتفال بالنصر الكبير حتى الآن؟ ربع قرن وما زلنا لا نشاهد ولا نسمع إلا الأغنيات المجففة والألحان السطحية وربع قرن لم يظهر فيه فيلم واحد يتسامى إلى الحدث الكبير, أو مسرحية واحدة تحاول ــ مجرد محاولة ــ ان تتعامل مع الحرب التي غيرت الموازين في المنطقة والعالم. هل صحيح أننا نحسن التعبير عن أحزاننا وهزائمنا , ولا نعرف كيف نعبر عن أفراحنا؟ بالطبع لا.. فقد غنينا قبل ذلك لتأميم القناة وبناء السد, وما زالت أغنيات انتصارنا في 1956 تعيش حتى الآن. هل صحيح ان المواهب الحقيقية قد نضبت , وأن غاية ما يقدمه المبدعون هذه الأيام هو هذا الذي ننساه قبل ان ننتهي من مشاهدته أو سماعه؟ بالطبع لا.. فالمواهب كثيرة, وان كنا نعترف ان المواهب الحقيقية يتم خنقها بالاهمال والتجاهل , وان المناخ لا يسمح إلا بالضفادع الغنائية التي تستر عجزها بالموسيقى الصاخبة. المشكلة مع (اكتوبر) أننا ما كدنا نحقق معجزة العبور, حتى كان هناك الكثيرون يحاولون سرقة النصر وقتل الفرح, البعض كان يريد سرقة النصر ليحوله إلى مكاسب شخصية, والبعض كان يريد ذلك حتى لا تنفتح شهية الأمة للانتصار فتطمع في المزيد, والبعض كان يريد سرقة النصر لكي يتاجر بدماء الشهداء, والبعض كان يخشى ان يضطر للتعامل مع أمة منتصرة لابد ان تبحث عن حقوقها المسلوبة في الداخل والخارج! ورغم المقاومة البطولية, وقد أثمرت جهود الذين قرروا سرقة الفرح, ها أنت تجد آثار ذلك في حال الأمة وعيون الناس , لكن الأمر لم ينته, وعندما نستعيد ما سرقوه منا بعد أكتوبر سوف تنتهي الحالة المرضية التي نعاني منها في كل نواحي الحياة ومنها الإبداع, وسوف نعود للغناء لأننا سنستعيد القدرة على ان نحلم وان نحقق الأحلام, وسوف نعرف ان اكتوبر لا ينبغي ان يكون حالة استثنائية بل هو بداية الطريق. عندما نستعيد ما سرقوه, سوف يكون في قدرتنا ان نبدع في كل المجالات, وسوف يكون في إمكاننا ان نغني للحب والبناء والغد الأجمل, وان نحلم لأولادنا بتماثيل رخام على الترعة وأوبرا في كل قرية عربية وسوف نعرف كيف نملأ الليالي بالبهجة ونحن نحتفل بالنصر, وسوف يكون عاديا ان يقف مطرب مثل (أبو النور) ليقول للزعيم الحاكم: وشرفك ما أنت قايم يا ريس) , فيجلس الرئيس, ويغني أبو النور, ويملأ الفرح هواء المدينة, فالكل شركاء في النصر, وشركاء في التضحية, وشركاء في الفرح قبل ان يسرقوه منا!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات