تداخلت فيها الأجناس الأدبية بشكل مقصود:شخصيات تحاور ذاتها في مجموعة (مندلين) لحارب الظاهري

ان حارب الظاهري في هذه المجموعة الموسومة بـ(مندلين) وهي باكورة أعماله القصصية, يحاول أن يحاصر لحظات التشظي والإحباط والانهيار وعذابات الذكرى في حياة الإنسان, ولكنه في الوقت ذاته يحرص على تصوير مقاومة ذلك الانسان وجهاده المستمر من اجل تجاوز ظروفه والنهوض من عثراته والحفاظ على ضميره مستيقظاً. وكل هذا يضفي على مضامين هذه المجموعة سمة ذاتية رومانسية وجودية . هذا لا يعني ان (حارب الظاهري) كان متقوقعاً على ذاته غير مهتم بما يحدث خارج دائرة هواجسه الخاصة, بل إننا نراه يتناول قضايا موضوعية عامة أحياناً, على نحو ما فعل في قصته الموسومة بـ (الأعمى والفأر) التي يطرح فيها قضية الصراع العربي الإسرائيلي, وعلى نحو ما فعل في قصته التي تحمل عنوان (موت العصا) التي يعالج فيها إشكالية صراع الأجيال, وكذلك الأمر بالنسبة الى قصة (برباكا) التي يطرح فيها قضية صدام الحضارات وخصوصية الشرق في مواجهة الغرب بأسلوب رومانسي. واذا كانت مضامين هذه المجموعة متباينة تنوس بين الذاتية والموضوعية, كما نرى, فإننا لا نستطيع ان نزعم ان قصص هذه المجموعة تتواشج جميعا وتتآلف وتتجانس من حيث مضامينها, وبالتالي فإن العنوان (مندلين) لا يشكل أي دلالة رابطة بين قصص هذه المجموعة, وكل من يحاول أن يربط هذا العنوان بإشكالية ثابتة تربط بين قصصها, كإشكالية الصراع بين الشرق والغرب, يتمحل ويتنكب جادة الصواب, لأن هذه الاشكالية لم تطرح في الحقيقة إلا في قصة واحدة من قصص هذه المجموعة, وهي قصة (برباكا) . هذا من حيث المضمون, أما من حيث الشكل فإنه يمكننا تسجيل الخصائص الآتية في هذه العجالة: الإفادة من الشعر والخاطرة ان ظاهرة تداخل الأجناس الأدبية أصبحت ظاهرة مألوفة في الآداب العالمية, وهي ليست ظاهرة جديدة, بل تعود في جذورها الى المسرح الإغريقي الذي كان يزاوج بين الشعر والسرد والحوار والغناء, وما إلى ذلك من الفنون التي تأتلف ائتلافا وتتآزر مستهدفة نقل إحساس أو أفكار معينة الى المتلقي. وقد غدا الخلط بين الأجناس الأدبية واعياً ومقصوداً في أعمال الرومانسيين, وذلك منذ أن أخذ شكسبير يهد أركان النظرية الأدبية الكلاسيكية. وبالرغم من أن المنظرين يريدون أن يضعوا حدوداً فاصلة بين الأجناس الأدبية, فإن الأعمال الأدبية كانت تتجاوز تلك الحدود باستمرار, ومن هنا فإن أولئك المنظرين الذين كانوا يكابدون عناء ضبط الأجناس الأدبية التي تتمرد على الانضباط في مبانيها وأشكالها, يخفقون إخفاقاً ذريعاً في الوصول (إلى نظرية واضحة وصريحة) لتلك الأجناس. ومن هنا فإن هذه المجموعة القصصية لا تصف شيئاً جديداً عندما تختلط فيها ملامح الشعر بملامح السرد القصصي بملامح الخاطرة, إن جاز لنا أن نعد الخاطرة جنسا أدبياً. وأيا ما يكون الأمر, فإذا كانت ملامح السرد القصصي لا تحتاج إلى إيضاح, ما دامت هذه المجموعة تدخل في باب الجنس القصصي من خلال وجود عنصر السرد الخيري, فإن ملامح الشعر والخاطرة تحتاج إلى شيء من الإيضاح. أما عن ملامح الخاطرة فإنها تتجلى خاصة في قصر النفس, ومحاولة القبض على اللحظة المرتعشة في حياة الإنسان, ولعل قصة (امرأة ثلجية) تعد النموذج الصارخ لجنوح الكاتب حارب الظاهري نحو شكل الخاطرة, فقد جاءت هذه القصة في فقرة واحدة بأسلوب مكثف نابض مستهدفة محاصرة لحظة شاردة في حياة امرأة (تصل إلى محطة القطار وتسافر وسط الثلج) في ليلة من ليالي عيد الميلاد. وأما عن ملامح الشعر فإنها تتجلي خاصة في النسيج اللغوي الذي يتسم بالشاعرية. إن اللغة في هذه المجموعة لا تتخذ وسيلة لنقل الخبر ووصف الأحداث والشخصيات والبيئة فحسب, وإنما تتخذ هدفا في حد ذاتها, وهو ما نجده في الشعر خاصة, ولا سيما الشعر الحداثي. وإذا أردنا ان نبحث عن شواهد في هذه المجموعة على هذا التعامل مع اللغة, فإننا نجد الكثير. ــ (في هزيع الليالي تقف وحدك, تقارع شهوة اختلاجك الرثة. تذهب بعيدا حيث لا شيء سوى نغمة التعري. تسجي أنشودة الصمت الحزين, في نبض المواقيت الباردة) . ــ (وكل شيء يبدو عليه الانتفاخ الشديد والاحمرار, والشوارع السوداء تنهض من تحت الانقاض القديمة البالية, تمد أذرعها الشاحبة الى مدارات الاصوات المختلفة, تزلزل صمته المذعن في أمكنة مبهمة وخالية, ليس لها وجود, إنها تجثو بعيدا وهو ينحدر رويدا من آلتيه المطبق بالهذيان, جاسراً تحت ارتعاشات الظلام في قممه المحتشدة دونما ادنى انحسار, وعيون الصمت الشرسة ذات المخالب الباردة ترقبه فيطوي صفحة وجهه المتوارث يومياً من على قمة الهرم الجسدي الضئيل المتآكل) . ــ (وجدتني مكبلا بين لحظات صمت مع نفسي الوجلى, حبيبات العرق تتلاصق على جبيني, تمتد يدي طويلة على مداها, تحرك قبضة النوافذ, كأنها تقتلع الجدران أو تنبش الهواء الرطب الذي يتحرك نحو وجهي المكفهر, يذيب تلك الحبيبات الملأى بالسواد ثم يتحرك نحو خصلات شعري, يطمس وجوده المكتظ في دواخلنا, لا نراه قط, لكنه الهتاف القادم من بعيد) . ان هذه الشواهد المقتطفة من بعض قصص هذه المجموعة تعد غيضاً من فيض من الأساليب الشعرية التي تنضح بها لغة حارب الظاهري التي لا تختلف عن لغة الشعر, الا من حيث كونها لم ترتب في سطور ولم توزع على مقاطع على نحو ما هو معروف في الشعر الحر أو الشعر المنثور, وكما نرى فإن الكاتب هنا يفجر لغة قصصه على نحو ما يفعل الشعراء الحداثيون تحديداً, بحيث تغدو هي البطل بدلاً من الشخصية في كثير من القصص, كقصة (انشطار المرايا) وقصة (انفجار في الذاكرة) وقصة (نبض الصمت) . ومن ملامح الخطاب الشعري في قصص حارب الظاهري كذلك أن الشخصيات القصصية تحاور ذواتها ولا تحاور الآخرين, وهو ما يعمق البعد الذاتي في هذه القصص, وينأى بها عن الموضوعية التي تعد من أهم سمات الخطاب السردي, ان لم تكن اهمها على الإطلاق. في قصة (السقوط) يصارع البطل ذاته ولا يصارع الآخرين, ويحاكم ذاته ولا يحاكم الآخرين, فنحن أمام رجل يحس باليأس والإحباط والضياع, ويجلد ذاته بسياط التوبيخ والتأنيب بعد أن يهجر عائلته ويهملها, ثم ما يلبث أن يستيقظ ضميره الذي ما يفتأ يعنفه. وفي قصة (نبض الصمت) يغرق البطل في هواجسه وكوابيسه وأحلامه, فيرى إخوته يختطفون من الشاطىء, ويتوهم ان شرذمة من آكلي لحوم البشر تلتهمهم, ثم يكتشف في الأخير أن أولئك الإخوة كانوا بجواره ولم يصابوا بأذى, وهو يوحي بإحساسه بالذنب وتقصيره في حقهم, وكأنه يسقط هذا الإحساس بالمعنى السيكولوجي من خلال هواجسه وكوابيسه. وفي قصة (انفجار الذاكرة) يعود الأب الذي كان قد ارتحل, فيجد ابنته تئن وتعاني من وطأة المرض, ويحاول ان يبحث لها عن دواء ليلاً فيطرق الأبواب دون جدوى ثم يعود ليجدها قد ماتت. وهو الموقف الإنساني الذي يفجر فيه إحساساً مريراً بالضياع وافتقاد الذات. ومن ملامح الخطاب الشعري في هذه المجموعة كذلك ما نلمسه فيها من صور شعرية ذات بناء ينم عن جهد مبذول في ابتكارها والاحتفال بها, وهي ظاهرة مألوفة في الشعر وليست مألوفة في القصة أو الرواية. ويمكن أن نستأنس في هذا المقام بالصور الآتية على سبيل المثال لا الحصر: ــ (ها أنت تحتسي ضجر الشوارع المتجمدة) ــ (وظل الطريق يتلوى تحت قدميها مثل جسر يتجرع الوقت نصفه) . ــ (خرجت لتوي أشعل قناديل صمتي تحت ستر الليل) . ــ (ضوضاء تجرجر ذيولها من بعيد) . ــ (امتص الفرح الرجال والنساء والأطفال, وظل حليب المرأة العجوز باردا حتى لعقت بقايا شمس الشتاء) . إن مثل هذه الصور الشعرية التي تستهدف اثارة الدهشة والغرابة تدل دلالة قاطعة على مدى عناية الكاتب ببنائها وكأنه يبدع قصيدة وليس قصة, وهي في وظيفتها وجوهرها لا تختلف كثيراً عن صور الشعراء الحداثيين الذين يجردون الصورة من وظائفها التقليدية, مثل وظيفة التصوير والتعبير والتفسير. غياب الحدث وهي ظاهرة نجدها في كثير من أعمال الكتاب المعاصرين, فنحن نقرأ احياناً قصة فلا نجد فيها حدثا معينا, له بداية وعقدة ونهاية على نحو ما نجد في قصص الكتاب الكلاسيكيين من أمثال (محمود تيمور) و(نجيب الكيلاني) و(يحىى حقي) و(توفيق الحكيم) وغيرهم, وانما بقايا حدث أو شظايا قصة ان صح التعبير, وفي كثير من الأحيان نتساءل: ما الذي جرى في هذه القصة؟ وهل هناك حدث ما يمكن تلخيصه؟ فلا نستطيع الإجابة. إن هذه الظاهرة ذاتها نجدها في مجموعة (مندلين) التي تستعصي على التلخيص او التحديد غالباً, لأنها تحاول أن تعبر عن لحظة سيكولوجية او وجودية في حياة الإنسان اكثر من تصويرها من خلال السرد القصصي. وهو ما يترتب عنه بالضرورة غياب للحوار وغياب للجملة الخبرية وسيطرة للجملة الإنشائية الشعرية التي أشرنا إليها منذ قليل, كما يترتب عنه كذلك تفتت البنية القصصية واللجوء الى النهايات المفتوحة على نحو ما نرى في قصة (انشطار المرايا) . نزعة التعميم وتتجلى لنا بوضوح في رسم الشخصيات التي تفتقر غالباً إلى الملامح الخصوصية التي تميزها عن غيرها, إن الكاتب يضن على شخصياته بالأسماء والسمات الجسدية والمواقف الاجتماعية والحدود التاريخية او الزمنية التي تؤكد تفردها, ولذلك فقد جاءت شخصيات هذه المجموعة مجردة مطلقة, وليست حية نابضة. ومن مظاهر التعميم في هذه المجموعة طرح بعض القضايا الكبرى التي تتناقض مع طبيعة القصة القصيرة التي تهتم عادة بالموقف الواحد في حياة الإنسان, ولعل قصة (الأعمى والفأر) التي تطرح قضية الصراع العربي الإسرائيلي افضل نموذج يؤنسنا الى هذه السمة. توظيف المكان لقد استطاع حارب الظاهري في هذه المجموعة ان يوظف المكان من خلال, شحنه بدلالات المضامين, فالمكان في هذه المجموعة يحاصر الانسان ويطوقه ويسجنه ويعمق احساسه بالعزلة والاغتراب والضياع. ويكفي في هذه العجالة ان يخيل القارىء على قصة (الرجل) وقصة (الغرفة) , حيث تغدو المدارس سجونا والغرف الضيقة معتقلات تحاصر مصائر الشخصيات التي تهفو الى الحرية والإنطلاق. وأيا ما يكون الأمر, فإن حارب الظاهري في مجموعته (مندلين) يظل صوتاً واعدا مبشراً بكاتب ناضج أصيل في أسلوبه, ونأمل أن يدأب على تطوير أدواته الفنية ويحاول أن يبذل جهوداً أكبر بغية تجاوز شرنقة الذات إلى الآفاق الموضوعية الرحبة التي تلائم جنس القصة, وما ذلك بعزيز على كاتب مثله, يمتلك زخم التجربة الإنسانية وناصية الأداة اللغوية. بقلم: د. الرشيد بوشعير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات