استراحة البيان: عن أبي العلاء المعري وبيكاسو: يكتبها اليوم- محمد الخولي

ترى, ما الذي يجمع بين مفكر متشائم وبين شاعر بارع مطبوع وبين فيلسوف يغوص في أغوار النفس البشرية, ثم بين هؤلاء جميعا, وبين رسام مبدع في الفن ومكثر في ارتشاف رحيق الحياة في آخر النظرات ؟ نعم, ما الذي يجمع بين أبي العلاء المعري وأحمد شوقي وأبي علي ابن سينا, وبين الرسام الاسباني بيكاسو؟ الذي يجمع بينهم هو الحمامة, الطائر الصغير الرقيق الذي ظل رفيقا للشعراء الرومانسيين وللعشاق المشغوفين الذين يترقبون مقدمه من أجواز السماوات كيما يحط على أفنان الشجر, ثم يصغون الى هديله وقد يأنسون الى ما يتصورون انه نوح الحمام وسجعه العميق الايقاع, هو من طبقة الباريتون الصوتية لكن فوق حبال من حرير الحنجرة, موجاته تشي بالعمق والشجن بغير خشونة. على ان هذه الكوكبة من المفكرين والمبدعين تختلف كثيرا من حيث اطلالة افرادها على شخصية (الحمامة) وسجعها وهديلها ونوحها, بل ودورها كرمز ودلالة عبر اختلاف الظروف والثقافات: عمنا أبو العلاء رجل ليس عنده وقت ولا صبر للاصغاء ساعات طوال الى شجو الحمائم ولا التغزل فيها أو انتظار تشريفها والتواصل مع ايقاع الهديل باريتون أو غير باريتون. وكيف له ان يفعل وقد آذته الآفة التي ولد بها فكان ان اعتزل الناس وسبح عكس التيار وهجا الناس في عصره على ما رآه استسلاما لحكاية الرومانسية حيث يكلف الخلق بالحب واللهو والدنيا من حولهم قضايا وأشجان وهموم وهكذا اعلن المعري رأيه في كلماته الشهيرة في (اللزوميات) يقول: غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد ابكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد هكذا ــ على بلاطة وبغير مواربة ــ يكاد يقول رهين المحبسين ــ سجن الآفة وسجن العزلة انه لا يهمه لا شدو الطير ولا نوح ذوات الطوق, فهو رجل جاد, دوغري. و... علم الله كم كان يجيش في نفس شاعر المعرة المشرقي من عواطف أو انفعالات عمد الى كتمها حتى يعلن على عصره مثل هذه الكلمات, أفلا يذكرنا هذا بعبقري آخر في مضمار الشعر هو المتنبي حين ارسل ابياته الشهيرة في شتيمة المصريين أو بالأدق شتيمة كافور وبطانته وقد حكموا الكنانة في غفلة من الدهر ــ قال: لم يترك الدهر في قلبي ولا كبدي شيئا تحركه عين ولا جيد أصخرة أنا؟ ما لي لا تحركني هذي المدام ولا تلك الاغاريد ولا يغيب عن اهل الفطنة طبعا ان يقرأوا كلمة المدام بالضم كناية عن العقار أو الشراب, ومنهم من قرأها في عصرنا بالفتح كناية عن سيدة جميلة طبعا لعلها كانت من نجمات المجتمع المخملي الاخشيدي الذي عايشه وقتها أبوالطيب المتنبي ثم, هاهو ثاني نجوم الكوكبة, احمد شوقي يستلهم تراث أمته في عشق الحمام وشجو الحمام وكان ذلك بالذات في سنوات المنفى الاندلسي التي عاشها احمد شوقي مبعدا بأمر الانجليز عن مصر الى اسبانيا, فكان ان ارسل ابياته الجميلة مفتتحا قصيدته التي عارض بها نونية ابن زيدون (أضحى التنائي) ومضيفا اليها جمالا من بعد جمال فقال مخاطبا الحمام مباشرة وربما لإغاظة سلفه الكبير ابي العلاء: يا نائح الطلح اشباه عوادينا نأسى لوادينا أم نشجى لوادينا أما الفيلسوف ابن سينا فقد كان له مع الحمامة الورقاء شأن آخر تكاد تقول انه خلد ذكرها في مضمار الثقافة العربية ــ الاسلامية وربما في محيط الثقافة والمعرفة الانسانية بعامة. لقد اتخذ الحمامة رمزا ــ ما زال باقيا للنفس الانسانية وربما فعل المفكر الاسلامي ذلك كي يقرب الى افهام قارئيه حقيقة المدارج والاطوار التي اجتازتها النفس البشرية من لحظة خلقها وفطرتها الى لحظة نزولها من عند الخالق الفاطر كي تعيش في دنيا الاحياء ــ قال ابن سينا في قصيدته العينية الشهيرة: هبطت اليك من المحل الارفع ورقاء ذات تدلل وتمنع ان كان أهبطها الاله لحكمة طويت عن الفذ اللبيب الأروع فهبوطها لاشك ضربة لازب لتكون سامعة لما لم تسمع وتقود عالمه بكل خطية في العالمين, فخرقها لم يرقع وهي التي قطع الزمان طريقها ثم الطوى فكأنه لم يلمع ومن الحمامة الورقاء الى الحمامة المطوقة, تلك التي تفنن الخالق في ابداعها وقد طوق جيدها سوار ملون صار زينة لها وتاجا لإطلالتها. ولأمر ما فقد نسبت الثقافة العربية منذ عصور الحضارة الزاهرة دور النوح والشجن الى تلك الحمامة المطوقة, تأمل مثلا الشاعر العربي يصف هذا الدور قائلا: مطوقة لا تفتح الفم بالذي تقول وقد هاجت الى الشوق اجمعا تؤلف احزانا تفرقن بالهوى اذا وافقت شعب الفؤاد تصدعا لا عجب اذن ان يصنف الفقيه الاندلسي ابن حزم كتابه الاشهر في الهوى وفنونه وأساليبه وبدائعه وشجونه ثم يختار له عنوانه (طوق الحمامة) ويدفعه الى الناس آية, على ان حضارة العرب والمسلمين تتفهم الشأن الانساني والنزوع البشري وانها بلغت من رقة الحاشية وارتفاع المكانة ومجد الانجاز الى الحد الذي تجمع فيه بين بناء الصروح المادية وبين الاحتفال بأشواق الروح, وان الحب اختيار انساني قد يسمو به البشر وقد يهبطون بمستواه فهو اختيارهم في كل حال, ولكنه في كل حال ايضا اعتراف بأن الانسان ــ في اعراف الحضارة العربية ــ الاسلامية ليس دماغا يفكر فقط ولا معدة تهضم فحسب, ولكنه ايضا قلب يخفق ومشاعر تجيش وفؤاد يهفو, وها هو شاعر عربي آخر, لم نعرف له اسما, ولكنه يتوحد في اشواقه وأشجانه مع حمامة الايك فيقول: يهيج علي الشوق نوح حمامة دعت شجوها في اثر إلف تشوقا دعت فبكت عينا محب لصوتها وفاض لها ماء الهوى فترقرقا أخيرا نأتي الى صاحبنا بيكاسو الذي تربى في نشأته الاولى في وطنه اسبانيا, ولا تدري ماذا كانت نوازعه حين أراد ان يصوغ للعالم والعصر رمزا باقيا للسلام الدولي ربما استلهم جذوره الاندلسية وهي مستكنة ولاشك في ثقافة اسبانيا ولذلك اطلق اسم (بالوما) الحمامة على ابنته! والحاصل انه اختار الحمامة الرقيقة الصغيرة رمزا للسلام وهو ــ بيكاسو ــ الذي عاش ويلات حربين كونيتين في هذا القرن ثم وضع في منقارها الجميل غصن زيتون وهو الشجرة الطيبة المباركة التي تخص الناس جميعا فهي لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وهكذا استوى امام الناس رمزا للسلام العالمي ــ الانساني. ومن الناس من لم يسمع يوما عن بيكاسو, وفهم من قد يتصور الاسم ماركة صابون أو اسم دويلة عند اقاصي البحر المحيط, ولكن كل الناس سوف تفهم انها بإزاء رمز للسكينة والسلم عندما تطالع حمامة ورقاء تحمل الى دنياها غصن زيتون يخفق القلب لمرأى الحمامة, يأنس اليها وربما يسترعي الخاطر هديلها أو نوحها, بحبها, ولو كره المعري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات