في قراءة للوحات مبدعيه: الفن التشكيلي السوري بلاغة جمالية عالمية

حركة التشكيل السوري لها حضورها المحلي والعربي والعالمي, وهي ــ الآن ــ تقف على عتبة مرحلة جديدة, من خلال التداخلات و التجاذبات التي تأرجحت لإفساح المجال لاحتضان تجارب عديدة, لمواهب جديدة , ومن خلال استرجاعها لاعمال فنانين كبار, اشتهروا ونجحوا في الداخل كفاتح المدرس, نذير نبعة, احمد معلا, وغيرهم من فنانين نجحوا في الخارج بحكم الغربة كعمر حمدي, وبشار العيسى, وعنايت عطار وفنانين راحلين ما زال لهم حضورهم المتميز في الحركة التشكيلية, فضلاً عن ريادتهم لتلك المرحلة التي ما زالت تظهر على واجهة المعارض ــ وواجهة الذاكرة ــ كـ لؤي كيالي, نصير شورى, أدهم اسماعيل وآخرين. وما دام لا شيء ينبت من فراغ حتى الابداع وما دام الفن التشكيلي السوري قد أثبت حضوره ــ محلياً وعربياً وعالمياً ــ فالأجيال القادمة هي ايضاً تمضي بخطى هؤلاء المبدعين, الذين أسسوا بنية تشكيلية مميزة, ليكونوا خير مرجع لتجارب الفنانين الذين يتلمسون اليوم طريقهم في عالم التشكيل المفتوح على لغة بصرية وبلاغة جمالية ورؤى انطباعية وأبعاد انسانية وحضارية وتاريخية عديدة. فالفنان خضر عبدالكريم لديه هاجس أساسي من حيث التركيز على تقنية وضع المادة اللونية, مشتقاً عالمه اللوني من ألوان البيئة (الأخضر والترابي والرمادي) مع وجود فضاءات متسعة من الصراحة والوضوح, بريشة أنيقة تمرست في تصوير عوالم العزلة والانكسار والضعف البشري التي تفيض من ثنايا الواقع, فلوحته تعكس حالة نفسانية, وتعبر عن قلق داخلي عميق. أما بالنسبة لأحمد عكو, فلوحته مبنية بتقنيات الألوان المائية (الأكريليك) والباستيل الزيتي, وهي عبارة عن ترجمته الانفعالية الذاتية في التعبير عن الحزن الدفين لهؤلاء النسوة الأربع المتأزمات وكأنها صورة واقعية لانفلات الذات الانسانية المتفاعلة مع محيطها البيئي المملوء بالمعاناة والمآسي ودروب الآلام الدفينة. أما راجال خليل, فإنه يعتمد على التصوير الزيتي الواقعي, وحجته في ذلك (أن الواقعية هي المذهب الوحيد الذي يمنح الناس وعياً للنسيج, وبذلك يعتبر الفن الواقعي قوة فاعلة في حياة الأمم والمجتمعات) , على الرغم من هذا الايمان المطلق بالواقعية, لم يدخل راجال خليل في المباشرة, بل أخذ من الواقع أسبابه وأصوله, ثم اعطاه تأليفاً ابداعياً, متسربلاً بهرموني لوني يحمل ايحاءاته ودلالاته. أما ابراهيم حيدر, فإنه يتناوب على الألوان الداكنة والمظلمة, وعلى الألوان النارية في بعض الزوايا. ويتناول بعضاً من التاريخ, وكأنه يشير الى الدماء والمصائب التي خلفتها تلك الحروب والنزاعات عبر تعاقب العصور. اما بالنسبة لـ محمد سعدون, فقد أراد أن تكون لوحته عرساً للألوان, حيث تحتوي الازرق والاخضر والأصفر والبرتقالي والأبيض, وفيها تصوير يتآلف مع التجريد. أما هجار عيسى, فلوحته مسكونة بصمت ووحشة الموت وتوقف الزمن, لذلك يلجأ الى مفردات بيئية, وهذا اللجوء, لجوء الى ارض ما, الى مكان ما, رافضاً الانسان وقسوته, لذلك تأتي لوحته ترابية وعاجية, تحددها خطوط حادة منكسرة, خفيفة ثقيلة, مع بقع حمراء باهتة جافة, وكأنها مكونة من غيمة مطرها تراب احمر, وفي استقبالها ارض خراب. ولدى عبدالغفور حسين, يتشابك القتل في لوحته التي لا تحدد بشكل أو بلون فقط موت صاخب مغلف بصمت الزمان. موت في مكان يلغي المكان. انه ينطلق من السوريالية, معتمداً صيغة هندسية معقدة نوعاً ما. لقد عمد الى تفكيك الأشكال الخارجية للموضوع, وكأن مهمته تسجيل المؤلم المنفعل. وللتأمل في هذه التجارب, نكتشف ان لغة الفن واحدة, ولكن ذات لهجات مختلفة, لذلك كان هذا السفر اللوني, شبيهاً بسيرة جمالية ومأساوية معاً. فاللوحات تراكم الاحتمالات, وتوضح المجازات, وتجمع لحظات مختارة من الحياة, من الطبيعة, لأنها اندماج الحلم بالواقع, والوضوح بالغموض, والحياة بالموت. سوريا ــ لقمان محمود

طباعة Email
تعليقات

تعليقات