استراحة البيان: ويبقى الوجود جميلا: يكتبها اليوم- كامل يوسف

نزع صاحبنا البيريه الاسود ذا الحافة الحمراء القاتمة الذي طالما اعتز به مقاتلو الدفاع الجوي في حرب أكتوبر 1973 التي نوشك على الاحتفال بيوبيلها الفضي ومرور 25عاما على انطلاق عاصفتها الكاسحة, ومسح العرق الذي انعقدت قطراته على جبينه , ودس يده في جيبه تحت (البوشرت) الذي يرتديه, وتطلع حوله في كثير من الضيق وغير قليل من الحيرة. قادته قدماه, ربما بشكل آلي, الى بوفيه محطة القطارات المركزية, بعيدا عن محطة الحافلات المزدحمة, وعندما تناهى اليه عبق القهوة الجميلة التي كان أيامها يشربها (سادة) اي بدون سكر استمرارا لعادة قديمة ورثها عن أبيه, لمعت في رأسه خاطرة, تشكل مخرجا من شعوره بالضيق. والحكاية انه قد تأخر في القدوم من وحدته التي يخدم بها في الصحراء البعيدة الى العاصمة خمس دقائق لا غيرها كانت كفيلة بعدم لحاقه بالحافلة التي تمضي من العاصمة مباشرة الى البلدة التي يقطنها أهله عند حواف الصحراء الشمالية الشرقية, وموعد الحافلة التالية لن يحل قبل ساعتين, ولا وجود لسيارة واحدة من سيارات الاجرة العتيقة المعهودة على الرغم من عدم ارتياحه للمضي بهذه الأخيرة لقطع مسافة تزيد على 150 كيلو مترا, اما القطارات فان عليه ان يبدلها ثلاث مرات وينتظر في محطتين ساعات طويلة لكي يقطع هذه الرحلة العجيبة في وقت استبد به التعب والاعياء بعد رحلة لا ينقصها الطول من كتيبته الى العاصمة. لم يكن في أحسن أيام عمره, فحرب أكتوبر بكل وهجها قد انقضت, وبدا بعدها كل شيء مخيبا للآمال, وحتى بعد هذه السنوات والوصول الى منتصف السبعينيات تقريبا, لم يكن هناك حديث عن قرب إحالة دفعته من ضباط الاحتياط الى الاستيداع بعد أن منحوا المؤسسة العسكرية سنوات طويلة من أعمارهم. كانت الفكرة التي لمعت في رأسه هي المضي الى احدى دور السينما في قلب العاصمة, لا لمشاهدة الفيلم الذي تعرضه, وانما للاسترخاء على المقعد الوثير في القاعة المكيفة هربا من الحر اللافح الى ان تنقضي الساعتان ويحل موعد الحافلة التالية التي ستنقله الى بلدته البعيدة. لم يكمل فنجان قهوته, وانما دفع حسابه, ووثب الى سيارة اجرة أسرعت به الى وسط العاصمة, حيث أوقفها امام دار سينما يعرف تماما أنها شبه خالية, ولن يجد فيها ما يزعجه, وربما غرق في النوم ساعة أو نحو ذلك من دون منغصات. كانت دارا متخصصة في عرض الافلام السوفييتية, التي لا تلقى حماس الجمهور الذي تعود على الافلام الامريكية, وبالتالي كانت قاعة العرض شبه خالية تقريبا, كما توقع, وبادر الى الجلوس مسترخيا في مقعده, وهو يعد نفسه لنوم عميق, على الفور تقريبا, بعد أن اوصى أحد منظمي القاعة بايقاظه بعد ساعتين الا ربع على وجه الدقة. لكنه لم ينم, بل ولم يغمض له جفن للحظة واحدة, وانما مضى يتابع العرض بغير قليل من الانبهار بما يراه, وسرعان ما تحول الى كتلة من الاعصاب النابضة بالحيوية, وانصب تركيزه كله على متابعة ما يجري أمامه على الشاشة. مرت الساعتان كلمح البصر, ونسي صاحبنا موعد الحافلة التي ستنقله بعيدا, وظل حتى اللحظة الاخيرة من الفيلم يتابع بذهول واستمتاع عرضا ربما لم تر العاصمة مثله من قبل, ولن ترى ما يقرب منه لسنوات طويلة. عندما انتهى عرض الفيلم, خرج مسرعا كأنما اصابه مس ليحجز تذكرة في العرض التالي للفيلم نفسه, وكأنه يرغب في استعادة كل ثانية فيه, كل لقطة, كل لمحة فنية, كل بادرة ابداع مما امتد أمام ناظريه على الشاشة الفضية. ترى ما السر في هذا كله؟ ما الذي يدفع هذا الرجل المرهق حتى أطراف اصابعه الى نسيان رحلته التي انتظرها طويلا ودخول هذا الفيلم للمرة الثانية؟ ما هو البعد الاستثنائي وغير العادي الذي أخرجه من حالة الضيق التي تحيط بأيامه الى حالة من الحماس والانبهار والحرص على المتابعة بشغف واستمتاع؟ الصدفة وحدها كانت وراء هذا كله, الصدفة التي جعلت هذا الفيلم انتاجا سوفييتيا, وبالتالي اتاحت امكانية عرضه ــ كفيلم سوفييتي ــ في هذه العاصمة, وهي صدفة لم تتكرر بحسب ما يعلم حتى الآن. لم يكن هذا الفيلم الا (درسو أوزالا) للمخرج الياباني الكبير أكيرا كيروساوا, الذي رحل عن عالمنا يوم الاحد الماضي بعد عمر امتد 88 عاما, قدم خلاله حشدا هائلا من الافلام, يندرج معظمها في قائمة أرقى ما عرفته التقاليد السينمائية كتجسيد للابداع البصري. ومن المؤكد انه لم يأت من فراغ ان صناعة السينما في العالم كله أطلقت على كيروساوا لقب (الامبراطور) . صاحبنا الضابط الشاب أنفق سنوات من عمره بعد ذلك يطارد أفلام كيروساوا, محاولا الحصول عليها في صورة شرائط فيديو من أركان الدنيا الاربعة, وعلى الرغم من انه لم يوفق بالقدر الذي تمناه, الا أن الحصيلة التي توصل اليها كانت شيئا ثمينا ورائعا. لم يكن ما يسعى اليه هو (اقتناء) هذه الاعمال, وانما ان يراها, ان يرتحل عبر جمالياتها, ان يحدق ملء عينيه عبر هذا الافق الجمالي الذي لا مبالغة في وصفه بأنه رهيب, ان يستمتع, وان يتعلم في وقت واحد, ان يقف في حضرة (الامبراطور) موقف التلميذ المبتدىء الذي يقرأ الابجدية الاولى في فلسفة السينما, حتى وان علا به العمر. أصدقاؤه تفهموا هذا الجانب, وكانوا كراما بحق, فحملوا اليه من أركان الدنيا أفلاما مثل (الساموراي السبعة) و(راشومون) و(ذو اللحية الحمراء) , و(ران) و(ظل المحارب) , و(أحلام) .. وبالطبع (درسو أوزالا) . وهو بدوره تفهم هذا الجانب لدى اصدقاء آخرين له, فتعامل ــ بحب وتسامح ــ مع من قام منهم باستعارة طويلة المدى لفيلم من هذه الافلام ولم يعده في نهاية المطاف, فليس مهما من الذي يقتنيه في النهاية, وانما المهم ان تحب هذا الفيلم, وان تحاول ان تفهمه, ان تتذوق جمالياته, ان ترحل عبر الآماد الجميلة ــ والموحشة ــ التي تحملنا اليها كاميرا أكيرا كيروساوا. هنا يبرز سؤال مهم: ما الذي يعلمنا إياه المخرج الياباني الكبير الراحل؟ هذا سؤال يجد صاحبنا, الذي لم يعد ضابطا, ولم يعد شابا, ان الاجابة عنه تشكل تحديا حقيقيا, يتعين لكي يخوض غماره ان يستجمع ذكريات ربع قرن كامل من مطاردة جماليات السينما, كما عرفها, وكما أحبها, وربما في أحيان كثيرة كما اختلف معها وضاق بها ذرعا. ما اجتذبه في فيلم (درسو أوزالا) الذي استهل حالة العشق بين صاحبنا وبين عالم أكيرا كيروساوا يتلخص في كلمة واحدة, ان كان يمكن ان يوجد مثل هذا التلخيص, وهذه الكلمة هي الاغتراب. ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ في هذا الفيلم, يشكل النسيج الكلي للعمل دراسة بصرية فريدة من نوعها للتوحد المطلق بين الصياد الذي يحمل الفيلم اسمه وبين غابة التندرا الهائلة التي تم فيها تصوير العمل, فالغابة نبض قلبه ودفق حياته, وهو يعرفها كما يعرف خطوط كفه, ويعشقها عشق العين لضياء الفجر الوردي. وبالمقابل فإنه في المدينة يحس بالتمزق, بالضياع, بالوحدة وسط الزحام, وبالانزعاج من الضجيج واللامبالاة والقبح, والعكس تماما هي الحال مع الضابط الذي ينقذه الصياد من الهلاك في الغابة. في (الساموراي السبعة) الذي قدمته هوليوود في صياغتها الخاصة تحت عنوان (العظماء السبعة) وقلدته السينما العربية تحت عنوان (شمس الزناتي) ليس مهما ان تتابع مشاهد المعارك, وانما المهم ان تفهم ما الذي تدور حوله المعارك, المهم ان تفهم ان المنتصر الكبير في النهاية ليس الساموراي بكل كبريائهم العدمي, وانما المزارعون البسطاء الذين يغرسون شتلات الارز في نهاية الفيلم ليملأوا الأرض بالخضرة. والبعض يظن ان الارتباط بين أكيرا كيروساوا وبين شكسبير, والذي تجسد في تقديم المخرج الياباني لاعمال عديدة مستوحاة من النسيج الشكسبيري, يعني ان رؤية كيروساوا للانسان هي رؤية متشائمة. ولكن السؤال هو: الى اي حد يمكن القول ان هذا صحيح؟ في فيلم (ران) سنرى تنكر الابناء لابيهم على نحو فاجع ووحشي, لكننا ايضا سنرى قيم الصدق والوفاء والاخلاص والحرص على كل ما هو نبيل, والمهم هو الزاوية التي تنظر من خلالها الى الصراع بين الجانبين. وهناك فيلمان لا معنى للحديث عن أكيرا كيروساوا من دون التوقف عندهما طويلا, ودع عنك جانبا ان أولهما وهو فيلم (راشومون) قد فاز بجائزة الاسد الذهبي لمهرجان فينيسيا في العام 1951 والفيلم الثاني هو (احلام) الذي اطلقه كيروساوا في 1990. والحكاية في (راشومون) بسيطة بلا حدود فهناك زوج هو ساموراي عتيد يمضي مع زوجة في طريق مهجور يجتاز احدى الغابات, ويعترضهما قاطع طريق يقتل الزوج ويغتصب الزوجة. المشكلة الحقيقية ان هذه الحكاية التي تبدو لنا بسيطة الى حد السذاجة يرويها أكيرا كيروساوا بلغة بصرية شديدة الرقي بالعديد من وجهات النظر, مرورا بالزوج او بالاحرى روحه الراحلة عن عالمنا والزوجة وقاطع الطريق وأخيرا صياد شاهد الاحداث من وراء أغصان الغابة. لكننا في كل مرة سنجد أنفسنا أمام رواية مختلفة, ربما الى حد التناقض مع غيرها بحيث اننا في نهاية المطاف لا نملك الا ان نتساءل أين هي الحقيقة بالضبط؟ أليست الحقيقة نسبية؟ أليس هناك من الحقائق بقدر ما هناك من رؤى للوقائع؟ وفي (أحلام) يجد المشاهد نفسه مع سلسلة من التأملات التي تمضي بعيدا الى حافة السريالية وربما الهذيان البصري, لكنها جميعا تتعانق لتؤكد على التحذير من خطورة المسار الراهن الذي يمضي به بشر المنعطف الرابع للقرن العشرين منجرفين بعيدا عن قيم الأصالة تحت تأثير تيار العولمة الجارف الذي قد يجرد البشر من أنبل ما فيهم من قيم انسانية. واليوم عندما يرحل اكيرا كيرو ساوا عن عالمنا يعلمنا حقيقة بسيطة: ان هذا الوجود ــ وجودنا ــ يظل جميلا, بقدر ما نظل على استعداد لقطع الميل الاضافي, لبذل المزيد من الجهد لجعله جميلا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات