استراحة البيان:أدب التوقيعات: يكتبها اليوم - محمد الخولي

وهو في الأصل أدب الاختصار المفيد وفن الايجاز البليغ, في القاموس يقولون ان السلطان ــ أو الحاكم وقَّع الأمر أي أضاف إليه خاتمه أو طغراءه (شعاره الملكي أو الأميري) ويقولون ان الكاتب ــ وهو بمثابة وزير الثقافة أو وزير الإعلام أو فلنقل رئيس الديوان اختر ما شئت ــ هذا الكاتب قام بتوقيع الكتاب الفلاني ــ ويقصدون بهذا ــ وتأمل بلاغة اللغة ــ ان صاحبنا عمد إلى الكتاب أو الرسالة فحذف منها فضول الكلام وحشو التعبير والزيادات التي لاتؤدي ولا تجيب حتى أصبحت الرسالة نموذجاً في الإيجاز وآية في اختصار التعبير. وكلتا الخصلتين من لزوم السياسة وادارة دفة الأحكام. وما زالت ذاكرتنا ـ كثّر الله خيرها ـ تعي في هذا الباب نماذج عديدة وطريفة: خذ مثلاً رسالة عمرو بن مسعدة إلى الخليفة العباسي عبد الله المأمون, لقد سلكته الرسالة في عداد البلغاء من كاتبي التوقيعات, كان ابن مسعدة عاملاً للمأمون على خراسان وفيها بالطبع حامية عسكرية, لأمور الضبط والربط وحماية الحدود, وحدث ان تأخرت رواتب الجند وسرت بين صفوفهم روح الاستياء والتذمر, وكان على عمرو بن مسعدة ان يرسل إلى الخليفة في بغداد طالبا سرعة إرسال المرتبات ومنذرا بالويل والثبور إذا ما تراخت البيروقراطية العباسية عن سرعة الاستجابة مما يؤدي إلى أن يشق الجنود عصا الطاعة على أمير المؤمنين, ثم كان على ابن مسعدة وليس غيره ان يقول هذا كله: - في اختصار شديد. - في لغة قوية متينة الإحكام. - بطريقة تنذر الخليفة ولكن لا تهدده. - وبأسلوب يطمئنه على ولاء جنوده ولكن يؤرقه في الوقت نفسه إزاء اضطراب الأحوال. هنالك شمّر عمرو بن مسعدة عن ساعد البلاغة, وكانت بلاغة موهوبة ومسؤولة في أن يكتب إلى المأمون يقول: ــ (كتابي الى أمير المؤمنين ومن قِبَلي (المتواجدين معي) من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة, على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم, وانقياد كُفاة (فرسان مدافعين) تراخت أعطياتهم فاضطربت معه أحوالهم والتاثت معه أمورهم و .. السلام) . قال الراوي: وما أن قرأ المأمون الرسالة حتى أمر بالمبادرة إلى تسريع الأرزاق فأرسلوها إلى جند خراسان, إذ كان ــ رحمه الله ــ أديباً وبليغاً ولبيباً, كيف لا وقد نسبوا إلى المأمون ــ على ما تعيه الذاكرة أيضاً ــ انه قرأ طلبا بزيادة بدت أمامه جسيمة في راتب أو في رزق أو جُعْل ــ يدفع دوريا أو موسمياً ــ ويومها تمهل المأمون ثم وضع تأشيرته ــ توقيعه على الطلب ــ فقال (قليل دائم خير من كثير منقطع) . تلك كانت أيام عز الحضارة العربية في زهو مجدها الإسلامي, أين هذا من أيام التداعي والتهالك التي شهدها غروب الدولة العثمانية في أواخر القرن الماضي حين كان القوم يتمسكون بشكليات غاب عنها المضمون, والناس يتسلحون بالشكل دوما في عهود الانحسار والجزر الحضاري والعلمي والعقيدي. كانت الدولة العثمانية قد ابتدعت منصب (شيخ الإسلام) بوصفه القيّم الأكبر على أمور العقيدة ومعاهدها وأوقافها, وكان هناك ايضا منصب (المفتي افندي) الذي كان في أيام المدّ والعز يفقّه الرعية في أمور دينهم ومعاشهم وانتهى به الأمر في أيام الخلل السياسي والتصدّع الحضاري للدولة العلية ــ فأصبح منصبا شكلياً قصارى شاغله ان يحفظ خاتم الإفْتاء في حرز أمين ثم يستخدمه ــ ان فعل ــ بناء على توجيهات العسكر من قادة الانكشارية العثمانية الذين ما لبثوا ان تداخلوا في أمور الدولة, يحركونها من خلف ستار وأحياناً من غير ستار كيفما شاءت لهم الأهواء. وجاءت أيام شهر اغسطس من عام 1876م حين اتفق العسكر وعلى رأسهم حسين عوني باشا وزير الحربية التركية على أن يضعوا على عرش الباب التركي العالي السلطان عبد الحميد بدلاً من أخيه مراد الخامس الذي يصفه الباحث الفرنسي (بول دومون) بانه كان ذكياً ومثقفاً ومنفتحا على الافكار التحررية. والتعبيرات من وضع المترجم المصري (بشير السباعي). والذي حدث ان وجَّه العسكر رسالة الى شيخ الإسلام المفتي افندي قالوا فيها: ما رأيكم ــ دام فضلكم ــ في وليّ الأمر يضطرب رشده ويختل صوابه, هل يجوز خلعه؟! ولعل الجند وقفوا بعدها حول دار الافتاء ينتظرون وربما عمد شيخ الاسلام وقتها واسمه (حسن فهمي أفندي) الى نظرة خاطفة وجلة القاها من نافذة مكتبه فاذا بالسلاح جاهز واذا بالسيوف مشرعات, لاعجب وقد انسدت كل المسالك ان يكتب المفتي في جوابه ثلاث كلمات تقول: (نعم والله اعلم) ومن بعدها يبصم الختم الفخيم والتوقيع الذي لا مناص منه ومن بعدهما ايضا تتغير الى حيث لا يعلم الا الله سبحانه, حركة التاريخ. على ان اطرف واظرف توقيع تعيه الذاكرة هو ما سمعناه من مثقف يمني هو قاسم غالب ــ رحمه الله ــ وكان قد شغل منصب وزير للاعلام في اليمن وكنت اتبعه وظيفيا بحكم مسؤوليتي عن اذاعة تعز في منتصف الستينيات, اتخذنا يومها مجلسنا في دار قاسم غالب في تعز وكان ازهريا رقيقا ومناضلا يؤثر الصمت على المباهاة بأيام كفاحه وسنوات سجنه الطويل ضمن لفيف من احرار اليمن في مجالس الامام احمد حسين الدين ــ غفر الله له ــ ومن عجيب انه لم يكن يحمل ضغنا ولا مرارة ازاء سجانيه بل استطاع بحكم ثقافته الازهرية الكلاسيكة ان يختار لمجلسنا طرائف رواها عن عهد اسرة حميد الدين ومنها مايلي في باب التوقيعات: ــ ذات يوم تسلل شاب يمني من اهل ميناء الحديدة الى متن سفينة المانية كانت في الميناء واذ اتجهت السفينة الى جنوب الباسفيك اكتشفوا مخبأ اليمني المتسلل وبعد اخذ ورد, رأوا ان يستخدموه مساعدا لضابط اللاسلكي وما ان اكملت السفينة رحلتها وعادت الى هامبورج حتى اتاحوا لليمني الواعد فرصة الالتحاق بمدرسة ضباط اللاسلكي حيث تخرج منها ضابطا للاتصالات في اعالي البحار, على سن ورمح, ولم يكذب اليمني خبرا بل حمل شهادته الثمينة وعاد فرحا الى الحديدة ثم ابرق على عادة ذلك الزمان الى الامام احمد مستأذنا للمثول في العاصمة صنعاء, وبالمرة طالبا تعيينه في وظيفة تليق (بشهادتي ومركزي الجديد) . ولم يخيب الامام الظن بل جاء الرد البرقي من العاصمة بان عينوا فلان بن فلان في وظيفة تليق بشهادته ومركزه سائسا للخيول في الحظائر الامامية في الحديدة قال قاسم غالب: ومضت سنة تلو سنة وصاحبنا ينظف الخيول والحظائر ويحرص في كل عام على رسالة تهنئة يبعث بها الى جلالة الامام في عيد جلوسه ويعيد فيها طرح شكاويه وتصوير سوء احواله.. ولا من مجيب ثم كان اليوم الذي جمع فيه صاحبنا كل مايملكه من ريالات ماريا تريزا (العملة التي كانت سائدة في عهد الامام) وطرش برقية مطولة الى الامام احمد شرح فيها مسألته من ألفها الى يائها.. وعمد الى تذييلها بتساؤل في غاية التهذيب والاحترام ازاء عدم الرد على رسائله التي لم يقصر في ارسالها الى الامام واختتم بقوله: (فلعل المانع خير) . قرأ الامام احمد الرسالة الى آخرها ولمعت عيناه الجاحظتان وكعادته تناول قلمه واسند الرسالة على ركبته ثم كتب بخط مائل سطوره التي دخلت في باب اطرف التوقيعات وقال فيها: ابلغوا فلانا ابن فلان ان المانع خير! ولسنا ندري حتى الساعة هل اقتنع اليمني الطموح ام انه انتحر بعد ان سد عليه التوقيع مسالك الرياح الاربعة ــ والله لطيف بعباده في كل حال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات