بعد ثلاثة أعمال في القصة والرواية: لغة ريفية قادت غسان العميري الى تخطي عثرات الكتابة

غسان العميري القاص والروائي واحد من قلائل يكتب خارج الاضواء والبهرجة, فهو في الميدان منذ سنوات وسنوات, قدم الى المكتبة ثلاثة اعمال هي (مفاتيح ــ رواية ــ ومجموعتين قصصيتين افكار الورد, والدفاتر العتيقة) وفي اعماله الثلاثة مر بمخاضات الكتابة وعسرها وصراخها من دون ان يشوبه تردد من الاستماع الى اصوات النقد الدالة على هنة هنا او وجع هناك وتحت الم المخاض وفي خضمه تابع كتاباته المتلونة بحريق التجربة الشخصية مستفيدا من اركانها الطفولة, المدرسة, الحي, القرية, المدينة, الناس من خلال علاقته بهم كطبيب فانتقل من العلاج بالابر الى العلاج بالحرف والكلمة على بساط الذاكرة ـ ذاكرته ـ الفياضة بأمصال منعشة للكتابة. (البيان) التقت غسان العميري في حوار عن دفاتره العتيقة: - كيف تقيم تجربتك مع الكتابة بعد ثلاثة اعمال في القصة والرواية؟ ـ انا اعتقد ان هذه الاعمال تطورت دائما نحو الافضل والاجمل سواء من حيث البنية او من حيث المحتوى في المفاتيح كانت الكتابة كلاسيكية بشكل ما, رغم وجود او قيام الكثير من المناخات الرومانسية لدرجة انه في النقد بعضهم اعتبرها بشكل عام كلاسيكية واخرون اعتبروها رومانسية. ومهما كان التقييم فانا اكتب ما اكتب بعقلية ومفاهيم معاصرة وخلفية علمية. بمعنى اذا كانت مفاتيح رواية كلاسيكية او رومانسية تبقى حديثة ومعاصرة وبها حياة وايقاع الراضي. في الدفاتر العتيقة اعتنيت باللغة وحاولت ان اعطيها ايقاعا فنيا او شعريا حتى ان بعض النقاد قال انها تتقمص الشعر. واحد الاكاديميين اعتبرها قصائد نثرية وهي في الحقيقة تمتاز في هذا الجانب بالكثافة والدقة. اصداء التجربة الشخصية - في روايتك (مفاتيح) كما في مجموعتك القصصية الدفاتر العتيقة نهل من التجربة الشخصية البحتة الى اي حد تصلح التجربة الشخصية مناخا للكتابة على ضوء تراكم مثل هذه الكتابات؟ ـ ارى ان كل روائي او مبدع بصورة عامة لابد له من ان ينهل من معينه الخاص من ثقافته ومن تجاربه ومعاناته في الحياة واعتقد انه من الصعب على المبدع ان يتخيل عملا روائيا او ان يكتب عملا روائيا من الخيال البحت, فالمعين الذاتي هو اصدق هذه الينابيع بالنسبة لي فهو يعيشها بصدق ونزاهة ويحاول ان ينقلها بالمعيار نفسه. فالمفاتيح رواية حب اتصور انه مهما حاولنا معايشة هذه الحالة الانسانية الراقية التي تلمس حميمية الانسان لا نستطيع الكتابة فيها ان لم نكن قد عايشنا مثل هذه التجربة الانسانية. من هنا وكوني طبيبا اعتقد ان الممارسة ساعدتني كثيرا على معاينة ومعايشة الكثير مما يواجه البشر من حالات نمت الى الانفعالات والاوجاع والعواطف والنظرات التي تصلح كمادة للعمل الفني بالطبع ان الروائي يستعين بتجارب الآخرين وبتجارب المحيط. - بمن تأثرت من الروائيين او الكتاب. ـ في الحقيقة لم اجد نفسي متأثرا باحد رغم اطلاعي واهتمامي الخاصين بالتجربة الروائية العالمية والعربية. اي لا استطيع ان اصنف نفسي تلميذا لهذا الكاتب او ذاك او لتلك المدرسة وكنت دائما احاول ابتداع فهمي الخاص للرواية كاسلوب للكتابة. عالم الطفولة - في الدفاتر العتيقة دخول مركز الى الطفولة لماذا هذا التعامل مع ان العديد من الكتاب ابدعوا فيها؟ ـ الطفولة عالم واسع وغني بشكل عام خلالها تتشكل شخصية الانسان عبر سلسلة متلاحقة في نمو الاحداث المتدرجة نحو النضج وقد يظن المرء للوهلة الاولى ان الطفولة عالم صغير بحجم الطفل وفقير بمثل هذا الحجم لكن الايام تدل على ان حدثا تافها في الظاهر في ذلك العالم هو في الحقيقة عالم مهم وغني ورائع وقد ذكرت في الدفاتر هذه التحولات ملتقطا كل دقائقها وعلاقاتها الحميمة. ذلك ان الطفولة عالم متحرك وديناميكي ونشيط ومليء بآلاف القضايا والمسائل ومنها استمديت مافي الدفاتر العتيقة من نصوص اعتبرها لطيفة وجميلة. اذ في سيرة الطفولة هذه ليس المهم من تكون فانا ما ازال اديبا في طور (التواضع) بل المهم كيف يمكن ان تكون وكيف يمكن ان تقدم نفسك من خلال النص في عالمك الخاص الى عالم الآخرين. لغة القسوة والرقة - تبدو لغتك في الاعمال الثلاثة ريفية, بمعنى انها تحمل القسوة والرقة, الكرم والبخل ماهو اثر المكان والبيئة على اعمالك مع انك عشت ردحا من الزمن في المدينة (في الغرب تحديدا) ؟ ـ اعتقد انه مهما حاول الانسان ان يتكيف ويتأقلم مع واقع مكاني جديد يبقى محافظا على خامة اساسية, هي الطفولة ومكانها وقد استعملت في الدفاتر العتيقة كلمات عامية مفصحة لا تزال مستعملة حتى الآن في تلك الاماكن وهذا لا ينقص من مدلولها ضمن النص. واذا كنت تجد ريفية في اللغة والتعبير. اعتقد ان تربيتي في البيت والبيئة التي عشت فيهما كانت القضايا تواجه بطريقة مباشرة وعفوية لا تحمل الرمادية في طياتها كما لا تحمل الكذب او المواربة وفي الوقت نفسه مشبعة بالقسوة والصدق. - هل تعتقد ان النقد المحلي يواكب الكتابات المحلية, وشخصيا ماذا افادك النقد؟ ـ يحاول النقد مواكبة الكتابات المحلية ولكنه مقصر في اختصاصه ومجاله ولعل بعضا من النقاد لا يزالون معقدين في مثل هذه الكتابات معتبرين ان النموذج الغربي هو الاسمى والارقى كما اعتقد ان عملية الكتابة المحلية تخضع لمجموعة من الاعتبارات التي ليست لها على الاقل علاقة بالكتابة ككتابة, بمعنى ان امورا شخصية تتداخل في ضمن شبكة علاقات تهتم بحسابات معينة تضرب بشكل او بآخر معايير الكتابة المنزهة عن هذه الحسابات المرتبطة بهذه العلاقات الشخصية المفترض الا تكون حاضرة عندما نقوم بقراءة هذا العمل لذاك الكاتب او لاي كاتب كان, من خلال الكتابات النقدية التي تناولت اعمالي حاول النقاد تبيان بعض الثغرات او النواقص التي لا يراها الآخرون كذلك. ويبقى النقد من ضمن ميزان النسبية الخاضع بدوره لمزاج وفكر اي قارىء او اي ناقد او لمعايير هذا الناقد او ذاك اضافة الى المدرسة النقدية التي ينتمي اليها والتي تفرض عليه مقاييسها ومعاييرها, علما ان كثيرا من الكتابات النقدية قد اثنت على جوانب عديدة ومضيئة هي جوانب تشكل بذاتها الشروط المتداولة لاي عمل ناجح كانت (الدفاتر العتيقة) كما (المفاتيح) (وافكار الورد) قد وفرت هذه الشروط المتعارف عليها وقيمتها تقييما حسنا وموضوعيا. الأدب والتلفزيون - هل تفكر وانت تكتب ان يتحول نصك الى عمل درامي تلفزيوني بناء على حضور التلفزيون وتراجع الكتاب والقراءة؟ ـ في الحقيقة لم تتوارد الى ذهني هذه الفكرة ولم اكتب منطلقا من فكرة ان احول عملي الادبي الى مشروع درامي او غير درامي ولكن هنالك من تحدث عن رواية المفاتيح عن امكانية تحولها الى فيلم سينمائي. اظن ان (قصتي على الجانب الآخر) في مجموعة افكار الورد من الممكن ان تتحول الى عمل درامي. كما ان كثيرا من الاصدقاء الذين قرأوا روايتي التي لم تطبع بعد (ايتها القادمة... ابدا) قالوا انها تصلح لفيلم سينمائي او دراما تلفزيونية. بيروت ـ علي سرور

طباعة Email
تعليقات

تعليقات