استراحة البيان: عالم نراه ولا نلمسه: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين - البيان

استراحة البيان: عالم نراه ولا نلمسه: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

احتضن الاسبوع الماضي بكل دفء ورشاقة وجمال عارضات أزياء هن الأشهر والأجمل والأكثر تواصلاً على مستوى العالم بدءا من كلوديا شيفر, مروراً بسيندي كروفورد وانتهاء بالسمراء الناعمة نعومي كامبل , وسط فرحة وترحيب واعجاب من الناس الذين تهافتوا لرؤية ذاك الجمال الماشي على قدميه, فقد كانت مثل تلك الرؤية سابقا مقصورة على صفحات المجلات والجرائد ومحطات التلفزيون الامريكية والغربية وعدسات المصورين. أما الاسبوع الماضي فشهد إطلالة حقيقية وحية لهؤلاء النجوم السوبر وهم يتواصلون مع المعجبين. ورغم ان الخوض في غمار عالم عارضات الأزياء يبدو مثيرا نظرا للسرية التي تحيطها دور الأزياء العالمية بعالمها الخاص وغرس مفاهيم اخرى في اذهان الجمهور من خلال رسم صورة وردية لتلك الفراشات الملونة, الا ان ذلك العالم الذي يعتقده الكثيرون جميلا وناصعا ومزركشا وملونا كالطيف هو غير ذلك أبدا. وما تلك الدمى الجميلة التي تتلقفها العيون اينما حلت ورحلت, ما تلك الدمى الا نساء بائسات خلقت منهن تلك الصنعة المثيرة الغارقة في الأسرار نجمات لعالم نراه ولا نلمسه! لقد ظلت مقاييس جمال المرأة متباينة على مر العصور, ومختلفة من مجتمع لآخر, فالنموذج الذي نراه غريباً ومثيراً اليوم قد يصبح عادياً جدا في المستقبل, والذي كان في الماضي مستهجناً أصبح بمقاييس اليوم جميلاً ومألوفاً, وهكذا تتباعد نماذج الجمال من بين اعيننا وتتقارب لتشكل حلقة متصلة من الغرابة والعادية في الوقت نفسه. وكان الحلم الذي راود النساء الغربيات في الستينات هو أن يمتلكن قواما مماثلا لعارضة أزياء ذاك الزمان البريطانية الشهيرة تورويجي التي كانت على درجة كبيرة من النحافة تصل الى حد الهزال المخيف, اذ تم تشبيهها بالسلك لنحافتها المفرطة, وكانت حسب مقاييس ومعايير ذاك العصر تجسد هي وزميلتها العارضة جين شرمبتون القوام المثالي للمرأة والذي يتمثل في قوام دون استدارة أو امتلاء, وبطن مسطحة مثل طاولة المكواة مهما تطلب الامر من تجويع وحرمان للنفس من الطعام. ويبدو هذا الحلم الملون الذي يثير النساء ويأخذ بعقول الرجال والذي يتمثل في قوام سحري عجيب, يبدو من وجهة نظر الكثيرين سهلا وناعماً الا انه في حقيقة الأمر يظل كابوسا للعارضات, ذلك ان على العارضة المرتبطة بعروض أزياء مهمة وصعبة, أن تقوم قبل موعد العرض بأسبوع باجبار نفسها على انقاص وزنها عن طريق اتباع ريجيم حاد مكون من القهوة السوداء والجريب فروت والماء لمدة اسبوع كامل حتى تستطيع ان تفقد حوالي ثلاثة كيلو جرامات, وأحيانا تتساهل العارضة قليلا وتسمح لنفسها بتناول بعض أوراق الخس الناشفة. والذين رأوا بأم أعينهم كلوديا شيفر وسيندي كروفورد ونعومي كامبل في الاسبوع الماضي ومن بينهم زميلنا فهمي عبدالعزيز المحرر بقسم المنوعات الذي رصد كل حركاتهن وسكناتهن يدركون تلك الرشاقة وخفة الحركة والاثارة المتسمة في العارضات السوبر, ورغم ذلك تصبح امتلاءة سيندي واستدارة كلوديا ونحافة نعومي أشياء من الماضي بعد ان ازداد الطلب اليوم من دور الأزياء العالمية على العارضات شديدات النحافة والهزال تماما كما كان يحدث خلال عقد الستينات. لقد أصبحت سيندي كروفورد تلك العارضة الخرافية والوجه الجميل الممثل لمستحضرات ريفلون والتي كانت تعتبر رشيقة القوام بمواصفات الماضي وفن معايير الجميع, اصبحت اليوم بمقاييس ونموذج الهزال تعتبر بدينة ومن مخلفات نموذج قديم لا يواكب العصر... وبذلك أصبح لزاما على العارضة التي تريد المحافظة على حياتها المهنية ان تحارب بمختلف الطرق أي زيادة في الوزن الامر الذي حدا بكثير منهن اتباع انماط غذائية خاطئة مما تسبب في وقوع اغلب العارضات ضحية لمرض البوليميا أو بالأحرى نوبات الشراهة المفرطة في الأكل التي تليها محاولات التقيء للتخلص من جميع الاطعمة التي أكلت. هكذا يظل عالم عارضات الأزياء الملون الذي نراه من وراء شاشة العرض ولا نلمسه يظل هذا العالم مليئا بالأسرار والحكايات, فأغلب العارضات في واقع الحال مصابات بمرض فقدان الشهية الحاد أو فقر الدم وكثيرا منهن يتمنين ان يقضمن أصابع الشوكولاتة كالأطفال أويتناولن الآيس كريم لكنهن لا يستطعن ذلك لأن القائمين على دور الأزياء يراقبون عن كثب تحركاتهن. انه العالم الذي نراه حقاً لكننا لا نلمسه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات