استراحة البيان: ماما.. أنت طالق ! بقلم - سعيد حمدان

فراغ الصيف يولد الكوارث في حرارته ونيرانه, وفي مختلف شؤون حياتنا, واكبر مشكلة تعانيها الاسرة في هذا الموسم هي الاطفال, كيف نتصرف معهم ونقضي على هذا الفراغ الطويل عندهم بأشياء مفيدة ؟ سؤال محير يتكرر كل عام ولا تجد كثير من الاسر اجابة عنه. تبقى جدران البيت ومصاحبة التلفزيون ليل نهار هي الاجابة الوحيدة لمعظم الاسر فهي مضطرة للاستعانة بهذا الصندوق العجيب للقضاء على هذا الملل والفراغ الذي يعانيه الطفل في يومه الطويل, وهو صندوق لا يمل اللعب معه, فهو صديق للاطفال على مدار العام, ودور الصديق في الصيف اهم واكبر, رغم ان كثيرا من الاسر تجد في هذا الصندوق شر صديق, وانه ضار مخرب يسبب بالاضافة الى العقد النفسية والعقلية امراضا جسدية ان لم تبد علاماتها اليوم فالاطباء يؤكدون انها ستؤثر مستقبلا في صحة الطفل, فهو عند هذه الاسر شر لابد منه في هذا الزمن. مشكلة الصديق ــ الصندوق العربي ان ضرره اشد, فباستثناء مجموعة قليلة جدا من التلفزيونات العربية التي تحاول ان ترسم لها نهجا وتؤدي رسالة واضحة في هذا الفضاء الواسع فان بقية التلفزيونات العربية لا تحمل هوية ولا تحدد هدفا لوجودها, فكيف نطالبها بمراقبة المضمون والخوف على النشء عند الحديث عن برامج الاطفال, انها معلبات من كل الالوان والبقاع, وجدت لتغطي ساعات على الخريطة والتسلية, هذا هو الهدف, وهذا هو المطلوب فقط. يقول احد الاصدقاء ان طفله مدمن لأفلام الرسوم المتحركة يبدأ برنامجه معها بعد وصوله من المدرسة مباشرة وحتى ساعات متأخرة من الليل, فما ان تنتهي الفترة المحددة في قناة ما حتى يبحث عن اخرى, ويحفظ عن ظهر قلب مواعيد بثها ونوعية الرسوم, وهو المطلب الذي لا يجيد تعلمه وتطبيقه في المدرسة. طفله الذي يبلغ السابعة من عمره, يقول عنه الصديق ان خياله واسع فكل يوم له قصة, مرة عن الطائرة التي ركبها وصعدت به الى الفضاء, وشاهد صديقه المخلوق العجيب صاحب الانف الطويلة جدا الذي يستطيع ان يحرك يديه ويطير اسرع من الصاروخ, ومرة مع الفئران الجميلة التي تجلب له الاكل في الغابة وغيرها من قصص الرسوم. ومطالب طفل صديقي تكاد تكون يومية كما يقول ولا يصدقها عقل, فيوم يريد ان نشتري كلبا لحراسة البيت, ومرة نمرا صغيرا نربيه عندنا, ورجلا آليا يصحبه الى المدرسة وكوخا ومسدسا سريعا ليقتل به الاعداء الذين سيشنون عليه غزوا من الكوكب الخارجي. خيال واسع وافكار غريبة واسئلة لا تخطر على البال, يقول الصديق لا املك لها اجابة. يضيف: حاولت في اوقات الفراغ, وهي نادرة عندي, حبس نفسي لأشاهد الرسوم مع طفلي ولأقول له فقط انها كذب وخيال, لكنه يدافع عنها بقوة ويرد علي: انك يا بابا لا تفهم! انها حقيقة. وطبعا اذا حاولت تغيير المحطة سينقلب البيت وستقوم المعركة وسينتصر في النهاية طفلي الصغير. يتابع صديقي بث اوجاعه, قبل اسابيع بدأت الاجازة الصيفية وطبعا لا اجد كالعادة الوقت للجلوس مع اطفالي لكثرة مشاغلي, وامهم مثل حالي بسبب مطالب البيت والطبخ, فتركنا اطفالنا لصديقهم المفضل ولساعات اطول هذه المرة. يقول الصديق: طفلي يشاهد جميع القنوات ويجد وقتا اطول بعد انتهاء فترات الاطفال لا يعرف كيف يقضيه؟ مع ـ طبعا ـ الفترات التي يخصصها (للضرابة) مع اخوته واللعب والتكسير في حديقة البيت, فقرر ان يتابع المسلسلات العربية, فوجد فيها عالما اكثر اثارة, فبدأ يتعلم كلمات الحب والغزل والسب ويطبقها على اخواته, وقبل ايام ــ كما يقول الصديق: جاء طفلي لأمه, ليسألها باستغراب: لماذا يا ماما بكت الممثلة (وذكر اسمها في المسلسل) عندما قال لها زوجها انت طالق, و(ليش) وضعت يدها على وجهها؟! يقول الصديق: مع ان زوجتي بالها طويل وتحاول ان تصاحب اولادها وتجيب عن جميع استفساراتهم, الا انها هذه المرة فقدت اعصابها وصرخت فيه (زول) عن وجهي, واخذت تلعن التلفزيون. يتابع الصديق: ان طفلي استثمر سؤاله الغريب في استفزاز امه على مدار اليوم, فاذا حاولت ان تضربه او تغلق عليها باب غرفتها, صرخ فيها: ماما.. انت طالق!! مأساة من جملة مآسٍ يفرضها علينا التلفزيون, الذي يفترض فيه القيام بدور المصلح والقائد نحو الافضل او اقل من ذلك المسلي المفيد. فاذا به الضار.. والضار جدا! والله يعين على هموم الصيف والتلفزيون.

تعليقات

تعليقات