استراحة البيان: ما يسر الخاطر ـ يكتبها اليوم: محمد المر

تشكل الاعلانات التجارية جانبا من أهم جوانب العملية الاقتصادية, وهذه الاهمية لاتتركز على ترويج البضائع والخدمات فقط وانما تمتد لتدعم معظم نواحي ومناشط المؤسسة الاعلامية في مختلف دول العالم, فهنالك عشرات الآلاف من الجرائد والمجلات ومحطات الاذاعة والتلفزيون التي تعتمد اعتمادا رئيسيا في دخلها المالي على النشاط الاعلاني التجاري . ولقد تطورت تقنيات وادبيات الفن الاعلاني الى ان اصبحت مادة تدرس في الكليات الجامعية, وكانت الاعلانات قد بدأت في عالمنا العربي بداية بسيطة وقريبة من السذاجة. واثناء زيارتي الاخيرة للقاهرة اقتنيت من احدى المكتبات القديمة كتابا اسمه (دليل مصر) من وضع وتحرير يوسف آصف وقيصر نصر. وصدر في عام 1889 اي قبل قرن وعقد واحد من الزمن تقريبا, وهذا (الدليل) به ثروة من المعلومات التاريخية عن حالة مصر في نهاية القرن التاسع عشر, ولكن اطرف ما فيه الاعلانات التجارية التي وردت في منتصفه, وسأذكر للقارىء الكريم عدة نماذج مختارة منها لكي يقارن بينها وبين ما يقرأ ويشاهد من اعلانات في هذا العقد الاعلامي والاعلاني. في البداية نورد هذا الاعلان الطريف للدكتور ميخائيل غوش حكيم الاسنان حيث يقول: (اعلن لحضرة الجمهور انني اخذت لي محلا في مصر بأول شارع الموسيكى مقابل مخزن الخواجات (يوستر وسيدهم) وابتدأت اتعاطى فيه مهنتي وهي معالجة الاسنان وحفظها من التلف مع تركيب الاسنان الصناعية على نسق جديد اي بدون زنبلكات ولا مشابك وذلك باتقان تام واسعار متهاودة لاتزيد عن نصف ما يأخذه الغير, واتعهد اني لا آخذ اجرة الا بعد نجاح العمل) !! اذا كان طبيب الاسنان المذكور لايقبل تسلم الاجرة الا بعد نجاح مهمته فإن مكتب اسماعيل افندي حسين المحامي يزيد في اريحيته فيقول: (نعلن لسائر ارباب القضايا مدنية وجنائية ان مكتبنا كائن في شارع محمد علي وفيه نقبل التوكيل عن ارباب القضايا للمدافعة والمرافعة عنهم بما تقتضيه الذمة والصداقة امام محكمة مصر الابتدائية الاهلية, كما واننا مستعدون لنظر قضايا الفقراء مجانا مهما كانت جنسيتهم) !! استوديوهات التصوير كانت لها اعلاناتها ايضا فهذا المصور الفوتوغرافي (صباح) يعلن التالي: (محلنا كائن بشارع كامل بالازبكية وهو شعبة من محلنا بالآستانة العليه ومشهور بإتقان التصوير والرسومات من اي حجم كان وقد نلنا على ذلك جملة ميداليات شرف في جملة معارض بأوروبا ونيشانا من الدولة العلية وعندنا محل خصوصي لتصوير السيدات والهوانم)!! الخواجه حبيب فارس حرساني بحوش عيسى بالسكة الجديدة بمصر مستعد لنقل الجميع في هذه الدنيا ومستعد ايضا لنقلهم الى الحياة الآخرة فيقول اعلانه: (يوجد في محلنا المذكور اعلاه عربيات للأجرة وعربيات لنقل الموتى بجوز خيل وبأربعة او بستة خيول وجميعها وافرة الاتقان والنظافة وتجرها خيول عربية او روسية حسب الطلب وبطقومة متقنة, كل ذلك بأسعار في غاية المهاودة فنأمل من الجمهور الكريم تشريفنا فيرون مايسر خاطرهم من جودة الخدمة وحسن المعاملة) !! السيد يوسف ابراهيم الزباح الصايغ راض عن نفسه كل الرضا ومعتد بمهارته كل الاعتداد لذلك فإنه يعلن: (اتشرف بإعلان حضرات الجمهور انه لما كانت صنعة الصياغة مهنتي من صغري ولطالما بذلت الجهد باتقانها لحد يرضي اصحاب الذوق من عملاي كما يشهد لي بذلك العموم, فلاجله اعلن بأنني مستعد لقبول اي طلب كان يتعلق باشغال الصاغة خصوصا بالصنعة المعروفة بالشفتشي وخلافها كالحلقات والاساور والليات سواء كانت فضة او ذهب, كل ذلك بأسعار مهاودة واتقان يرضي الطالب ومن شاء الاختبار فعليه ان يشرف محلنا الكائن بالصاغة)!! التعليم ايضا كانت له اعلاناته التجارية فهذه المدرسة الادبية الاهلية بمصر بشارع باب البحر تقول انها: (مستعدة لقبول التلامذة من اي جنس كان, وتعليمهم اللغات العربية والفرنساوية والانجليزية بسائر فروعها مع نحو وصرف (وتاريخ) وحساب وجغرافية وفن الرسم, ومراعاة لخاطر الجمهور خفضنا قيمة المرتبات الشهرية كما يأتي (10 قرش صاغ عن اللغة الفرنساوية و10 قرش صاغ عن اللغة الانجليزية و10 قرش صاغ عن اللغة العربية) كذلك اعددنا مدرسة ليلية لتدريس الراغبين اللغات السالف ذكرها وبعض خواجات المدرسة مستعدون لاعطاء دروس ليلية في المنازل الخصوصية لمن يطلبهم!! اما الفنادق فكان لها نصيبها الاعلاني البارز حيث يعلن اصحاب اللوكاندة الخديوية بمصر انها: (كائنة بالسراي السابقة لدولتلو نوبار باشا وهي بمركز جميل بوسط المدينة, قريبة من محطة السكة الحديد والبوسطة والبنوكة والتياترو, وتطل على حديقة الازبكية, وهي فسيحة الجوانب متقنة البنيان واسعة الغرف فيها من الفروشات احسنها وانظفها, ويقوم بخدمة الزائرين خدماء نشيطون وبها صالون لقراءة عموم الجرائد العربية والافرنجية وفيها جملة صالونات للاستراحة وحمامات متقنة ولها عربية مخصوصة تنقل المسافرين من والى المحطة وبأسفلها لوكاندة للاكل وكذا حديقة بهية عليها بار لشرب البيرا وبالحديقة محلات خصوصية للاكل, وعموم الاسعار في غاية المهاودة فنأمل من الجمهور تشريفنا فيشاهدون مايسر الخاطر)!! هذه طائفة من الاعلانات التجارية المبكرة, ولاتسأل عن سذاجة العرض وركاكة اللغة وطرافة الاعلان فلكل شيء بداية وتلك كانت بداية الاعلانات التي تبشر الجمهور بما يسر الخاطر وكانت القطرة التي هي اول الغيث, اما اعلانات هذه الايام فهي امطار دائمة على مدار السنة لاتسمح لنا باستراحة او اشراقة شمس!

تعليقات

تعليقات