استراحة البيان: بطيخة زكريا... وفرح قطة!! يكتبها اليوم - جلال عارف

في ذكرياته التي ينشرها هذه الأيام صاحب نوبل نجيب محفوظ عن أهل الفن والمشاهير الذين عاصرهم والتقى بهم, يتحدث بحب كبير عن الفنان الرائع زكريا أحمد, ذلك الملحن الهائل الذي ارتبط اسمه بأم كلثوم ثلاثين سنة قدما خلالها عشرات الروائع الخالدة من (الأمل) و(حبيبي يسعد أوقاته) الى آخر لقاء في (هو صحيح الهوى غلاب) . يتحدث نجيب محفوظ عن زكريا أحد زعماء الكلام الذي كان يسيطر على السهرات بحديثه الجميل, وخفة ظله التي لا تضاهى, والذي كان يستطيع ان يروي الحكاية في ساعات لا يقطعها الى غناؤه. ومارواه نجيب محفوظ ليس الا قطرة في بحر هذا العملاق الذي كان يملك موهبة لا مثيل لها, وقلب طفل لا يعرف الا المحبة, ونفسا طيبة تحب السهر ولا تمل صحبة الاصدقاء. ذات يوم جاءت ابنته الصغيرة الى نقابة الصحفيين تسأل عن والدها, وكان زكريا بالفعل قد سهر الليلة الماضية في النقابة مع أصدقائه من الصحفيين الذين أوصلوه في نهاية السهرة حتى منزله. وقالت الابنة ان أباها قد عاد بالفعل للمنزل, لكنه نزل بعد قليل ليشتري بطيخة, وانتظرته الاسرة حتى الصباح دون جدوى. وبدأ الاصدقاء يفتشون عن زكريا في كل مكان, ومضى اليوم واليوم الذي يليه, ثم عاد زكريا في اليوم الثالث ليخبر الاسرة انه نزل الى الشارع, وفوجئ ببعض الاصدقاء قادمين اليه في عربة يدعونه لاستكمال السهرة معهم في عزبة أحد الاثرياء قرب القاهرة, واستجاب زكريا وذهب للسهرة التي امتدت ثلاثة ايام كاملة, عاد بعدها للمنزل, ولم ينس ان يحضر معه البطيخة التي نزل لشرائها! ورحلة زكريا مع الفن لا تقل غرابة عن رحلته مع الحياة, فمن طالب أزهري يستعد ليكون مقرئا للقرآن الكريم, الى مهووس بالفن وبسيد درويش الذي لازمه لسنوات ثم انطلق بعدها ليصبح ظاهرة فنية فريدة, والغريب انه بدأ بالاغاني التي كانت تعتبر ماجنة في ذلك الوقت مثل (ارخي الستارة الي في ريحنا) وغيرها من الاغاني الخفيفة التي حققت نجاحا هائلا جعل شركات الاسطوانات تتهافت عليه. لكن ذلك النجاح لم يكن كل شيء قدمه في هذه المرحلة, فقد رحل سيد درويش عام ,1923 وكانت هذه كارثة للمسرح الغنائي بالذات الذي كان سيد درويش يحتكر التلحين لكل الفرق التي تقدمه. وبحث اصحاب المسارح عن بديل, ولم يكن الا زكريا صديق سيد درويش وتلميذه. وما فعله زكريا في السنوات القليلة التالية كان معجزة فنية, فاذا كان سيد درويش قد لحن في الست سنوات التي سبقت رحيله 28 مسرحية, فان زكريا لحن في السنوات الست التالية اكثر من 46 مسرحية. ولم يكن هذا هو كل انتاجه في هذه السنوات, فقد لحن زكريا لنفسه وللمنشدين الدينيين والمطربين والمطربات في هذه الفترة اكثر من 700 توشيح وقصيدة وطقطوقة ودور وديالوج. وبعدها في عام 1930 اغلق زكريا صفحة المسرح الغنائي الذي كان يستغرق معظم جهده, بعد ان توارى هذا المسرح امام المنافس الجديد وهو السينما. وكان لابد ان يستجيب زكريا لهذا التحول. ويشارك زكريا في بطولة أول فيلم غنائي (انشودة الامل) ويلتقي بتلميذته الصغيرة التي سمعها قبل عشر سنوات أو اكثر, وشجعها على الحضور للقاهرة, ثم انشغل عنها بالمسرح الغنائي ومنيرة المهدية ونعيمة المصرية... يلتقي زكريا مرة اخرى بأم كلثوم وتبدأ مرحلة جديدة في حياة الاثنين قدما خلالها روائع لن تنسى في تاريخ الغناء العربي. وقد تسمع تلك الالحان اليوم فتعتبرها الحانا تقليدية, لكن ما أدخله زكريا من تجديد في الغناء العربي لا أول له ولا نهاية. هو الذي أدخل القصة الملحنة في (أهل الهوى) و(الامل) و(حلم) وغيرها. وهو الذي جعل الغناء البدوي اساسيا في فيلم (سلامة) وفتح له طرقا لم يدخلها أحد من قبل. وهو الذي ادخل الجمل الكلامية التي تتخلل الاغنية مثلما فعل في اغنية (جوللي ولا تخبيش يازين) وهو الذي استطاع ــ بمقدرة فذة ــ ان يحقق المعادلة الصعبة.... ان يبتكر في تصوير المعاني ويجدد في الموسيقى العربية ما شاء له التجديد, وفي نفس الوقت يحتفظ بأصوله الفنية رافضا ان يكون التجديد عن طريق استعارة الاساليب الغربية التي كان يعرفها جيدا ويتذوقها, ولكنه لا يجد لها مكانا في موسيقانا العربية. وانا شخصيا لا أجد في كل موسيقانا العربية لحنا يماثل (حلم) التي تغنيها أم كلثوم في العذوبة والرقة والتصوير الدرامي واستغلال مقدرة ام كلثوم ومواهبها الصوتية الهائلة. ولا أجد شبيها حتى الآن لالحانه البدوية الرائعة, سواء في فيلم (سلامة) الذي أبدعت أم كثلوم أداء اغنياته, او في (اوبريت عزيزة ويونس) الذي مازالت درته الجميلة (ياصلاة الزين) تأخذ بألباب الناس حتى الآن... سواء غناها زكريا بصوته, أو غناها المطربون والمطربات من سيد مكاوي حتى لطفي بوشناق. يتساءل نجيب محفوظ متى كان هذا الرجل يجد وقتا للتلحين وهو الذي يواظب على السهر مع الاصدقاء وحتى الصباح كل يوم, ولايرد دعوة لصديق يحبه, ولا يضع الوقت في حسابه على الاطلاق؟ لكن السؤال الاهم كيف كان زكريا يجد الوقت ليحقق هذا الابداع وبهذه الطريقة المفرطة في الحرص على عمله وبأقصى قدر من الاتقان؟! ان زكريا يروي انه قدم لام كلثوم اغنية بثمانية الحان مختلفة لتختار من بينها ولانها كما يقول (اسطى) من خيرة اسطوات الفن, فقد قدم لها اكثر من تسعين لحنا ليس فيها لحن يشبه الآخر في اسلوب تلحينه. وقارن ذلك بما تسمعه الآن وكيف تجد ان كل الالحان التي يغنيها كل المطربين والمطربات هي ــ كالوجوه الصينية ــ متشابهة وهي ــ كالأكل الصحي ـ مسلوقة! وقد اختلف زكريا مع ام كلثوم ودام خلافهما سنوات كان زكريا ــ كما يقول الناقد الفني كمال النجمي ــ يرى ان ام كلثوم تأخذ منه اللحن رخيصا, وتكسب من ورائه كثيرا, وكانت ام كلثوم ترى انها تدفع الاجر المناسب, ولم تكن ام كلثوم معروفة على اية حال بالتساهل في الشؤون المالية, لقد كابدت الشقاء منذ كانت في الثامنة من عمرها لتكسب القرش ونصف الريال والجنيه, فكان للمال عندها منزلة عظيمة, اما زكريا فكان ينفق ما يكسبه ولايبالي بما تأتي به الايام فكان هو وام كلثوم على طرفي نقيض. وقد استمر الخلاف بين الاثنين سنوات وعرفت المحاكم طرفا منه, وانقطع التعاون بين العملاقين من نهاية الاربعينات, وطوال الخمسينات ومع ذلك فإن مشهد النهاية يلخص كل شيء في حياة هذا العملاق موفور الموهبة طيب القلب. لقد تم الصلح مع ام كلثوم وقدم لها اول الحانه بعد المصالحة ولم يكن هناك من يكتب الاغنية الا رفيق السنوات الطويلة من الكفاح والنجاح بيرم التونسي وغنت ام كلثوم اللحن الجديد.. ولم يذهب زكريا الى المسرح ليشارك الجمهور مولد لحنه.. وانما ذهب الى درب المسمط لانه كان قد اعطى كلمة لصديق عمره عبد العزيز قطة لكي يشارك في فرح ابنته. وذهب زكريا, وغنى في الفرح من الحانه (ليلتنا نادية) و(صلاة الزين على العروسين) لم يسمع زكريا ولا المدعوون الوصلة الاولى التي غنتها ام كلثوم لانهم كانوا مشغولين بالفرح, ولكنه سمع الوصلة الثانية التي غنت فيها لاول مرة اغنية (حب اية) اول الحان بليغ حمدي لها. وفي انتظار الوصلة الثالثة جلس زكريا علي (الكنبة الاستامبولي) يمسك بعلبة كبريت يشعل اعوادها واحدا وراء الآخر دون ان يدخن اي سيجارة, ثم بدأت ام كلثوم غناء (هوه صحيح الهوى غلاب) وينزل العريس والعروس من على (الكوشة) . ويجلس زكريا على (الكوشة) فقد كان العريس الحقيقي في هذه الليلة. وبعد ايام يرحل زكريا عن عالمنا ولكنه يترك هذه الثروة الهائلة من الالحان العربية, وهذا الكنز الهائل من المسرحيات الغنائية التي سنعود اليها حتما حين يفتح الله علينا ونسير في الطريق الصحيح لانقاذ موسيقانا.. ولا طريق هناك الا المسرح الغنائي بكل ما فيه من رحابة وغنى وتنوع تخرجنا من الدائرة الضيقة التي حصرنا انفسنا فيها زمنا طويلا لا نغني الا للهجر والعذاب.. فكانت النتيجة ان (طفش) جيل جديد الى الاغاني الغربية احيانا, والى (كامننا) احيانا اخرى. ولكن هذا الوضع لا يمكن ان يستمر, وسيعود الناس الى الاصول الفنية وغير الفنية ليستوعبوها, اولا ويطورها ثانية.. وعندها سنقف طويلا طويلا امام تراث سيد درويش وزكريا احمد للمسرح الغنائي وقبل عام او اكثر رأيت على مسرح أوبرا القاهرة مجموعة من الشباب الواعد قدموا اوبريت زكريا احمد الشهير (يوم القيامة) باتقان مذهل, وفتحوا طريقا اظن ان الايام ستثبت جدواه.. بشرط ان نختار من التراث بوعي, وان نقدمه للجمهور الحقيقي, وان نقدمه وعيوننا على الحاضر والمستقبل وليس الماضي فقط. ساعتها سنعيد اكتشاف الجزء الاجمل من تراث زكريا احمد, كما عرفنا الجزء الخالد في تراث سيد درويش, وسيعود الناس للمسرح الذي هجروه والى ان يتحقق ذلك دعونا نعيش مع سحر صوت ام كلثوم في روائع زكريا ونحيا على (الأمل) في عودة المسرح الغنائي. وعلى فكرة كلمة (الأمل) في رائعة زكريا لأم كلثوم هي ــ عندي وعند الكثيرين ــ اجمل كلمة تم تلحينها في الموسيقى الشرقية ... اسمعها بوعي وستقول معي: ـ ياصلاة الزين ياعم زكريا!!

تعليقات

تعليقات