في الجلسة الثانية لورشة الاسطورة والابداع: ثلاث ورقات ترحل في الشعر العربي المعاصر بحثا عن الاسطورة

أهم مايميز جلسات الورشة الثقافية الاولى (الاسطورة والابداع) ببيت الشعر بالشارقة هي الطريقة التي يدير فيها الدكتور جابر عصفور جلسات اللقاءات اليومية بين المشاركين, حيث يتعدى عمل عصفور كمشرف علمي على اوراق الورشة الى دور المرجع والمنظر ولحلحة الحوارات والمداخلات والبحوث باتجاه هدف الورشة الحقيقي, والذي يشهد وقائع المناقشات والاسئلة التي يستثير بها د. عصفور المشاركين في الورشة يدرك تماما ماذا يريد هذا الباحث والناقد العربي من ورشة تجمع بها عدد جميل من المبدعين العرب.. واذا كانت هناك كلمة انصاف فيجب ان تكون لصالح الدكتور عصفور الذي يقود حوارات الورشة الى مرافىء اكثر ابداعا وانطلاقا نحو تحصيل نتائج بالتأكيد ستكون مهمة في اطار البحث عن الاسطورة في الابداع المعاصر هذا القول كان لابد من تمريره قبل الدخول في تفاصيل الجلسة الثانية من ورشة الاسطورة والابداع امس والتي استضافت ثلاث ورقات لكل من ريم العيساوي من تونس, ماهر يوسف من فلسطين وابراهيم المصري من مصر. الشعر والاسطورة عنوان فرعي كان يمكن اطلاقه على الجلسة الثانية امس حيث تناولت الورقات الثلاث رحلة الاسطورة في الشعر العربي مع نماذج لشعراء حققوا فتوحات ابداعية في هذا المجال حيث كانت الورقة الاولى لريم العيساوي تتحدث عن الاسطورة في الشعر العربي المعاصر والشاعر بدر شاكر السياب كأنموذج ورغم ان ورقة العيساوي ابحرت كثيرا في الحديث عن مصطلح الاسطورة وعلاقتها بالشعر العربي القديم والحديث الا انها اتخذت مسارها حينما تطرقت الى الحديث عن مصادر الرموز الاسطورية في شعر بدر شاكر السياب حيث تعرض الباحثة لهذه المصادر في قصائد السياب (مدينة بلا مطر) , (النهر والموت) (جيكور والمدينة) و (المسيح بعد الصلب) و (انشودة المطر) . رموز الاسطورة في شعر السياب تقول ريم العيساوي تحت عنوان (رموز الاسطورة في شعر السياب) ان قصيدة مدينة بلا مطر من ديوانه انشودة المطر تكتسب اهميتها بأنها قصيدة يتمثل فيها الرمز الاسطوري لمحاولة بعث الخصب بكل خصائصه التي تتناثر في قصائده الاخرى , ينقل السياب في هذه القصيدة طقسا من الطقوس الشعائرية التي كانت تقام لاستنزال رحمة عشتار على عابديها, يصور مدينة معذبة (تؤرق ليلها نار بلا لهب) تنشر الحمى في انحاء المدينة تلفح دوربها ودورها ويتوهم الناس ان رمز الخصب (تموز) قد ينهض من نومه وتخبو النار وتعود الى التوهج ومأساة هذه المدينة تكمن في ان المطر الذي يحتاج اليه ليس مطرا عاديا. تقول ريم العيساوي: في هذه القصيدة يصور السياب وطنا ينتظر ثورة تطهره مما يعانيه تحت الحكم الملكي والثورة تعاني من العقبات التي تعترض قيامها واولها عجز الشعب عن التضحية وخوفه ان السياب في استخدامه لمدلول الاسطورة القديمة وظفها لسياق شعري جديد فأعطاها دلالة معاكسة لان تجدد الخصب وبعث الحياة لا يتخلفان في الاسطورة القديمة ولكن السياب في السياق الجدي جعل عشتار تفشل في مهمتها ويجعل من ذلك الفشل نتيجة لتقاعس الشعب وهذا هو تحويره في الاسطورة. وتمضى العيساوي في مبحثها على هذا النحو بحثا عن تجليات السياب في اتكائه على الاسطورة ورموزها تقول: لقد استرفد الشاعر التراث الديني الاسلامي والمسيحي والتراث الاسطوري البابلي والاغريقي والتراث الشعبي ومزج بينهما والوسائل الفنية الاخرى التي وظفها لتجسيد رؤيته الشعرية بأبعادها المتعددة مما اضفى على القصيدة لونا من التركيب والعمق الفني البارع, وما تلاحظه هواستخدام السياب للمعطيات التراثية في عكس اتجاه دلالتها ليولد من ذلك مفارقات جزئية تدعم المفارقة الانسانية التي تقوم عليها القصيدة كلها ويثرى عطاء القصيدة ويعمق ايحاءاتها. ماهية ومنشأ الاسطورة (الاسطورة في شعر الفلسطيني, تجربة محمود درويش مثالا كان عنوان الورقة التي قدمها ماهر يوسف من فلسطين والذي ابحر ايضا في شعر درويش بحثا عن الاسطورة.. وقبل ذلك يقدم ماهر يوسف اشارة في الاسطورة والمعنى حيث يقول في مقدمة ورقته: اول الاسئلة التي يواجهها البحث في علاقة الاسطورة بالابداع هو الانطلاق من تصور محدد لماهية الاسطورة, ما الذي تعنيه بالاسطورة؟ وماهي سمات المعرفة التي تجعل من بنية حكائية ما نسقا اسطوريا تاريخيا؟ وهل الاسطورة عمل ابداعي بالدرجة الاولى ام انها نص تراثي جمعي يرتبط بعلاقات خاصة مع بعض الابداع الحقيقي؟ ثم يعود ماهر يوسف للقول: لابد من الاشارة الى انه لايوجد توافق بين الباحثين حول تعريف دقيق ومحدد لماهية ومنشأ وحقيقة الاسطورة وان كان اولئك يتفقون على سمات اساسية للحكاية الاسطورية. الا ان ثمة تباينا في اطلاق تسمية الاسطورة على الارث الملحمي الخطائي والاعتقادي البشري. وتحت عنوان (من الاسطورة الى الشعر) يقول ماهر: كان الفلاسفة الاغريق يلجأون الى تفسير الاساطير على انها كنايات ومجازات اخترعها مؤلفون فضلوا اللجوء الى التلميح والرمز والاستعارة, وذلك على الرغم من الطاقة السلطوية والنفوذ الرومي الذي كانت الاساطير تتمتع به في تسيير مجتمعاتها, وفي العصور الوسطى وعصر النهضة في الغرب كان المتعارف عليه وصف الاساطير بأنها كنايات خلاقية أو تصوير مجازي للمشاعر الانسانية. ثم يعرض ماهر يوسف في ورقته الى علاقة الشعر الفلسطيني بالاسطورة مشيرا الى ان رياح استخدام الاسطورة في الشعر العربي لم تصل باكرا الى شعراء الارض المحتلة, بالرغم من وجود ملامح هنا وهناك. بشكل اشارات ومحاولات, فانها لم تتطور لتصبح سياقات ممكنة التصنيف الا في مرحلة متقدمة من ستينات هذا القرن. ومن البداية ظهر ان الشعر الفلسطيني يجد نفسه ويستورد ايحاءاته واستعاراته بشكل خلاق عبر الاسطورة, ربما لكونه ينتمي الى وطن تضفي عليه نكبة ارضه وشعبه صفتي التراجيديا والملحمة اللتين تعتبران ملعب الاسطورة الاثير والاصيل. يضيف ماهر يوسف: استخدم شعراء الارض المحتلة رموزا اسطورية مختلفة, بدءا بالاسطورة التموزية والتنويع عليها بين قصة العازر والفينيق ومرورا باساطير الغرب كسيزيف وأوليس وبروموثوس, وانتهاء بالحكايات التي تقف بين الاسطورة والحكاية الشعبية كالسندباد وأيوب وسواهما, كما ذهبوا الى اجراء تنويعات على النص الاسطوري التوراتي. وكنموذج يعرج ماهر يوسف على تجربة الشاعر محمود درويش حيث يقول: تجربة الشاعر محمود درويش تبدو الأكثر غنى ونضجا, خاصة وانه تمكن من الانتقال بالقصيدة من موقع المقلد للاسطورة بالرمز الى المتكافئ والمتناسخ معها وفيها, ومن الاستفادة الجزئية الى ايجاد الهوية الاسطورية كاطار شامل للقصيدة او الواقع وان اتساع مساحة البعد الاسطوري في شعر درويش يجعل من الصعوبة اقتفاء مختلف تفاصيلها ومظاهرها. ثم يستعرض الباحث نماذج للاساطير التي مرت في قصائد درويش ويخلص الى مجموعة من النتائج فيقول فيها: ان درويش استخدم في بواكير اهتمامه بالاسطورة بالشعر منمنمات وتوصيفات سريعة واستعار بعض وجوهها الاسطورية او وقائعها او حكمتها أو شخصياتها او جانبا من بعدها المفهومي الاصيل, والى جانب ذلك لجأ الى البنية الاسطورية في انشاء القصيدة الاسطورة ولكن هذا لم يكن ناضجا في المرحلة الاولى, كما افتقرت القصيدة لديه في المرحلة الاولى لعنصر التحرك في فضاء ملحمي متعدد الابعاد وتسببب الايقاع والغنائية في ذلك احيانا, وفي حين تطورت بشكل كبير ادوات وصيغة التوظيف الاسطوري لدى درويش في المرحلة الثانية الممتدة الى حين صدور ديوانه (اعراس) واتجه في انتاجه الشعري المتأخر الى الميثولوجيا الكنعانية والاسطورة الدينية وخصوصا في (ورداقل) و(ارى ما أريد) و(احد عشر كوكبا) و(لماذا تركت الحصان وحيدا) . شروط استدعاء الاسطورة الورقة الثالثة في الجلسة الثانية لورشة الاسطورة والابداع كانت للشاعر ابراهيم المصري والذي غاير الاوراق السابقة وابتدأ ورقته بقصيدة من شعره يقول في مطلعها: اتوخى البراري/نزل للجسد/يحتشد في الغياب/أوقظ الرواقد من الطير والوحش/تتبعني.../مثلما عيد, اعتدادي, وأعد/مراياي خالقا او مخفقا/يتورع بي البهو عن الزائرين/اجلس كل قادم على مقعده/الى امرأة/ثم تجد غيابها الا في جسدي/ وبعد انتهائه من قراءة القصيدة يتساءل المصري: هذا هو النص, فماذا يتبدى فيه من اسناد الى الاسطورة سعيا الى دلالة تأخذ القول الى مغزاه؟ بالنسبة لي يوجد في النص عشرة ملامح اسطورية تدور كلها في ملمح حادي عشر وهذا الاخير هو المغزى الاساسي في نص (يراني من يراني) . ثم يمضي ابراهيم المصري في تعداد تلك الملامح الاسطورة, ويخلص في نهاية ورقته الى شروط تستوجبها حالة استدعاء الاسطورة ومنها: ان لا تكون بديلا مباشرة للقول الابداعي كأن نعبر عن تكرار المعاناة بقولنا اننا نحمل دائما صخرة سيزيف, وان لا نخيل في فهم دلالات النص الى معجم اسطوري وهذا واضح وبغزارة في تجربة الشعر العربي في الستينات التي تحيل قسما كبيرا منها الى معاجم الاساطير اليونانية والميثولوجيات القديمة والتراث الديني خاصة التوراتي منه. وان تبقى المسافة بين الاسطورة والقول المعاصر هي مسافة الابداع, اي قدرة لمبدع ما على قول مختلف يحيي به الاسطورة ويضيء به النص. وان تكون التجربة هي حامل الاسطورة وليس العكس لأن الحالة الاخيرة تحيل المبدع الى سرد اسطوري لا يفيد في اعادة القصة بشكل مشوه. تجدر الاشارة الى ان جلسات ورشة الاسطورة والابداع ستستمر الى يوم غد الخميس حيث تنتهي بورشة تطبيقية يترأسها المشرف العلمي (جابر عصفور) . كتب- مرعي الحليان

تعليقات

تعليقات