لماذا كان يخشى من ظهور اسمه في الوسط الأدبي؟ كازانتزاكي دخل الكتابة فاتحا في أول أعماله الثعبان والزنبقة

ماذا يعني العمل الفني الاول للكاتب. ولكازانتزاكي بالذات؟ (الثعبان والزنبقة) هي الرواية الاولى للكاتب اليوناني: نيكوس كازانتزاكي, والتي ترجمت الى العربية حديثا بعد ان كنا عرفنا اعماله الاثيرة: الحرية او الموت, زوربا, الاخوة الاعداء, المسيح يصلب من جديد . كان صدور (الثعبان والزنبقة) متزامنا مع مقال بعنوان (مرض العصر) وقد ظهرا معا عام 1906 وباسم مستعار... فقد كان كازانتزاكي يخشى ان يظهر اسمه في الوسط الادبي, وهو لم يكمل ادواته ويصقل موهبته. كان يريد الدخول الى هذا الوسط فاتحا متألقا بموهبة كاملة لا بنصفها ــ كما يفعل كثرة ممن جفت مواهبهم ــ كذلك دخل الحياة الجامعية والادب بوعي وارادة ونباهة متفجرة بألق الموهبة... وقد تبين ذلك عندما فاز في مسابقة جامعية عن عمله الدرامي (بزوغ النهار) ولما اعلن عن فوزه ذكر ما يلي: (نحن نمنح الشاعر تاج الفار, لكننا نطرده عن هذه الحدود المقدسة) وعندئذ ترك كازانتزاكي تاج الفار ذاك. كذلك نجده في وضع صحي مترد, وهو يكتب (الثعبان والزنبقة) , وبعد انجاز تلك الرواية القصيرة قال: (لم تعد الفتاة الايرلندية تعذبني الآن لقد تركتني كي ترقد على الورق ولن تستطيع تحرير نفسها منه ابدا. كنت قد نجوت. لم اعد للتفكير بها ابدا, الا اذا جددتها او سكبتها بكلمات... بوسيلة الخيال فحوت الواقع, وشعرت بالراحة) ويضيف قائلا: بينما يموت اناس الله سيعيش اناس) من هنا نرى ان كازانتزاكي, كان على علاقة حميمة واساسية مع الكتابة ومع الشخصيات التي يعرفها, بحيث يحس بامتلاكها والابقاء على وجودها بشكل ادبي. ونقرأ (الثعبان والزنبقة) ونتبين الشاعر الانيق العبارة, المقتصد جدا في انتقاء المفردة ودقته في وضعها داخل المكان المناسب. (آه لو جمعت كل رغبني لتكون قبلة واحدة وتجيء اليك في احدى الليالي لتقبلك بأكملك) ومثل هذه العبارة تذكرنا بقصيدة لبايرون جاء فيها: (ليت كل افواه النساء/ تتحول الى فم واحد/ لقبلته واسترحت) . ويمضي كازانتزاكي في حالة التعبير عن انبهاره ودهشته في حضرة الق من يحب: (امس بدأت في رسمها وخططت جسدها كما رأيته منبطحا على الارض في الليلة الماضية, وحين انتهيت, رأيت... لقد رسمت زهرة زنبق كبيرة وقد تقطعت ورميت بلا رحمة في النهر الهائج, واليوم ارى انه ليس نهرا بل ثعبانا مهتاج يهرع لمكان ما ويمسك بزنبقة هائلة في فمه) . هنا يتفاعل المشهد الخارجي مع المشهد الداخلي, ليولد مشهدا جديدا هو من مكونات الابداع والقه المضيء الذي لا ينجز الا من خلال فعل موهبة متفجرة ويقظة عالية, ذكاء مندفع مزهر ومزدهر. وزهرة كازانتزاكي لوحدها: (تتدلى حين تثقلها السماء بالندى, روحي تتدلى من الحب) . وعندما تنتهي من قراءة (الثعبان والزنبقة) لا نجد انفسنا امام احداث وشخصيات واجواء متسعة, بل نحن امام حالة من حالات الحب التي نشهدها في حياتنا كل يوم, الا ان براعة كازانتزاكي هي التي اعطت تلك التجربة معاني جديدة, وقيما متألقة وصورا مزهوة بالحياة... الامر الذي حول من الفتاة التي يحب الى كائن يسمو بالنفوس ويجعل من الوجود فعلا حيا قابلا للتجدد والانبعاث والى امل يتيح لنا ان نعيد التأمل فيه والانشراح بوجوده في موكب من الجمال البهي. وهذا هو الابداع الذي يسمو بالاشياء ويحولها الى معان انسانية حية... ويضفي عليها حسا جديدا ومعاني يسكنها الوجود الاسمى. اما مقال كازانتزاكي المعنون (مرض العصر) والذي نشر في الكتاب نفسه, فانه ينحو منحى لغة الرواية ذاتها حيث تتحول اللغة الى دفق شعري تشرق فيه الصور اكثر من الافكار. يقول كازانتزاكي فيه: (اقرأ مهابهاراتا الهندوس. الحبيب يشرب شفاه حبيبته كل الليل) او يقول: (هكذا كان العالم الاغريقي, لم يكن الحزن معروفا لم تشوه المشكلات الكبيرة الروح بالالم بعد. انظر كيف تبتسم كل معابدهم وكل تماثيلهم وكل افكارهم) . ان كازانتزاكي اذ يقدم هذه الصور, يفجر طاقة الحياة في داخلها ويحولها الى كيانات تتحرك في معترك الحياة بشكل مثير للانتباه ويجعل منها عوالم جديدة قادرة على التواصل المتفائل. واذ يبدأ الكاتب في اول مغامرة كتابية له انما يخوض تجربة نجاحها يمتلك خاصية الحضور والتجدد والاستمرارية المتقدمة دائما الى جانب ان مثل هذه المغامرة تحقق تجاوزا لكثير من المراحل الابتدائية المتواضعة التي تركها كازانتزاكي منذ الخطوة الاولى التي بدأ فيها رحلة الكتابة الابداعية التي تحدث عنها بشيء من التفصيل في كتابه الممتع والمهم: (تقرير الى جريكو) بجزأيه المترجمين الى اللغة العربية, كذلك نتعرف على تفاصيل لاحقة عبر كتاب: (المنشق) الذي كتبته: ايليني كازانتزاكي وتحدثت فيه عن سيرة حياة زوجها نيكوس كازانتزاكي. وبداية ناجحة فذة لكازانتزاكي انجزها في (الثعبان والزنبقة) الى جانب مقال (مرض العصر) انما تضعنا امام مبدع كبير... بدأ الق الابداع منذ لامس حبره وجه نقاء الورقة. واستمر في العطاء المبدع الى ما لا نهاية ... حيث تحيا شخصياته رافضة ان تكون في خيال كل من عرفها. مراجعة - حسب الله يحيى

تعليقات

تعليقات