يكتب لانه يحب تبادل همومه مع الناس.. الروائي هاني الراهب: لو كنت شاعراً لكتبت المراثي

دخل الروائي السوري هاني الراهب عالم الرواية العربية من بابها الواسع فقد فاز بجائزة مجلة الاداب اللبنانية في اول عمل روائي له (المهزومون) وكان حينها يدرس في الجامعة ثم توالت اعماله من (المهزومون) الى (الف ليلة وليلتان) ــ (بلد واحد هو العالم) ــ (الوباء) ــ (التلال) و (خضراء كالمستنقعات و(خضراء كالحقول) و (جرائم دون كيشوت) التي نال عنها عدة جوائز ادبية وتمت ترجمتها الى اكثر من لغة اجنبية. يحمل الروائي السوري هاني الراهب دكتوراة في الادب الانجليزي من جامعة اكستر في انجلترا, وهنا حوار اجرته (البيان) معه مؤخرا: - لك ثماني روايات مطبوعة لكنك دائما تشير الى روايتين فقط صالحتين للقراءة... الى اي الروايات كنت تشير؟ ــ حسب النقاد (الف ليلة وليلتان والوباء) . - لكن البعض يعتقد ان روايتك (التلال) اهم رواياتك فما هو رأيك؟ ــ فتحت روايتي (التلال) جرحا كبيرا في نفسي لانني عندما انجزتها كنت اظنها ستكون فتح الفتوح في الرواية العربية لكن الرفض الشرس الذي قوبلت به من قبل نقاد احترمهم وادباء وقراء احترمهم ايضا, جعلني اعتقد ان اعجابي بها ليس له ما يبرره ولا اخفيك انني حزين لان جهد سنوات ضاع... (التلال) لم تنجح, وايضا انا لم اجرؤ على اصدار الجزئين الثالث والرابع لسخونة التجربة ومعاصرتها. الاختلاف مع القارىء - لماذا تقسو على رواية (التلال) فهي تحفل بقدرات عالية من التقنية الروائية والجمالية وشفافية اللغة والميثولوجيا والمناخ الاسطوري الساخر, اضافة لرصدها لمصائر اكثر من مائة شخصية؟ ــ قد يكون وصفك لموقفي بالقسوة صحيحا انني في الحقيقة عندما اختلف مع القارىء حول قيمة عمل من اعمالي يكون موقفي الفوري هو ان القارىء على حق لا اكتمك اني قدمت في (التلال) تجربة في اللغة اراها خاصة وحاولت ان اجعل اللغة هي التعبير والتقنية وكل شيء تقريبا بالاضافة الى الجو الاسطوري الذي اشرت اليه, لكن ماذا افعل اذا كانت اغلبية القراء قد شجبت الرواية في هذه الحالة عليّ ان اقول: ان الرواية فاشلة. ان مرجعيتي هي القارىء طبعا سيستنكر الكثيرون مني هذا الموقف هناك مدارس ادبية متعددة تشترك في كونها لا تعطي اهمية او حسبانا للقارىء على الاطلاق وتدعو لان يكتب الروائي روايته والشاعر قصيدته والقاص قصته دون حسبان للقارىء بالمرة, وباعتقادي انا من هذا التيار لانني اكتب حبا في تبادل همومي مع الناس فاذا كان هؤلاء الناس عازفين عن تبادل الهموم معي فمعنى هذا انني فشلت يعني يجب ان اطوع ادواتي الفنية بحيث تستطيع ان تخلق حوارا بيني وبين الناس اذا لم تستطع فقيمة العمل مشكوك فيها ما الفائدة من هرم فني لا يتفاعل معه الناس؟ - تقول ان تقديم رواية مبنية على الاسطورة والرمز الى جانب بنائها على الواقع يعتبر مجازفة قد تبلغ حد الحمق واظن ان عددا لا بأس به من النقاد لم يرتح لظهور شخصية لا يمكن سبرها وتقييسها بالادوات الجاهزة لديه هل اثر عليك النقد؟ ــ سأجيب من نهاية السؤال. السبب هو مثلما قلت قبل قليل انني اكتب لاقيم حوارا مع الناس فاذا فشلت في الكتابة لا استطيع ان اكتب لمجرد ان اكتب انني مؤمن بموهبتي ومقدرتي على الكتابة واعرف انني استطيع ان اكتب رواية وبأي شكل من الاشكال (مثالا) باسلوب القرن التاسع عشر, وباسلوب همنجواي باسلوب جيمس جويس وبأسلوب نجيب محفوظ هذا الشيء احس بمقدرتي عليه الا ان المسألة مسألة تفاعل بالنسبة لرواية تقوم على الاسطورة والرمز طبعا... هذا حلم كبير من احلامي وهو حلم مضاد فيما يبدو لرغبتي في اقامة حوار مع القارىء... قارئنا حتى الان اسير الاتجاه الواقعي وهو يريد الامور الواقعية والتفصيلية ولا يستطيع ان يتفاعل مع الرمز والاسطورة... الخ طبعا هناك استثناءات لكننا نشير الى الاغلبية بالتالي هناك حجم من التوتر في نفسي بين ان انجز المشروع الفني الذي يفرضه عليّ وعيي الفني او احساسي بقدرتي على الكتابة والذي يكبحه نزوعي الى التواصل مع القارىء. بالنسبة لتتمة السؤال, رواية (التلال) قامت على الرمز والاسطورة وفي الوقت نفسه على الواقع, وكان فيها خطان الخط الرمزي الاسطوري الجيلي, بمعنى هناك جيل يولد وهذا الخط يتوازى مع الخط الواقعي والتقليدي السكوني بمعنى ان هناك جيلا يستمر ولا يولد لكنه يستمر... حاولت (التلال) ان تقدم هذين الخطين, وكانت هذه المغامرة مغامرة كبيرة جدا وقد تكون حمقاء فالروايا عادة تبنى على خط واحد اما ان تبنى على خطين فهذا ما لم يألفه القارىء وانا اعتز دائما بمحاورة الاشياء غير المألوفة. القيمة الاجتماعية للأدب - هل القسوة ذاتها تمارسها على الروائيين الاخرين؟ ــ الى حد بعيد نعم خذ نجيب محفوظ مثلا في عدد مكرس له من مجلة (الهلال) سألته قارئة ذكية بعد مائة عام ماذا يبقى من نجيب محفوظ؟ فأجاب جوابا اذكى (تبقى الثلاثية ولقيمتها الاجتماعية فقط) وانا اعتقد ان تقييم نجيب محفوظ لادبه صحيح ولكن ماذا نرى؟ نرى تكريسا غير معقول لنجيب محفوظ , انه الهرم الرابع الآن, اي تحول صنم ثقافي وانا اكره عبادة الاصنام لكن الثقافة العربية الطاغية لا تستطيع ان تستمر الا عبر خلق اصنام ثقافية وتكريسها وتقديسها وهي بذلك تهدر القيم الابداعية والجمالية والفنية لحساب اشباه ادباء نجحوا في استمالة الذوق الفاسد العام ... لماذا نذهب بعيدا الم يقل المسيح (كل نبي غريب في وطنه) هناك علة متجذرة في الثقافات كلها كما اظن وهي انها تحتفي بمن يجسدون القيم السكونية والاعراف السائدة وتنتهك المبدعين الحقيقيين لاحظ مثلا ان جائزة نوبل لم تمنح لجيمس جويس ولا لفرجينيا وولف. - لديك مجموعتان قصصيتان هما (المدينة الفاضلة) و(جرائم دون كيشوت) لماذا لم نعد نقرأ لك الا النادر من القصص؟ ــ انا لست كاتب قصة قصيرة واذا نجحت عندي بعض القصص وهي اربع او خمس قصص فهذا بالصدفة عموما انا قصير الباع في القصة القصيرة, وان كنت افضل تسميتها بالاقصوصة. ولست متضايقا من ذلك انا اكتب القصة القصيرة كنوع من استراحة المحارب بين رواية واخرى. اما عندما اعايش الحياة وارى فيها او التقط منها ما يمكنني التعبير عنه تعبيرا ادبيا, لا يخطر ببالي ان افعل ذلك عن طريق الاقصوصة وانما عن طريق الرواية. العودة الى مناخ الرومانسية - ها انت تعود في روايتك الاخيرة (خضراء كالمستنقعات) و(خضراء كالحقول) الى المناخ الرومانسي لروايتك الاولى (المهزومون) التي نلت عليها جائزة مجلة الاداب اللبنانية لماذا؟ ــ لا اعلم تماما اي انطباع فني تركته روايتا (خضراء كالمستنقعات وخضراء كالحقول) لكني كتبت هاتين الروايتين وانا في حالة وعي متأزم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار التقدم العربي وانهيار حتى النظام الاقليمي العربي احسست كل شيء ينهار وككاتب روائي هذا الاحساس لابد من ان ينعكس على ادواتي الفنية... بدأت العن اللغة لان اللغة التي استخدمتها في ثلاثين سنة كانت لغة باهرة, لغة شعرية, لغة ارتيادية, لغة تقدمية... لكن الشعر والتقدم والارتياد كله انهار فلماذا انا محتفظ بهذه اللغة التي باتت الآن وكأنها مجرد زينة, مجرد حلية, لم تعد هناك امرأة حسناء امامي ليس هناك الا العجائز الشمطاوات سواء على الصعيد القومي او على الصعيد الثقافي او الاجتماعي حتى في الجامعة (الا في البيت) لذلك قلت لنفسي لماذا لا اكتب رواية بلغة ميتة. في العام 1990 ـ 1991 كنت اعيش حالة من الموت المؤقت ولو كنت شاعرا لكتبت المراثي لهذا الوطن الذي تمزق بين اسنان الطغيان والتخلف بعد هذا الانهيار رجعت الى المنطلقات الى البدايات. حركة التقدم العربي تقاعست عن التصدي لتقديم مشروع ثقافي متكامل يحتفظ ويبرز ماهو حي في التراث ويشير باصابع التحليل والدراسة الى ماهو ميت فيه ويدعو الى تجديده من ناحية ومن ناحية اخرى يقول لي: ماهي المؤثرات الثقافية العالمية التي يحسن بي ان التمسها؟ هذا فشلنا فيه فشلا ذريعا ولاننا لم نتقدم بهذا المشروع الثقافي صرنا الآن نسمع اصوات الاصوليين والفقهيين والنصيين... الخ. يعني هذا ان اللاعقلانية التي تسيطر الآن هي استجابة لهذا الوعي الجدي بالانهيار والفشل في تقديم مشروع ثقافي ... قلت لنفسي يجب ان اعود الى البدايات, البدايات في رأيي تكمن في الاستلاب عند المرأة ابرز لانها اولا تستلب كانسان وثانيا تستلب كامرأة فعكفت على كتابة مجموعة من الروايات الصغيرة تحت عنوان (كل نساء المدينة) على اساس ان تصدر معا لكن النشر رأى غير ذلك لظروف الناشر وعدم تمكن القارىء من دفع ثمن الكتاب كاملا فصدرت في البداية (خضراء المستنقعات) وظنها القراء رواية قائمة بذاتها واستغربوا استغرابا شديدا بمعنى ان هاني الراهب الذي يكتب روايات ذات محاور متعددة وغنية تلتقط مجموعات بشرية كبيرة ولا ترتكز على افراد كيف يمكن ان يكتب رواية يركز فيها على شخصية واحدة رواية قصيرة بالنسبة لي والشخصية كما تعلم هي (سلمى) انت لا تستطيع ان تقول لكل قارىء ان خضراء كالحقول ستلي خضراء كالمستنقعات وانها واحدة من خمس خضراوات. (ضاحكا) ارجو في المستقبل ان تكتمل هذه الخضراوات وتصدر في رواية واحدة. - هل تذكر ما قلته قبل سنوات عن حبك لشخصية (زهرة) في رواية الوباء؟ ضمن سلسلة (كل نساء المدينة) ظهرت سلمى هل سرقت حب (زهرة) بالتالي ماذا عن المرأة لديك؟ ــ زهرة في روايتي الوباء نموذج شبه متكرر في روايات باسماء اخرى في (المهزومون) هناك سحاب, في (الف ليلة وليلتان) شخصية سلمى, زهرة في الوباء هي ايضا فيضة في (التلال) طبعا من دون تكرار كل شخصية تستقصي جانبا من جوانب المرأة الغنية الجميلة المرأة برأيي رمز للتواصل ورمز للانشاء ذلك ان الحضارة نشأت على ايدي المرأة. اسئلة الخبز والحب والحرية - في حوار اجري معك قبل سنوات قلت ابطالي يحلمون بالخبز والحرية والحب هل حقق ابطالك احلامهم؟ ــ هذا سؤال يثير الشجن تقول العرب: هناك ثلاثة مستحيلات هي الغول والعنقاء والخل الوفي وانا اقول: هناك ثلاثة مستحيلات هي الخبز والحرية والحب. - هل حقا بدأت تغازل جائزة نوبل؟ ــ (ضحك طويلا) ثم قال هذا الرأي ينبثق من العقلية التحريمية التجريمية وكأن الانسان لا يمكن ان يكون له موقف شريف اذا اختلف مع غيره هؤلاء الذين يشتمون في هذه الفترات اناس لا يعرفون ماهو الموقف الشريف المبدئي والثابت انهم مجموعة من البشر عندما تختلف معهم يرونك مدانا ومجرما ويفبركون لك التفاسير الغيبية والغبية, التفاسير القذرة على اساس انك اختلفت معهم فأنت بالتالي مجرم, هؤلاء لا يحاولون ان يجدوا فكرا حقيقيا او موقفا مختلفا ينفون عنك كل حق في ان تكون ذا رأي صائب ولكن مختلف عن ارائهم لذلك عندما تختلف معهم لا يناقشونك ولا يحاورونك وانما يوجهون اليك تهمة ويدمغونك بالخيانة. بالنسبة لجائزة نوبل انا لست مرشحا لها والذي كتبته لحد الآن هو ثماني روايات اثنتان منها فقط جديرتان بالقراءة والست الاخريات لا بأس بهن انا لست مرشحا لجائزة نوبل قطعا وجائزة نوبل بحد ذاتها اذا استثنينا الجانب المالي منها وهو جانب لعله الشيء الايجابي الوحيد فيها جائزة سيئة السمعة جدا نظرا لتدخل السياسة فيها بعيدا عن الاعتبارات الثقافية ومن ذلك بشكل خاص ترويجها قيما امبريالية وقيما رأسمالية لا تناسبني انا العربي الذي اعتز بتراثي وحضارتي... انا لا استطيع ان اكون غير نفسي, نجيب محفوظ نال جائزة نوبل لاسباب سياسية ولمواقفه الشخصية من الصهيونية انا لا اقول انه غير مبدع. حوار - أحمد عساف

تعليقات

تعليقات