استراحة البيان : عن ابن الرومي وابن النبيه.. وأم كلثوم : يكتبها اليوم - محمد الخولي

مولانا العلامة عبد الرحمن أبو زيد المعروف باسمه الأشهر (ابن خلدون) يقول في مقدمته: أن أول ما يفسد من آلات الحضارة عند الأمم والممالك هو .. صناعة الغناء . فلا نحسب الآن أن الطرب وفنون الألحان وصناعات المقام هي من الأمور الهينة أو التي تؤخذ على محمل الخفة أو الاستسهال.. وإذا كنت تدري, ويدري كافة القارئين والكاتبين في لغتنا العربية الجميلة والشريفة أن عمدة أمهات كُتبها الكلاسيكية هو كتاب أبي الفرج الشهير ( الأغاني) فلسنا ندري, أن كنت تدري أن حُجة الإسلام أبا حامد الغزالي, وهو الذي عرك كل مسالك الفكر, وكتب من بوادي الفلسفة إلى مدارج التصوف ـ أبو حامد هذا كتب مصنَّفه الجميل الثمين الذي يحمد فيه صناعة الغناء وفن الطرب الصوت الجميل, ثم اختار للكتاب عنوانه الفريد: (آداب السماع والوجد) وتأمل معنا حسن الاختيار لمصطلح (آداب) فليس كل من ركب الحصان بخيَّال, ولا كل من ندب نفسه لتعاطي فن الموسيقى والغناء بمطرب أصيل أو مبدع موهوب أو فنان مطبوع , وليس كل من اتخذ كرسيا أو أصاغ السمع أو اشترى بطاقة دخول أو ارتاد مجلسا للطرب بمستمع حقيقي يستحق أن تهوى اسماعه روائع الفن وحلي الابداع.. إن لهذا كله كما ينبه أبو حامد الغزالي آدابا وأصولا بل ومبادئ واخلاقيات . لقد كان فن الغناء كما سجلته كلاسيكيات الأدب في التراث العربي بمثابة تتويج لباقات اخرى من فنون الابداع ما بين فن الشعر وفن اللحون وفن العزف وفن إرسال الصوت البشري رقيقاً ودافئا ومترعا بالمشاعر. ينطلق في صحة وعفوية وشباب ويجدل ما بين الايقاع في نبر السواكن وبين الآهات والزفرات اللحنية في حروف العلّة ويُفاعل بين الحرف والنغمة: للسكتة عنده الف معنى وللوقفة أكثر من دلالة, تماما كما يعمد المعماري المشغوف بلمسة الجمال عندما يمارس لعبة التكفيت بالنحاس أو التطعيم بالعاج والأبنوس أو التعشيق بين لحن الحجر وأنغام الخشب ليصنع للناس سكنا دافئا ومريحا وجميلا يسر الناظرين. لاعجب اذن أن يفتن الشعراء في وصف لحظة الغناء التي تتحول فيها الفنانة المطربة إلى نغمة تتردد في أجواء الأثير ويتحول فيها الفنان المغني إلى وتر مترع بأعذب الألحان. ألا ترى إلى عبد الرحمن القس يطربه غناء (سلاّمة) التي أحبها بجماع قلبه وربما كان حبه لفنها المطرب أوْلى وأبقى وها هو يصف روعة أدائها فيقول: ألم ترها, لا يبعد الله دارها إذا رجَْعت في صوتها كيف تصنع تمد نظام القول ثم تردُّه إلى صلصل في صوتها يترجّع وتعال ــ أعزك الله ــ إلى عمنا علي بن العباس المعروف بابن الرومي وهو ينشد داليته الشهيرة متغنيا فيها باسم ( وحيد) وكانت مطربة مفتنة وربما كانت فاتنة في عصره السعيد في القرن التاسع الميلادي. ومطلع الدالية ردده عشاق الطرب والشعر البليغ على مر الزمن هو : يا رفاقي قد تيمتني وحيد ففؤادي منها مُعنَّى عميد وإذا كان المطلع هو مجرد نغمة الاستهلال أو هو المذهب بتعبير الموسيقى الشرقية ـ العربية في رائعة ابن الرومي , فإن الشاعر الكبير لا يلبث يطلعنا على عميق معرفته باسرار صنعة الغناء حين يقدّم ابياته وصفاً دقيقا لاداء المطربة الاستاذة في فن الترديد والتطريب والترجيع يقول: تتغنى , كأنها لا تغني من سكون الأوصال وهي تجيد من هدوّ وليس فيه انقطاع وسجوّ وما به تبليد وباختصار شديد .. يلخص لنا ابن الرومي الموقف كله في بيته الشهير: يسهل القول إنها أحسن الأشياء طرّا , ويصعُب التحديد ألا يذكرنا هذا بوصف محمد بن عبد المطلب لغناء كوكب الشرق التي ضوْعت عصرنا بأريج فن الغناء الجميل ــ أم كلثوم . ولا يذهبن بك الحدس إلى أن المقصود هو الفنان الشعبي المصري محمد عبد المطلب صاحب الصوت الأجش العميق وكان من أكابر مطربي الثلاثينات وحتى مطالع السبعينات, لكنه كان من رعايا الامبراطورية الذهبية العظمى التي تربعت على عرشها أم كلثوم, وما كان له أن يقول شيئا في (الست) أو في (العظمة على عَظَمة) كما كانت كنايتها لا في باب الشعر ولا في فن النثر. وما كان للعم عبد المطلب ــ أبو نور الخفيف الروح كما كانت تعرفه منتديات القاهرة ليستطيع أن يقول شعرا أو نثراً بحال من الأحوال. إن الذي وصف كوكب الشرق أم كلثوم كان رجلاً مثقفا تراثيا محافظا من طلائع علماء الأزهر الشريف اسمه الأستاذ الشيخ محمد عبد المطلب, وكان من رواد الأساتذة الرواد بكلية دار العلوم يعلّم طلابه فنون العربية ويكشف مكنون اسرارها في الصباح.. ثم يأنس إلى أم كلثوم وصوتها المسجل على اسطوانات الخواجة (الكسندر بيضا) اسطوانات بيضا فون كومباني , في المساء كان ذلك في مطالع حياة أم كلثوم الفنية وكانت قد راضت حنجرتها الفصيحة العفية على قصائد كبار الشعراء القدامى والمعاصرين ومن أشهرها قصيدة (ابن النبيه) الشاعر المصري المتوفى عام 1222 ميلادية ( علم الله, كم كابدنا بين أضابير المراجع في مكتبة مهجرنا الأمريكي كي تثبت لك هذا التاريخ) أما قصيدة ابن النبيه وما زالت تسجيلاتها متداولة في كلاسيكيات أم كلثوم فيقول مطلعها: أفديه إن حفظ الهوى أو ضيّعا مَلَكَ الفؤاد فما عسى أن أصنعا هنالك اطلق الأستاذ الشيخ محمد عبد المطلب وكانوا يلقبونه في عصره ـ الثلاثينيات ــ باسم شاعر العروبة (يقال أنه من فرط عشقه لحياة البداوة عند العرب الأقدمين, فقد ذهب مرة إلى كلية دار العلوم عند شارع قصر العيني بالقاهرة الحديثة على ظهر بعير, فتأمل!) المهم أن محمد عبد المطلب هذا انتشى يوما في حفل عام يشدو أم كلثوم وهي تؤدي من الحان استاذها أبو العلا محمد قصيدة ( افديه ان حفظ الهوى) فما كان من الأزهري الأستاذ الجامعي إلا أن جادت قريحته بأبيات على مذهب معارضته قصيدة ابن النبيه مع تضمين اجزاء من أبيات الشاعر القديم, ثم نشرها مهداه إلى أم كلثوم ــ ولله در الذاكرة ــ نقصد ذاكرة الفقير كاتب السطورــ وهي ما زالت تعي أبياتا من شعر عبد المطلب حفظناها وما زالت في الوجدان على مر السنين : ان أنشدت ( ملَكَ الفؤاد) سمعت من تلقاء قلبك (ما عسى أن أصنعا) أو رجّعت (هل فؤادك رحمة لمتيّم خِلْت النجوم لها قوائم خشعا هل تدري ــ حفظك الله ــ إن كنا نحفظ قصيدة الأستاذ محمد عبد المطلب في وصف غناء أم كلثوم ـ إذ كانت مقررة علينا في مرحلة الطلبة بالمدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات . هكذا نجح اساتذتنا ومربّونا ومعلمونا في تشكيل أذواقنا.. جزاهم الله حسن الصنيع.. أفلا يستحي الذين شوهوا من بعد مناهج التعليم واستبعدوا عيون الابداع العربي ثم هرّبوا بين ثنايا المناهج أشعاراً ركيكة وسقيمة من نظم رؤسائهم أو أصدقائهم في وزارات التعليم هنا أو هناك .. ناهيك عن الذين لم يعرفوا طعم الحياء عندما عمدوا إلى استبعاد مواد ومعلومات هي من أصل تراثنا وعماد ثقافتنا.. وكان شغلهم الشاغل في هذا كله هو الحرص على الاحساس الرقيق لأصدقائهم في اسرائيل.

تعليقات

تعليقات