في معرض الفنانين الفرنسيين بمتحف الشارقة: حداثة بخامات بسيطة واجواء تعيد ملامح الأسطورة

لعل اول مايميز الاعمال الفنية التي يستضيفها متحف الشارقة للفنون تحت عنوان (الفن الفرنسي الحديث) وتحديدا في مجال الطباعة والجرافيك (الصور المطبوعة عن الاعمال المحفورة) هي تلك المساءلة الذهنية والضمنية التي تفرضها الاعمال المعروضة وخاصة اذ ما اجرينا بعض المقارنات العاجلة بين ما نعرفه عن تطورات فن (الجرافيك) على الساحة الفنية العربية والعالمية وتجربة هؤلاء الفرنسيين الذين يمثلون الجيل الجديد في فرنسا, فاعمالهم لا تتوازى او تتقاطع مع التجارب عالية التقنية والمنفتحة على التطورات المذهلة التي يشهدها العالم في مجال الطباعة والجرافيك, وبمعنى ادق نجد اعمالهم رغم حداثتها غارقة في الطفولية والبدائية وما يعود بنا الى جملة من الرموز المستفادة لازمنة كهوفية, تمثل الملامح الاولى للحضارات المدنية الكبرى. جان شارل بليه, هيلين ديليرا, فيليب فافيه, جيرار كاروست اسماء من جيل الثمانينات نتعرف عليها للمرة الاولى ونتلمس من خلالهم نوعية التجربة الموجودة حاليا على الساحة الفرنسية في مجال الجرافيك والطباعة للجيل الفني الاحدث لديهم. النظرة الاولى لاعمال هؤلاء الفنانين تعكس لدينا جملة من النقاط الاساسية التي يمكننا تلخيصها, بالعفوية التامة والابتعاد عن اية تعقيدات شكلانية كانت او ضمنية محاولة البحث باستخدام الخامات البسيطة عن اجواء تمثل بشكل من الاشكال ردة فعل على عالم معقد ومتداخل اهمل بساطته الاولى وحالاته الفطرية, الخروج عن التشابه الذي بات يظهر جليا في اعمال الجرافيك والطباعة الحديثة والبحث عن خصوصية ما, بحرية من خلال الابيض والاسود والغموض الشفاف والتركيز على محدودية النسخ فاعمالهم تظل نادرة وغير قابلة للتكرار والاعادة مقارنة بالعديد من التجارب المماثلة التي يمكن ان يتجاوز عدد النسخ منها المائة واكثر من ذلك, اضافة الى نقطة اساسية تكمن في اعتماد هذه التجارب على مضامين تاريخية تغفل اللحظة الراهنة والمواضيع الحديثة الى قضايا انسانية ليس لها ان تموت او نزول مع الزمن دون الاستغراق فيما تمليه الساحة النقدية من قضايا الحداثة وما بعدها, ومسألة التجديد في نسف مرتكزات التجارب السابقة والخروج بصيغ جمالية تتناسب مع متطلبات العصر الحديث وقد تكون هذه الحالة من التحديات تتضمنها تجارب هؤلاء الفنانين. جان شارل بليه من مواليد العام 1956 يقدم في هذه المعرض نماذج من اعماله التي تتخذ من الحفر على المشمع والطباعة على الحجر اساسا لها, وفي الاسلوبين تخرج لديه الاعمال بارزة ويمكن تحسس محتواها الشكلي وفي هذه الاعمال يكون الحبر هو الملمح اللوني الاساسي فيها, ليستفيد الفنان من قتامه اللون الكاملة في خلق تدرجات موازية تشكل في اللوحة الظل وتحدد مصادر الضوء والانارة المنعكسة على الشكل. يركز هذا الفنان في اعماله مستخدما الورق الصيني على نماذج شكلية انسانية يغير في ايقاعها الحركي لتأخذ لديه هذه الشخوص مضامين متعددة مع بعض التشكيلات الاخرى التي يجسدها الفنان على جسد اللوحة بصورة مباشرة كي يعطي الجسد الذي يقدم عليه الفنان دراسات حركية عديدة ليبرز ما يحاول قوله من خلاله , الا انه لا يتعامل مع الجسد بصورته الكلية التفصيلية بل يتناول مقاطع وجوانب منه. هيلين ديلير من مواليد العام 1957 تركز في خامتها على الورق الصيني, والحفر على النحاس ولعل هذه الفنانة فيما تطرحه من اعمال تمثل العفوية الكاملة واللاتخصصية ان جاز التعبير في قضية تجسيد الشكل والفكرة , فاشكالها ومواضيعها منفتحة على ما تمليه الذات في سياق المباشرة والتعبير التلقائي البدائي, ولذلك قد يمتلكنا الشعور بالتمايز على اعماله نظرا للتحديات الطفولية التي تطرحها على مستوى الشكل والحالة البنائية لتعيش اعمالها حالة من البساطة والاختزالية الدلالية التي تستحق التأمل واستعادة البدايات الاولى للانسان حينما راح يجسد ذاته وافكاره على شكل رسومات دلالية. ولعل هذه الدلالية تتبدى واضحة في اعمال فيليب فافيه الذي يقول عن ذاته ( اعتقد ان شغف الجلوس امام طاولة الكتابة يسكن روحي, فانا احب مكتبي وحركات الكتابة البسيطة ورسوماتي لا تتطلب حركة اكثر من رمية نرد, والاقتصاد في الوسائل يسحرني) هذه المقولة للفنان توضح وبصورة جلية اتجاهه نحو الاعمال الصغيرة التي لا تتجاوز ابعادها السنتمترات القليلة, ليرصد ماله علاقة برموز الاسطورة والحكائيات القديمة ذات الدلالات التي تبحث في علاقات حيوية وازلية , كالموت, والحياة, الروح وتداخل الانسان معنويا وماديا مع تجليات الطبيعة وعناصرها. اعمال هذا الفنان تعتمد على الطباعة الحجرية والحفر بماء الفضة الذي يعطيه فرصة لبروز اللمسات والنقوش المقعرة الصغيرة, وهذا الامر يتيح له ان يرصد التفاصيل الصغيرة التي يتعامل معها, ليدخل في اشكال تتقارب مع لعبة الطوابع, خلفيات المعلبات والزجاجات, والعديد من المستخدمات اليومية التي حاول هذا الفنان رصدها وتطويعها في الفضاء الاوسع للمعنى المحدد لها من خلال حالة من الامتاع البصري التحريضي وتركيزه على العديد من الزوايا التي نهملها ونرفض التعامل معها. جيرار كاروست الفنان الرابع ضمن هذه المجموعة وهو من مواليد العام 1946 وتتميز اعماله وبصورة واضحة في الجانب الفكري والمعنوي مستفيدا من اعتماده على الحفر والسحب على النحاس ليقدم جملة من التظليلات اعطت اعماله مناخات غامضة وشفافة من حول الموضوع والشكل الاساسي داخل العمل. يتعمق هذا الفنان في العديد من القضايا الجدلية التي تعتمد اساسا على موضوع العلاقة البشرية مع رموز الطبيعة الاسطورية والواقعية مركزا بصورة خاصة على الرجل والمرأة في حالات التوحد, هذه العلاقة الحضارية يحصرها الفنان بخصوصية البيئة الفرنسية. ورغم ان هذا الفنان يتناول في اعماله العديد من القضايا الا انه يبرزها من زوايا بسيطة وعفوية ليحاكي من خلال هذه البساطة ذهنية المتلقي ويعطيه فرصة التقاط المعنى والارتقاء به بما تمليه الامكانية والذاكرة الشخصية. ان هذا المعرض باعماله وتجاربه قد لايرضي من عايش ما تقدمه الساحة الفنية في مجال فن الجرافيك والطباعة الا انه ومن خلال حالته العامة يقدم لنا دلالات مهمة على ما تذهب اليه شريحة فنية جديدة على الساحة الفنية العالمية في العودة الى بساطة الاشياء على مستوى الخامة, واللون والتقنية وعدم الانزلاق في متاهات ومقومات الاعمال التشكيلية الحديثة. كتب - حازم سليمان

تعليقات

تعليقات