استراحة البيان : لقاؤنا في (يافا) ! بقلم - محفوظ عبدالرحمن

اول جريدة اشتريتها في حياتي من (مالي) الخاص, اشتريتها وأنا في المدرسة الابتدائية لكي اعرف اخبار ما يحدث في فلسطين وكان حلمي الاكبر ان اشارك في الحرب ضد الصهاينة ولم يكن الامر مجرد حلم , فلقد اتفقت مع زميلين لي ان نهرب من اهلنا ونتطوع للقتال وذهبنا فعلاً الى احد مراكز التطوع, لكنهم قابلونا بابتسامة أبوية ووعدونا بالاتصال بنا عند الحاجة, ورغم أننا كنا ما زلنا اطفالاً الا اننا ادركنا انهم ماطلونا, وانهم لن يتصلوا بنا وكان هذا صحيحا فلقد مرت عشرات السنين ولم يتصل بنا أحد. ومنذ ذلك الحين الى الآن وقضية فلسطين هي القضية الاولى في حياتي وحياة جيلي. كل شيء يبدأ منها وينتهي اليها. وربما كان هذا هو السبب في انني من جيل محبط, يزدرد المرارة والانكسار في كل وقت, احيانا أصرخ بأن كل مشكلة تجد مهما طال الوقت حلها, وان كل مأساة تخف مع الزمن, وان الحق قد يتعثر ويسقط تحت الاحذية اللامعة في الأمم المتحدة بنيويورك, لكنه ينتصر في النهاية, ولكن كل هذه الصرخات تضيع هباء لان شيئاً لم يتحقق منها وثبت بالاحداث اننا بدلا من ان نتقدم ولو خطوة كل عام, نتأخر الف خطوة كل يوم, ولكننا ــ أقصد جيلي ــ كالعشاق العذريين يتعذبون, ويتقلبون على اللظى ويحرمون حتى من رؤية وجه الحبيب ومع ذلك لا يقل الحب بل يزداد التهاباً. منذ ذلك اليوم الغامض في مدينة (الفيوم) ذات السواقي التي تئن ليلاً, والذي اشتريت فيه اول جريدة يومية لاعرف ما يحدث في (فلسطين) وكان اسمها آنئذ هكذا!! وحتى اليوم مرت من الاحباطات ما يجعل سيف صلاح الدين في طراوة فرع زهرة ندية. ومع ذلك فها انا ــ وأنا أكتب هذه السطور ــ اجلس الى جوار حقيبتي انتظر موعد الطائرة, لاسافر الى (برلين) لاخرج في مظاهرة احتجاجاً على قيام دولة اسرائيل وممارساتها العدوانية في خمسين عاماً. الرحلة طويلة بين لحظة شراء أول صحيفة, وبين السفر الى المانيا للاحتجاج على وجود اسرائيل, والمدهش ان بين ما فقدته خلال هذه السنين الطويلة جدوى التظاهر!! (برلين) لم ازرها منذ ان كانت مدينتين وكان وضعها يبدو لي سخيفاً ولكن ظريفا فانت تدخل بيتك من برلين الشرقية لتجلس في الشرفة تشرب القهوة وتطل على برلين الغربية بل كانت هناك بيوت غرفة النوم في الشرقية والحمام في الغربية. ولكنني عندما ذهبت الى برلين المقسمة لم استخدم كلمات مثل سخيف او ظريف فلقد واجهت ابشع ما يمكن ان يواجهه انسان: الا يستطيع ان يجوب كل شوارع مدينته ومنذ ذلك الحين حتى الآن, وانا احتفظ أمام عيني ببطاقة القطار الذي كان يخترق المدينة من شرقها الى غربها او العكس, وكان ذلك سهلاً علينا كأجانب اما الالمان فكان هذا العبور مستحيلاً عليهم يعيش الانسان يحلم به ليلتقي بأهله وذكرياته وبيته وتمر السنين, ويموت ويدفن ولم يحقق حلمه. أي قسوة في الانسان! ليس هناك حيوان على ظهر الارض يستطيع ان يبتكر من وسائل العذاب مثلما يستطيع الانسان ولو انك قلبت صفحات التاريخ لقرأت ما يدل على (عبقرية) البشر في فن التعذيب. مثلاً الاخوة المغول كانوا لا يكتفون بقتل اعدائهم لكنهم كانوا يتفننون في ذلك فكان قتل القائد هو ان يكسروا عموده الفقري, ويتركونه في الفيافي وحيداً, يعاني اقسى أنواع الآلام, ولا يستطيع الحركة. وفي فارس القديمة كانت احدى وسائل الاعدام ان يأتوا بالبائس المحكوم عليه ويضعون كمية من العسل على وجهه, ويدفنونه تحت التراب الا وجهه, ويأتي الذباب يتجمع على وجهه, ولا يستطيع بالطبع ان يهشه لان يديه مدفونتان تحت التراب ويموت بالصدمة العصبية. والقائمة طويلة, ويكفي ان اشير الى محاكم التفتيش الاسبانية, والى الوسائل العثمانية, والى السجون الاسرائيلية. وما تمنيت ان احضر حدثا مثلما تمنيت ان احضر هدم سور برلين ورغم هدم السور الا انني ما زلت محتفظا ببطاقة القطار الصغيرة رديئة الصنع لتذكرني بقسوة الانسان. من شراء صحيفة يومية الى رحلة الاحتجاج سنوات طويلة, تراكمت فيها الخيبة فوق الخيبة حتى تساءلنا خفية وفي خجل: هل نحن على حق؟ فاذا كنا فلم لم ننتصر؟! وحتى الانتصار لا نحلم به لم لم نتقدم خطوة في طريقنا؟ لقد بدأت المشكلة وفي ايدينا الاغلبية والأرض والحق ومع ذلك اخذوا كل شىء, وتضاءلت احلامنا الى مبنى (للرئاسة) في غزة فماذا حدث؟ اعتقد ان المشكلة هي في ان القضية لم تكن في بال القادة العرب, حقا كانت على السنتهم, لكنها لم تكن ابدا في ذهن احد منهم. ولا اقصد بالقادة مايمكن ان تفهمه من الكلمة فحسب, بل اقصد القيادات الوظيفية والعلمية والحزبية الخ.. اقصد الكلمة بمعناها الواسع. ولانه كانت هناك هوة عميقة بين (الكلمة) المتحمسة الواعية وبين العقل البارد والقلب الخائن, فلقد اتسعت الفرصة لممارسة الالعاب البهلوانية. وكنا نتفرج ونصفق فالسيرك في أبرع الاعيبه ثبت بالدليل الساطع والبرهان القاطع وليس هناك ما هو اسطع واقطع من الاعتراف الذي هو سيد الادلة كما يقول القانونيون انهم لم يكونوا يصدقون اللعبة. لقد كانوا يصرخون حماسا وهم جالسون بين احضان اسرائيل وكنا نصدق فنحن لا نتوهم الخداع الى هذا الحد. في حين كانوا يدبرون كل شيء منذ (هرتزل) او ربما من قبله كنا نضيع كل الفرص لاننا لم نرتب شيئا. وكان لدينا مشكلة خطيرة ان كل من يجب عليه اعداد الامر كانت دائما لديه قضية اهم من قضية فلسطين فكيف استطيع التفرغ لقضية فلسطين دون ان اؤكد وجودي على الكرسي, وكيف افعل والطامعون والمنافسون كثيرون والقضاء عليهم يتطلب دهرا فاذا ما وفقت وقضيت عليهم بدأت مشكلة جيراني كيف احارب اسرائيل وعيون جيراني على حدودي اليس البيت اولى من الجار وما يحتاجه البيت يحرم على الجامع! وفي الغالب يأتي عزرائيل قبل القضاء على كل المنافسين والجيران ولكن نفترض انه تم القضاء عليهم قبل تلك الزيارة الاخيرة اليس من حق هذا (المقاتل) ان يستريح وان يغسل يديه من دماء الاهل والجيران. واعتقد ان هؤلاء القادة كانوا يعرفون ان الطريق لاعادة فلسطين والقضاء على الصهيونية يبدأ من بناء الانسان نفسه وانك لا تستطيع ان تحارب دولة عصرية مسنودة بدولارات وطائرات وفيتو الدنيا, الا اذا كان الانسان العربي قادرا بدنيا ونفسيا وعقليا على مواجهة هذا الواقع. وبناء دولة عصرية يعني ابعاد كل هؤلاء الذين في يدهم حل المشكلة فكيف اساهم بما يلقي بي الى الظلمات؟ ولذلك كان الرهان بين التعملق والتقزم. فاخترنا التقزم لانه اسهل واكسب وامتع, واتوقف لاسأل نفسي اي مرارة تسافر بها؟ ما جدوى هذه المظاهرة اذا كنت في هذا اليأس. لكنني لست يائسا. ما نحن فيه لا يمكن ان يكون اسوأ. لذلك لابد ان يكون افضل!! وقراءة التاريخ تفيد كثيرا فعندما يصيبني اليأس الجأ الى التاريخ ليذكرني ان البشر في حالة (بارانويا) جماعية ظلوا الاف السنين يظنون انهم مركز الكون وان الارض ثابتة والكواكب والنجوم تدور حولها وعندما حاكموا (جاليليو) لم يحاكموه لانه قال بدوران الارض, بل الحقيقة انهم حاكموه لانه قال اننا حبة رمل في هذا الكون, واننا ذرة تدور في تلك الشمس كانوا يمتلكون الشمس, فإذ بجاليليو هذا يقول لهم انتم لاشىء بالنسبة للشمس. ولاننا ورثة هذه (البارانويا) فنحن نعتقد اننا التاريخ. ما يحدث الان هو كل شىء وجيلي ــ منذ ان اشترينا جريدة ــ شهد قيام دولة اسرائيل ــ ومذابحها وغطرستها ونسى انه شهد ايضا سقوط الاتحاد السوفييتي وهو اعظم من مئة اسرائيل فما الغرابة؟ الا تكون هناك دولة باسم اسرائيل بعد مائة عام او خمسين ستقولون ولكن الولايات المتحدة تساندها. وأقول ومن يؤكد ان الولايات المتحدة ستكون كما هي بعد مائة عام. قلبوا اوراق تاريخ القرن العشرين ستجدوا امبراطوريات تسقط الى الحضيض او تحت الحضيض: الامبراطورية العثمانية, والنمساوية, والنازية والبريطانية, والسوفييتية الخ. ما المانع ان يحدث هذا نفسه لاسرائيل؟ ليس هذا مجرد حلم. ففي يقيني انه لا يصح الا الصحيح ولان اسرائيل قامت على الزيف والعدوان والغطرسة والدعم الاجنبي, فلابد ان تتهاوى ذات يوم. ويقترب موعد الطائرة ولابد ان اترك القلم وكنت اتمنى ان تكون هناك فرصة ونلتقي في برلين ياعزيزي القارىء ولكن هذه السطور ستنشر بعد المظاهرة وما المانع ان ادعوك كما كان يدعونا صديق فلسطيني: لقاؤنا في يافا! اذا كانت بلده وكان يعتبر اللقاء هناك مستحيلا وربما كان مستحيلا لسنة او سنوات لكننا في زمن المتغيرات ومن يعرف ربما التقينا فعلا في يافا! واذا لم نلتقي سيلتقي اولادنا في يافا واراهن ..

تعليقات

تعليقات