استراحة البيان: غوامض التاريخ: بقلم - محمد المر

هنالك الكثير من الأمور الغامضة في تاريخ الأمم والشعوب الإنسانية, بعض ذلك الغموض راجع لقلة التدوين أو ندرته, وبالتالي فإن التاريخ المحكي يتعرض للكثير من التحريف وخصوصاً إذا مر بسنوات عديدة أو قرون طويلة قبل أن ينقل إلى صفحات الكتب. وتزيد اختلافات العقائد وتناقض السياسات وتباين الأمزجة من الغموض التاريخي بحث يصعب أحيانا الاطمئنان إلى رواية بعينها تصف حادثة تاريخية معروفة, ولنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية. - قاد الفرعون أخناتون ثورة دينية عارمة على الآلهة والطقوس الفرعونية السائدة لمئات السنين في وادي النيل, وعده بعض المؤرخين من أوائل الذين طمحوا إلى فكرة التوحيد, هذا الفرعون كان محبا لزوجته نفرتيتي التي شاركته حماسته الدينية للمذهب الجديد وأنجبت له ست بنات, وهنا تختلف الروايات, فقد كانت هنالك رواية شائعة تقول أنها أنجبت له أيضاً ابنا حكم فيما بعد تحت اسم الفرعون (توت عنخ آمون) الذي هز اكتشاف كارتر وكارنفون لقبره في بداية العشرينات انتباه العالم بسبب التحف الفنية الرائعة التي وجدت فيه. ولكن رواية أخرى تقول ان ملك إحدى ممالك حضارة وادي الرافدين أهدى ابنته (تودوكيبا) إلى الفرعون المصري اخناتون كهدية لتقوية العلاقات السياسية بين البلدين. ويبدو أن هذه الأميرة العراقية حازت على إعجاب الفرعون المصري فأصبحت محبوبة لديه وأطلق عليها لقب أو اسم (كيا) وتعني (الزوجة المحبوبة كثيرا) وأنجبت له ابنة جميلة ظهرت معها في التماثيل المحفورة على الحيطان القديمة, في السنة الحادية عشرة من حكم (اخناتون) اختفت زوجته المحبوبة كثيرا من المسرح, وتقول الرواية أنها ماتت أثناء الولادة بعد أن أنجبت ابنها (توت عنخ آمون) الذي أرجع مصر لديانتها القديمة وتنكر لثورة أبيه الدينية. - كيف انتهى الملك الآشوري (آشور بانيبال) الذي حكم مع زوجته (آشور شارات) المملكة الآشورية التي امتدت حدودها من سوريا إلى روسيا عام 668 قبل الميلاد؟ هنالك روايتان, الرواية الأولى تقول أنه جمع تحفه ومجوهراته وثيابه وعطوره وزوجاته بمن فيهن زوجته (آشور شارات) وجلس وسط ذلك الثراء الباذخ وأمر بإشعال النار, ومات هو وزوجاته في محرقة عظمى, أما الرواية الأخرى وهي صعبة على التصديق خصوصا إذا عرفنا أن ملوك آشور كانوا من أكثر ملوك العالم قسوة ولهم تاريخ معروف ملطخ بالدماء. تقول الرواية على ذمة الراوي أن الملك (آشور بانيبال) زوج الملكة (آشور شارات) كان محبا لارتداء ملابس النساء وأنه بالإضافة إلى ذلك كان يحب وضع المكياج النسائي المعروف في ذلك الوقت على وجهه وبلغ به الأمر انه كان يجعل صوته ناعماً ليقارب أصوات النساء!, وفي إحدى المرات كان يضع المكياج على وجهه فدخل عليه أحد القادة العسكريين في الجيش الآشوري فثارت حميته واشمأز من ذلك المنظر فطعن الملك الكبير وتركه ملطخا بالدماء والعطور! - الملك المقدوني ديميتريوس كان متزوجا من امرأة تكبره بدزينة من السنوات اسمها (فيلا) وفي احدى الحملات العسكرية في البحر الأبيض المتوسط استطاع أن يحطم اسطول الملك المصري اليوناني (بطليموس الأول) ويستولي على محظيته الأولى عازفة الناي الجميلة (لاميا) وعاش معها في أجواء حافلة بالمجون والعبث والإنغماس في الشهوات مما أثار حفيظة سكان مدينة أثينا المعادية ونظموا فيهما القصائد الهجائية خصوصا أن اسم (لاميا) يحمل معنى آخر هو (الوحش الذي يأكل الرجال), وغلى مرجل غضب الملك ديميتريوس فهاجم أثينا واستولى عليها وتمتع بحبيبته لاميا داخل معبدهم المقدس وفرض عليهم ضريبة مالية باهظة وأعطاها لعشيقته لاميا. بعد وقت قصير ماتت لاميا وهي في شرخ الشباب, هل كان موتها راجعا إلى تهالكها في الملذات وانغماسها في الشهوات, أم أنه كان بسبب انتقام أهل أثينا الذين ناصبوها العداء أم أنه كان بإيعاز من (فيلا) زوجة الملك ديميتريوس الصابرة؟ لا أحد يدري!! - كليوبترا كانت آخر ملكة يونانية حكمت مصر ولكنها كانت السابعة من سلالة من (الكليوبترات) لعل أفظعهن هي كليوبترا الثالثة التي كانت شقيقة لكليوبترا الأولى وخالة كليوبترا الثانية, وقد حكمتا معا وتزوجتا الملك بطليموس الثامن, وعندما مات حكمت كليوبترا الثالثة مع ابنها الملك بطليموس التاسع, ولكنها لم ترتح له فخططت له مؤامرة محكمة أودت بحياته, وحكمت مع ابنها الآخر الملك بطليموس العاشر, وهنا تختلف الروايات في قصة نهاية هذه الملكة المحبة للمؤامرات, فهنالك من يقول أن كليوبترا الثالثة ماتت ميتة طبيعية لأنها قاربت الستين من العمر وهذه السن تعتبر متقدمة كثيرا في تلك الأيام, وهنالك من يقول ان بطليموس العاشر خاف أن يلقى مصير أخيه بطليموس التاسع فساعد بانتقال والدته إلى نهايتها غير المأسوف عليها! - كليوبترا السابعة الملكة الشهيرة التي حكمت مصر مع أخيها بطليموس الثالث عشر وأخيها بطليموس الرابع عشر وابنها بطليموس الخامس عشر اتصفت بالدهاء والذكاء والجمال والجاذبية الآسرة لدرجة أنها أصبحت عشيقة لأعظم حاكم في العالم في ذلك الوقت ألا وهو الديكتاتور الروماني يوليوس قيصر ثم صارت بعد اغتياله زوجة للقائد الروماني مارك انطوني, وبعد هزيمتهما علي يد الامبراطور أوكتافيوس وموت زوجها وحبيبها انتحرت كليوبترا السابعة, وهنا أيضا تختلف الروايات, فهل ماتت بواسطة عضة الأفعى كما يعتقد البعض أم بوسيلة أخرى؟ لا أحد يدري!

تعليقات

تعليقات