لوحاته ابحار في الموروث الشعبي : كمال يكنور يعيد الوجه المشرق للتشكيل المصري

عانت الحركة التشكيلية المصرية طوال العقد الفائت من سيادة اتجاهات فنية محددة تخاصم الموروث القومي العربي والمصري , وتنحاز نحو اردأ المدارس الاوروبية والامريكية التي ظهرت اثناء وبعد الحربين العالميتين الاولى والثانية كجزء من - وتعبير عن - واقع منحط افرزته ويلات الحرب, والتي لم تترك اثرا ذا معنى في مسيرة الفنون الجميلة. نقصد بذلك تلك الاتجاهات التي تحتفي بجمع نفايات الورش وفوضى الشخبطة بحجة الحداثة وما بعدها!! وقد راجت هذه البضاعة الفاسدة بسبب تشجيع السلطة التشكيلية المصرية لها, واعتماد الجوائز المالية السخية لمن يقترفون هذه الاعمال, مع التلويح للسفر للخارج كممثلين للحركة الفنية المصرية ! والحق ان الذين ساروا وراء هذه (الهوجة) اغلبهم من الشباب الصغير - دعنا من الكبار الذي حرموا من الموهبة - الذي لم يجد الرعاية الواجبة في كليات الفنون, ولا امتلك المهارات المطلوبة حتى يتمكن من فرز الغث من الثمين, فوقع للاسف في فخ الجوائز التي تمنح عادة لاعمال ركيكة تشكيليا... منعدمة الخيال, لكنها تضج بالغريب والمزعج والمنفر, ولعل واقعة استخدام احد الشباب بعض اجزاء من جثة انسان في عمله (الفني) في صالون الشباب السابق تؤكد الحال الذي وصل اليه نفر من الشباب على يد السلطة التشكيلية المهووسة باتباع ما يجود به الغرب دون مناقشة وتمحيص !! وفي ظل هذا المناخ الشائك جاء معرض (شعبيات) الذي يقام بقاعة (بيكاسو) بشارع حسن عاصم بالزمالك ليعلن انتماءه للفن الجاد الذي يصالح التراث, ويتعامل مع الغرب بندية. وقد قال صاحب ومدير القاعة الحاج ابراهيم: لقد نظمت هذا المعرض حتى يعرف الناس ان تراثنا الشعبي يحفل بالكثير الذي يمكن استلهامه في اعمال تشكيلية. ضم المعرض اعمال الفنان كمال يكنور ـ55 عاما ـ الذي ظل وفيا لانتماءاته الفكرية والفنية لاكثر من 30 عاما هي رحلة الابداع. في لوحة (المرأة والرحى) نتابع معا هذه المرأة وهي تطحن الذرة او القمح بوساطة اقدم آلات الطحن التي ابتكرها المصري القديم, ولا تزال موجودة حتى الآن في الريف. لم يلهث الفنان خلف محاكاة الواقع تماما حتى لا يكون اسيرا للمنطق الفوتوجرافي, لذا نجد المرأة قد تخففت الى حد ما من سلامة وانضباط العلاقات التشريحية بين اجزاء الجسد, مع ميل نحو الترسيخ والاحتفاء بالكتلة ككل رمزا لدور المرأة الحيوي جدا في الواقع الريفي. وقد اصاب الفنان عندما رسم في الخلفية (الاناء الفخاري) المملوء بالماء, جهة اليمين, و (مصباح) جاز معلقة على الحائط ناحية اليسار ليساعد في اضفاء المناخ الفقير الذي تعيش بطلة اللوحة في اجوائه, ورغم ان الالوان الزيتية التي استخدمها كمال يكنور تمتاز بامكانية تخليق عدد لانهائي من الدرجات عند خلطها مع بعض, الا ان الفنان تعامل معها بتقشف شديد, وجعلها توأم شح الحياة التي يعيش فيها فقراء المصريين, فالخلفية اكتست بلون (طوبي) باهت يتردد صداه في لون (الرحى) و (الحصير) الذي تجلس عليه المرأة, كذلك استولت مساحة من الاصفر الشاحب على جزء من الخلفية بالتعاون مع ( الاناء الفخاري) . ويبقى في النهاية هذا التناقض بين وجه المرأة الممتلىء والطازج والحلي التي في صدرها ويديها, وبين الفقر المزمن الذي تفوح رائحته في المكان, وليس عندي تفسير لهذا التناقض سوى ان المرأة الريفية المصرية بايمانها وعملها تكتسب زادا نفسيا يعينها على تحمل المشقات, ويمنحها بريقا اخاذا, اما ادوات التخزين, فمن باب الاحتفال ببطلة اللوحة المكافحة ليس الا!! ولان الموروث الشعبي زاخر بالغريب والمثير, مما دفع الفنان كمال يكنور لاستلهام الحكاوى والاساطير التي راجت ومازالت في مخيلة المصريين طوال القرون, واعادة صياغتها في لوحة غامرة بالعذوبة وبالبساطة ... انها لوحة (حكايات اسطورية) , اول ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو تقسيم السطح الى 16 مربعا متساويا تقريبا, وفي كل مربع رسم لوحة تنشد الاحتفال بعنصر او معنى شعبي, وفي الوقت نفسه تشكل اللوحات كلها عملا متكامل الاوصاف. فمثلا في اول مربع او لوحة موجودة جهة اليمين, نجد كمال يكنور قد رسم كفا مفرودة الاصابع , بينما توجد عين تحتل باطن هذه الكف في اشارة الى درء الحسد كما يعتقد البسطاء, وفي احد المربعات صور الفنان (عروسة المولد) المصنوعة من الحلوى والتي تباع للاطفال في ذكرى مولد الرسول الكريم منذ العصر الفاطمي!! وفي مربع آخر نجد رسما لاحدى قطع الحلي التي تتزين بها المرأة الشعبية وهو (الكردان) , وفي صورة ثالثة يعجبنا هذا التحوير لشكل الجمل الذي يحمل فوق ظهره (الهودج) الذي يحتوي داخله على العروس ليلة الزفاف وهي تنتقل من بيت اسرتها الى عش الزوجية السعيد كما يحدث عادة في الريف. ولم ينس كمال يكنور نصيبه من النخيل السامق على شاطىء النيل والمنتشر بقوة في جنوب مصر, فنجده قد خصص له لوحة مستقلة , كذلك احتفى الفنان بالمسجد لما له من عمق كبير في وجدان المصريين بصفته دارا للعبادة ... وهكذا نجد انفسنا امام جدارية ضخمة صاغها الفنان وطعمها بما لذ وطاب للعين والخيال. وقد التزم كمال يكنور في هذا العمل بمنطق الفنان الفطري الشعبي عند تنفيذ رسومه على جدران المنازل او الابواب, هذا المنطق الذي ينفر من المفهوم الغربي الاوروبي الذي يحتفي بالمنظور و(الفورم) , اذ يسعى الفنان الشعبي الى صنع لوحة ذات بعدين فقط ولنستغني عن البعد الثالث (المنظور) الذي يخفي اشياء ويقلل من حجم اشياء اخرى !! كذلك يستعيض الفنان عن (الفورم) - التجسيم - بعمل خطوط قاتمة تحدد الشكل الخارجي. يجب ان نؤكد أن كمال يكنور لا يقلد الفنان الشعبي الفطري, بل يستوحي عالمه التشكيلي ويعيد بناءه وانتاجه وفق رؤاه الفنية بموهبته, ففي لوحة (الحصان والطيور) نندهش من هذه المقدرة على تحوير الاشكال الشائعة للكائنات الاليفة , ثم رصها بطريقة تتواءم تماما مع غابة الزخارف النباتية والهندسية التي تضخ بها اللوحة, مما تمنح المتلقي نعمة الاستمتاع بهذا التكوين الفريد. في هذا العمل, كما في العمل السابق, استخدم كمال يكنور الالوان الزيتية بدرجة من الكرم, وان ظل للالوان الخضراء والزرقاء حقوق السيادة, لان تلك الالوان هي الاكثر توافقا مع المزاج الشعبي العام بسبب انها مرادفات للخضرة او الزرع, والمياه والسماء الصافية, هذه الاشياء الدالة على طبيعة المناخ والحياة المصرية. ان النزعة نحو الاخذ بالمساحات المسطحة وملء الفراغات لمن اهم سمات الفنان, لانها ببساطة تناسب الفطرة الفنية عند الرجل الشعبي الذي ينزعج من اي فراغ تحت وهم ان الشيطان سينفذ من خلاله!! كمال يكنور فنان صاحب خيال شجاع, انشغل ببسطاء هذا البلد الامين, وسعى نحو استلهام المنطق الذي يحكم فكر الفنان الشعبي ... احتفى بحكاوى واساطير الاولين وعاداتهم, وقدمها لنا في صياغات تشكيلية مثيرة ومدهشة ... اصطاد من بحر التراث المصري والعربي الجواهر الثمينة ... حيث جاءت لوحاته متينة البناء ... مفجرة للخيال وتسر الخاطر ... ان اعمال كمال يكنور تمثل الوجه المشرق للحركة التشكيلية المصرية بامتياز في زمن سيادة الاعمال الكئيبة والمضجرة!! القاهرة ـ ناصر عراق

تعليقات

تعليقات