استراحة البيان: يا أهل المغنى: يكتبها - محمد الخولي

رحم الله شاعر الشعب الكبير بيرم التونسي. فاض به الكيل يوما اذ صافحت اذناه بضع انغام نشاز وبضع كلمات من شعر الاغاني المكرور, وبعدها جلس العم بيرم كعادته فوق ارضية غرفة الضيوف في بيته المتواضع بحي السيدة زينب في القاهرة ــ احتسى ـ كعادته ايضا ــ اكثر من فنجان قهوة سادة وطوى صفحة الورق المسطرة الى نصفها وتربع ممسكا بقلم الكوبيا الاثير ليكتب قصيدته التي ذاعت وقتها في الآفاق وقد وجهها الى شعراء عصره محدودي الموهبة, والى ملحني ومطربي عصره الذين كان بعضهم ـ نقول بعضهم ــ يسوق الهبالة على الشيطنة ملتمسا الرزق من اسهل طريق. يقول العم بيرم في مطلع القصيدة. يا اهل المغنى, دماغنا وجعنا, دقيقة سكوت لله واحنا شبعنا, كلام ماله معنى, ياليل وياعين ويا آه ثم يمضي الشاعر الشعبي الكبير منددا بمن حصروا اغراض الشعر والغناء في البكاء والنواح وفي الشوق والحنين وفي الدموع والشقاء... الى ان يقول عند ختام القصيدة: حافضين عشرة اتناشر كلمة, نقل من الجورنال شوق وحنين وامل واماني وصد وتيه ودلال واللي اتعاد ينزاد يا اخوانا, وليل ونهار هوّاه يا اهل المغنى دماغنا وجعنا: دقيقة سكوت لله. كتب بيرم التونسي هذه الكلمات في اواخر الثلاثينات وربما في اوائل الاربعينات الا يحمل ديوان بيرم اي تاريخ للقصائد الجميلة التي يضمها. وربما كان القوم ايامها لا يحفلون بقواعد علم البليوجرافيا وتصنيف المكتبات, كانت ايامهم رخية ومعيشتهم بسيطة وكانوا يعيشون ويكتبون ويبدعون بعفوية شديدة وحسب التساهيل ومن عجب ان يكتب بيرم هذه الكلمات في مرحلة شهدت اجمل ما سمعته الاذن العربية المعاصرة هي تلك التي قد تؤرخ لبدايتها روائع من قبيل (يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الاحلام من ذكراك) او من قبيل: يا شراعا وراء دجلة يجري في دموعي تجنبتك الاعادي سر على الماء كالمسيح رويدا وامش في اليم كالشعاع الهادي وقد نؤرخ لوسطها باغنية تانجو (سهرت منه الليالي, مال للغرام ومالي) . او اغنية (جفنه علم الغزل) , الى ان بلغت اوجها بشوامخ من قبيل الجندول: اين من عيني هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال او الكرنك: حين القى الليل للنور وشاحا وشكا الطل الى الروض جراحا... يا ترى هل سمع الفجر نواحه بين انغام نسيم عاطر. هذا هو ويا للغرابة والاسى ــ العصر الذي زعل منه بيرم التونسي ودفعه الى هجاء اهل المغنى لان دماغنا ــ من غنائهم وجعنا ثم رجاهم ان يمنحوا مستمعيهم دقيقة سكوت لله... ولا يخفى عليك اننا اقتصرنا فيما سردناه على مسامعك على اغان وقصائد لمحمد عبد الوهاب فقط بصوته البلاتيني وثقافته المكتسبة العميقة وحسه المرهف وموهبته الموسيقية شديدة السخاء... واذا كانت الاعمال الوهابية التي عرضنا لها وحاولنا ان نقطف اليك بعض ثمارها ولو على مستوى افتتاحية الاغاني او (المذهب) كما يقول اصدقاؤنا من اهل الكار الموسيقى الا تقول اذا كانت هذه الاعمال قد تألقت على اديمها مواهب احمد شوقي امير البيان المعاصر ومن بعده الشاعر اللبناني الكبير الاخطل الصغير ثم علي محمود طه, مهندس مصلحة التنظيم وهي البلدية الموقرة في زماننا صاحب ديوان (الملامح التائهة) والشهاب اللامع في مدرسة (ابولو) التي زفت الى الوجدان العربي منذ الثلاثينات قبسات اجمل الشعر الرومانسي وباقات من ارق القصائد التي مست شغاف القلوب بكل ما افعمت به من موسيقى الحرف وشجن الشعور وابتكار الاغراض. ابو القاسم الشابي في تونس وابراهيم ناجي في مصر من اعلام تلك المدرسة وربما يضاف اليهما اعلام مهجريون على رأسهم الياس ابوشبكة وايليا ابوماضي. وقد نضيف اليهم من مصر ايضا شاعر (الكرنك) احمد فتحي وهو موهبة لم تلق حظها من الحفاوة والتكريم, ربما لأن زمانهم كان حافلا بل مترعا او يكاد يكون, بالمواهب والنوابغ في كل مجال وربما لأن (احمد فتحي) ذاته سلك في حياته سيرة اشبه ما تكون بشاعر الرومانسية الرائد في ادب الانجليز (صامويل تايلور كولردج) وهو صنو شاعرهم الاكبر في منتصف القرن الماضي ـ ويليام وردز ورث. وبقدر ما كان ويليام هذا رومانسيا يتغنى بالطبيعة والمواسم ودورات الفصول وعلاقة الانسان بجمال الخلق البديع, وبقدر ما كان مواطنا انجليزيا في غاية الشطارة ينصاع لمقتضيات واعراف العصر الفكتوري عند بداياته وقد كان عصرا شديد المحافظة والصرامة بسلوكيات تقوم على الجمود والصرامة والاخفاء والنفاق في بعض الاحيان, الا ان (كولردج) كان على النقيض من هذا كله. كان رومانسيا لا يرفض قيود مجتمعه وربما يتمرد عليها ويكاد يبني لنفسه عالما في غاية الخصوصية من الاخيلة والطيوف والاساطير والاوهام يحلق فيه ويهيم وسط اجوائه ويؤدي به هذا التخيل الى كتابة اعمال شعرية لها مذاقها الفريد وايقاعها الخاص في ادب الانجليز مثل (الملاح القديم) او (ملك الاساطير عند الصينيين قبلاي خان) لا عجب ان امتد العمر بصاحبنا وردزورث فنيف على الثمانين واصبح شاعر القصر الملكي بمرسوم ومعاش محترم مدى الحياة بينما كانت حياة كولردج تمضي وعرة وتعيسة وسط الكيوف والاحباط عاش 54 سنة ومات وقد تقطعت نفسه حسرات ولهذا نكاد نقرن احمد فتحي شاعر الكرنك بصامويل كولردج... كيف لا... والناس تكاد تنسى شاعرنا العربي وتمر باسمه اذا سمعته مرور كرام... وهو الذي خلف الى جانب ديوانه باقة من الاعمال الشعرية التي وصلت لحسن الحسن الى اسماعنا موقعة بفضل انغام السنباطي العظيم على حنجرة ام كلثوم السامقة بل على حنجرة رياض السنباطي نفسه وقد كان الملحن الكبير يتمتع بصوت رخيم وحنجرة موهوبة فضلا عن علم واسع باسرار الالحان ودربة نادرة في ولوج السكك المقامية بما يعد فتحا في تاريخ موسيقى العرب في هذا القرن العشرين. ها انت تعرف مثلا رائعة الكرنك التي انشدها عبد الوهاب في عام 1942 وهي من تأليف الشاعر احمد فتحي. لكن خذ عندك من ابداعات احمد فتحي ايضا: انا لن اعود اليك مهما استرحمت دقات قلبي انت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي فاذا دعوت اليوم قلبي للتصافي لا... لن يلبي. وقد اختارت لها كوكب الشرق عنوان (قصة الامس) وكانت رحمها الله خبيرة بفنون الكلمة وكانت ايضا تستعين برفيق دربها الشاعر احمد رامي اذا ما راق لها ان تبدل الفاظا قد تصلح للشعر المكتوب في ديوان ولكنها لا تصلح للغناء الملفوظ الملحن والمذاع على الملايين من عشاق الفن الرفيع في امة العرب. اما لحن (قصة الامس) فقد اختار له ابو احمد ــ رياض السنباطي مقام النهاوند وهو نغمة بالغة الاناقة وتجمع بين الرصانة والرقة وان كان لا ينقصها ما تتسم به كل المقامات الموسيقية الشرقية من شجن وحدب وحنان. و(احمد فتحي) ايضا هو صاحب اجمل اغنية انشدها رياض السنباطي بصوته عام 1944 وعنوانها الذي اشتهر به هو (فجر) وان كان المتذوقون يشفعون بمطلعها الذي قال فيه الشاعر احمد فتحي: كل شيء راقص البهجة حولي ها هنا ايها الساقي بما شئت اسقنا ثم اسقنا وبالمناسبة, فاذاعة القاهرة تمتلك لهذه الاغنية تسجيلا فريدا ونفيساً اذ يسبق المقدمة الموسيقية قراءة شعرية لابيات القصيدة بصوت استاذنا الاذاعي الراحل محمد فتحي (ولا قرابة بينه وبين الشاعر احمد فتحي) وكان الاستاذ محمد فتحي يحمل في زمانه لقب كروان الاذاعة اذا كان صوته رقيقا بكاء يقطر رومانسية بقدر ما كان متمكنا من اداء ايقاعات العربية التي تتحول على لسانه الى موسيقى من نوع خاص. أرأيت اذن كم كان العم بيرم التونسي محظوظا في عصر شهد اكثر من قصيدة فريدة في فن الفريض واكثر من رائعة ملحنة في فن النغم الجميل؟ وبدلا من ان يحمد ربه ويشكر فضله, اذا به ــ بيرم التونسي ــ يحتسي فناجين قهوته شديدة المرارة ويكتب منددا بالمساكين (أهل المغنى) ترى لو كان بيرم حيا بيننا, فماذا عساه يكتب عن اهل مغنانا المعاصرين؟ هؤلاء الذين يجمعون فيما ينتجون أو فيما يرتكبون بين رطانة المستشرقين وسوقية تجار المواشي وما اجدرهم بهجائية بيرم التونسي عليه رحمة الله.

تعليقات

تعليقات