يرفضون عمليات التدجين ويعشقون حياة الترحال: الغجر ابناء الريح والشمس والعذاب

خلال الحرب العالمية الثانية قتل هتلر مليون غجري في مجازر فاقت ماتدعيه الصهيونية في المحرقة. لايعرف احد على وجه التحديد: كم عدد الغجر في العالم ؟, وليست هناك دراسات مؤكدة حول اصولهم التاريخية ولا اسباب رحيلهم الدائم من بلد الى بلد, وماهو مكتوب حول هذا التاريخ مجرد تخمينات او حقائق جزئية, حتى القبائل الغجرية نفسها التي تحاول تفسير الرحيل الدائم والمستمر الذي تحمله على ظهرها, وتبريرها لعذابها فيه تتناقض كل واحدة مع الاخرى, بل تتناقض التفسيرات في كثير من الاحيان في القبيلة الواحدة؟ بل ماهو معروف او منتشر بين تلك القبائل التي لوحت وجوهها الشمس, انها تنتمي الى منطقة تقع شمال الهند, او جنوب الباكستان الحالية, لكن تلك القبائل لسبب او آخر تفرقت وانتشرت في العالم كله, لكنها توطنت منطقة تمتد بداية من دول الاتحاد السوفييتي السابق الى دول اوروبا الشرقية والغربية, وفي منطقة الشرق الاوسط, ومصر وشمال افريقيا, لكن الاغلبية تقطن اسبانيا والمجر, ووصل بعضهم وان كانوا قلة, الى استراليا ونيوزيلانده ودول امريكا اللاتينية, وقتل منهم هتلر اكثر مما يقرب من المليون خلال الحرب العالمية الثانية, بل ان بعض المؤرخين يؤكد ان ضحايا الغجر في تلك المحرقة, وما تعرضوا له من عذاب على يد النازي يفوق كثيرا ما تدعيه الصهيونية عن ضحايا اليهود في المحرقة. الغجر شعب مكتوب على جبينه الرحيل والحزن الابدي, مكتوب على جبينه ان يعيش طريدا بلا وطن واحد ينتمي اليه او يأويه, بل ان الغجري نفسه يعي ذلك ويرفض ان يكون له مثل ذلك الوطن, وكأنه يخاف تصنيفه تحت اي جنسية محددة, او تكون له هوية تحيط به, وتبدو على جبينه علامة مسجلة, انه ابن الريح والشمس كما تقول الاغاني التي يرددها ليل نهار, وابن الريح, او ابن الشمس يرحل تماما كأمة الشمس التي لا مستقر لها, ما تطلع على العالم حتى تبحث عن مكانة في اقصى الارض ثم تعود الى رحلتها الابدية التي لا تنتهي. حياتهم اسطورة مبنية على اساطير, وكأنهم بترويجهم تلك الاسطورة يحاولون التمويه على تاريخ آخر يخافونه, او يخافون عليه دون ابداء الاسباب, يقول الغجر والعهدة على رواة التاريخ الشفوي الغجري, انهم تفرقوا منذ القرن العاشر الميلادي في طريق لا يؤدي الى اي مكان, ولا ينتهي في اي مكان, ويفسرون هذه الاسطورة في تاريخهم الغريب باساطير لا تقل غرابة, يؤكد بعضهم انهم ابناء (قابيل) الذين كتب عليهم الله ان يصنعوا الحديد ويتخذونه مهنة انتقاما منهم, لان اباهم كان اول قاتل في التاريخ, وعليهم ان يحملوا دم ضحيتهم البريئة (هابيل) على رؤوسهم, وان يرحلوا في العالم متفرقين بلا هدف يصلون اليه, ولا ارض يعودون اليها, ولا رحلة محددة تنتهي الى مكان محدد, الحياة بالنسبة لهم رحلة دائمة الى المجهول. بعضهم الآخر يقول ان صناعة (الحدادة) اي طرق الحديد وتصنيعه التصقت باجدادهم, عقابا لهم لانهم صنعوا (المسامير) التي صلب بها اليهود سيدنا المسيح عليه السلام, وانهم قرروا ان تكون مهنة الحدادة مهنتهم الابدية يكتوون بنارها ليكفروا عن الاذى الذي الحقوه بالبشرية في شخص السيد المسيح. ولان حياتهم عذاب مقيم ودائم, اخترعوا اشكالا من الحياة يرفهون بها عن انفسهم بكل الطرق التي يمكن اعتبارها مسرية عن النفس, اذا كان نهارهم العمل ما بين نوبات من الغناء فان ليلهم رقص وموسيقى وشراب, ما بين هذا وذلك يستمتعون احيانا, لكن المؤكد انهم يمتعون اكثر الشعوب التي نبذتهم, وتمارس ضدهم الوانا من العنصرية لم يتعرض لها مثلهم غير زنوج الولايات المتحدة, الذين جلبهم البيض عبيدا للعمل في مزارع القطن والقصب, ثم تحولوا مع مرور الوقت الى ما يشبه حياة الغجر في اوروبا, ادوات لامتاع العالم الجديد الذي عذبهم والعالم القديم الذي اقتلعهم من جذورهم والقى بهم الى المجهول. كانت حياة الغجر الغريبة مثيرة للعديد من دارسي الاثنولوجيا والانثروبولوجيا, ومثيرة ايضا للباحثين عن مادة دسمة تلفها الاساطير, لذلك كانت حياتهم محورا للعديد من الكتب رغم قلتها بالنسبة لدسامة المادة التي تحاول فك (الطلاسم) التي تحيط بحياتهم في محاولة لفهمها, او على الاقل للتعامل معها بشكل يمكن ان يؤدي الى فهم تلك الحياة, لكن الغجر انفسهم يؤكدون ان كل الكتب التي اتخذت من حياتهم مادة لها لم تستطع ان تقدم تفسيرا حقيقيا لما عاشوه ويعيشونه من قصص مأساوية يرويها التاريخ في لحظات معينة, ويخفيها في لحظات اخرى. اشهر الغجر يعيشون في اسبانيا, واقامتهم فيها كانت دائما محل نزاع مع السلطات التي استقبلتهم قرب نهايات العهد العربي في الاندلس, وكانوا الفئة الاكثر تعرضا لعذاب محاكم التفتيش التي اقامها الملوك الكاثوليك بعد الموريسكيين ورغم كل ما تعرضروا له من اضطهاد وعذاب انزلته بهم محاكم التفتيش, الا انهم ظلوا يمتعون الشعب الاسباني برقصهم وغنائهم ورغم قرارات الطرد التي لاحقتهم في العديد من العهود, الا انه اصبحوا احدى العلامات المميزة للشعب الاسباني. الفلامنكو من رقص وغناء ومصارعة الثيران يشكلان العلامة المسجلة لكل ماهو اسباني, بل تركز عليه الدعايات السياحية الاسبانية, وكأن الغجر هم اصحاب البلاد, لكن الحقيقة المرة انهم ضحايا كل العصور في تلك البلاد التي تحاول ان تقدمهم كعلامة مسجلة لمنتجاتها الوطنية. لكن الغريب ان قبائل الغجر التي تتنقل بين ربوع اسبانيا مسؤولة بشكل مباشر عن الحياة القاسية التي تعيشها, فهم يرفضون ان يكون لهم (وطن) , يحملون الجنسية الغجرية في قلوبهم ومطبوعة على جباههم, وحين تحاول السلطات دمجهم في المجتمع يرفضون وبشدة, بل يقاومون عمليات (التدجين) التي تحاول الحكومات المختلفة في اسبانيا ان توفر لهم حياة مدنية عادية. يرفض الغجري ان يسكن البيوت ذات الاسقف العالية, او الحوائط الاسمنتية, ويعلن دائما فلسفته لهذا الرفض, يقول الغجر انهم يرفضون (سجون الاسمنت) التي تحاول الحكومة ان تضعهم بين جدرانها, وعندما اجبرتهم الحكومة الاشتراكية في بدايات العهد الديمقراطي الحديث على الانتقال من العشش التي اقاموها حول العاصمة مدريد الى بيوت مبنية على احدث طراز وتحوي على كل ما تتطلبه الحياة الحديثة, قاموا بتفكيك مواسير المياه والمراحيض وباعوها في سوق (الراسترو) لغيرهم من الاسبان, ومع تكرار الاجبار على ارسال ابنائهم الى المدارس الالزامية رفض الغجر هذا الالزام, واعتبروه منافيا للحرية الشخصية التي يكفلها لهم دستور البلاد. مع ذلك تظل صرخة الغجري في اسبانيا دائما انهم يتعرضون لممارسات عنصرية من جانب الاسبان, ويؤكدون انهم لا يحظون باحترام احد الا اذا كان الغجري بارزا في اي من انواع الفنون التي يجيدها دائما. الغناء والرقص او مصارعة الثيران, لكن الغجري ينسى انه هو نفسه ايضا عنصري في علاقاته مع الغير, يمارس العنصرية مع غيره من القبائل الغجرية المختلفة, وكثيرا ما يبدو عنيفا في عنصريته عندما يتعلق الامر باختلاط الانساب بين نساء القبيلة ورجال قبيلة اخرى, وعلى استعداد للموت واسالة الدماء دفاعا عن شرف المرأة التي تنتسب الى قبيلته ما لم تكن قد قدمت نفسها طوعا, ويرفض حتى العلاقة الرسمية لامرأة من قبيلته مع غجري اخر ينتمي الى قبيلة اخرى. بل يرفض الارتباط في علاقة رسمية مع المجتمع المحيط به, ذلك المجتمع الذي يؤكد انه يتعرض لاضطهاده وعنصريته ويفسر الغجر رفض الاندماج مع المجتمع المحيط به كنوع من الدفاع عن النفس, لذلك يؤكد ان المهن التي يمارسها اكثر الغجر العاديين من (سرقة وتجارة مخدرات) ليست الا نوعا من الانتقام من ذلك المجتمع الذي يرفضه. انها علاقة معقدة لكن يظل للغجري تفرده الذي يحافظ عليه رغم محن الرحيل الدائم, وربما كان تفسيره لعنصريته في تعامله مع الغير او عنصرية الغير معه سببها خوفه من الاندماج وفقدانه هذا هويته الفريدة. بقلم د. طلعت شاهين

تعليقات

تعليقات