استراحة البيان: الأحلام وحدها لا تكفي: يكتبها اليوم - ظاعن شاهين

ما الذي يفعله المرء حين يرسم حلما جميلا, يدلله كالطفل ويتواصل معه كالحبيبة ويحترمه كالشيخ الهرم, يأخذ من ملامحه خطوطا وعمرا وتفاصيلا ويهديها له طواعية.. يبرد عنه صيفا ويخبئه تحت عباءته شتاء وعندما يغمض عينيه في غفلة من الزمن يجده ممزقا ومحطما, ويجد ان ذاك الحلم الجميل قد أصبح مخلوقا عجيبا لا ملامح له, لا عينان, لا دفء ولا حراك . يبدو ان هذا الدخول الممزوج بالاسئلة وعلامات الاستفهام مطلوب في زمن يبحث عن الاسئلة الغائبة, ويبدو ان اجزاء الواقع المتلاصق الذي نعيشه الآن ما هي الا احلام سابقة تحققت بفضل المحاولات المتلاحقة والجهود الحثيثة التي قام بها الانسان في مختلف الحضارات السابقة واللاحقة, ولكن السؤال يظل مستمرا, تلك الاحلام الجميلة والمثيرة من يملكها؟ ومن هو صاحبها؟ بشكل آخر وبصورة مختلفة يطلّ السؤال برأسه فنقول من هو صاحب الحقوق الفكرية والادبية في فكرة الطائرة مثلا او القطار او النظارة الطبية؟ طبعا لن أردد أسماء عباس بن فرناس او ليوناردو دافينشي او ابن الهيثم وغيرهم, لكن الطائرة والقطار والنظارة الطبية والسيارة ومكيف الهواء والمدفع والتلفاز والهاتف وغيرها من المخترعات, جميعها احلام جميلة وأفكار مثيرة راودت اغلب البشر ومازالت هناك احلام وافكار كثيرة تراودنا لكنها لم تتحقق فهل نسجل حقوقا فكرية وأدبية لتلك الافكار في جهة ما قبل ان تتحقق؟! تبدو قضية الحقوق الادبية والملكية الفكرية جديدة على رقعة العالم الثالث لكنها قديمة بالنسبة للعالم المتقدم صناعيا, والاحلام الجميلة التي نتكلم عنها ونقول انها حق مشاع للجميع لاتدخل في جدلية هذه المسألة لان الاحلام وحدها لا تكفي, فالحق الادبي لفكرة ما يجب ان يكون مقترنا بالفعل, فإذا قام شخص ما وقال بأنه اخترع سيارة واراد تسجيل حقوقا فكرية لذاك الاختراع فحتما سيجابه بالرفض لان السيارة اصبحت واقعا منذ زمن بعيد ومثلها الطائرة والقطار وغيرهما من الاختراعات الانسانية القائمة, لكن الحقوق الفكرية وملكيتها تأتي في التكوين الجديد او في الاضافة الجديدة. عموما يظل النزاع قائما بين أصحاب الافكار ان كان هنا او في العالم المتحضر صناعيا رغم وجود القوانين والقيم والاخلاق, وكم من الحالات او القضايا التي شهدها العالم العربي ظلت ضائعة حتى يومنا هذا خاصة في المجالين الفني او الادبي, والمتتبع لقضايا الساحة الفنية يرى الكثير من الحقوق المهدورة سواء كان ذلك في كلمات الاغاني او الالحان او قصص المسلسلات والافلام, وقد شهدت احدى السنوات عرض فيلمين سينمائيين بنفس القصة والحبكة ولكن باختلاف ابطال الفيلم والمخرجين ما يعني ان هناك حقوقا مهدورة من هو صاحبها... لاندري! ورغم ان البعض يشير الى ان الافكار كالحجارة مرماة على قارعة الطريق الا ان ذلك لا يعني ان نقوم بسرقة افكار الغير واظهارها للناس على انها من افكارنا, فالحقوق يجب ان تصان ويأخذ كل ذي حق حقه حتى ولو كان ذلك معنويا. وقد تنبه العرب منذ مئات السنين لتلك الظاهرة خاصة في مجال الشعر فقننوها وبينوا طرقها وما السبيل الى اخفائها فأشاروا الى ان متنازعي المعاني والافكار قد يتفاضلون بحسب مراتبهم ودرجاتهم من العلم بصنعة الشعر, فتشترك الجماعة في الشيء المتداول وينفرد احدهم بلفظة تستعذب او ترتيب يستحسن او تأكيد يوضع موضعه او زيادة اهتدى لها دون غيره فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع. وقد ذكر النقاد افانين السرقة ومنها اختصار المعاني مع تأكيدها باضافة ما يؤكدها كقول النابغة: أبى غفلتي أنّـى اذا ما ذكرته/تقطع حزنٌ في حشى الجوف دَاخِلُ/وأنّ تلادي ان نظرت وشِكّتيّ/ومهري وما ضمّـت إليّ الأنامل/ُ حباؤك والعيس العتاق كأنها/هجان المها تردى عليها الرحائل/ُ فقد اختصر ابو دهبل الجمحي كل هذا الكلام في بيت واحد: وكيف انساكَ لا أيديكَ واحدةٌ/عندي ولا بالذّي أوليت من قِـدَممِ وهذا ابو تمام يقول: أثافٍ كا لخدود لطمن حزنا/ونؤيٌ مثلما انفصم السّوار/وقد اخذه من بيت شعر لمرار الفقعسي الذي قال فيه: أثر الوقور على جوانبها/بخدودهن كأنه لطم/ ويبلغ فن السرقة مداه عندما يلجأ الشاعر الى طمس كل آثار تدل على الاصل الذي اخذ منه المعنى فيعدل به عن نوعه وصنفه ووزنه ونظمه وقافيته, فاذا ما مر الغافل بالاصلي والمسروق وجدهما مختلفين واذا تأملهما الفطن عرف الصلة التي تجمع بينهما ومن ذلك ما اخذه ابو نواس من كثير حيث قال: ملك تصوّر في القلوب مثاله/فكأنه لم يخل منه مكان/ بينما يقول كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنّـما تمثل لي ليلى بكلّ سبيل هكذا نجد ان مقولة الجاحظ التي ذكرناها سابقا (المعاني مطروحة في الطريق) انما تمثل جانبا مهما من تشغيل دائرة الفكر التي لو استغلها بعضنا بشكل جيد لتغيرت اشياء كثيرة وتبدلت احوال بدلا من إلتقاط افكار الغير وعرضها على انها من افكارنا الخاصة.

تعليقات

تعليقات