في معرض الفنان فاروق حسني: تجريد بحت وعفوية ترفض الواقع والمألوف

من يستعرض اعمال الفنان التشكيلي فاروق حسني التي يستضيفها متحف الشارقة للفنون محاولا فهمها والخروج بقناعات واختصارات ترضي غرور المعرفة والفضول لابد ان يكون متمتعا بذاكرة حية وعلاقة روحية مع مفردات اللون وتجليات الطبيعة بأبعادها الزمنية والحسية أو ما بعد الطبيعة حين تخرج متحررة من تقليديتها مفتوحة على ما تمتلكه المخيلة من جنون وجنوح عند تفريغ العاطفة والنفس مما أثقلها لحظة التفرد والتوحد مع الذات. ولذلك قلما تعطي أعمال هذا الفنان للمتلقى فكرة محددة, وقد ينفر منها لأن ما يراه من تجريد لا علاقة له بأي شكل من الاشكال بالمعاني الأدبية وبالرموز التي اعتدنا ان تتموضع في جسد اللوحة لتعطينا دلالات ومفاتيح لأبواب اللوحة المستعصية وفي الوقت نفسه تظل أعمال فاروق حسني بعيدة عن مفاهيم التغريب وما قالته احدى المقولات الصينية عن الفن التشكيلي المعاصر (بأن الفنان رسم في اللوحة بابا دخل منه ولم يخرج أبدا) . لاشك ان اعمال فاروق حسني تتمتع بخصوصيات متعددة تتفرد بتصوراتها وتجسيدها للواقع وترفض الاستكانة لمفردات ومفاهيم محددة فهي تمثل في الكثير من مواقعها حالة ذوبانية لمفردات الذاكرة والموروثات الجماعية وتنتفي حالة الفنان المخطط والذي يدخل مرسمة بعد اصرار داخلي على تجسيد فكرة محددة لتعبر أعماله عن جملة من الاحاسيس المتدفقة والعفوية فأشكاله وتواترات الخطوط والبقع اللونية, السطوح التي تخرتقها الكتل واللمسات اللا انسجامية, اهتزازات الالوان وايقاعاتها تدل على ان علاقة هذا الفنان مع لوحته علاقة احساسية بحتة تتشابه مع تجليات الموسيقي او الممثل الذي يخرج عن النص متفاعلا وغارقا في خصوصية اللحظة الراهنة لتكون النشوة حالة حتمية عند فروغ الشحنة الداخلية. ولعل هذه الحالة في التعامل مع العمل الفني تمنح أعماله مصداقية واضحة, وامتدادات زمنية وحسية نظيفة مفعمة بما تمليه الروح على الجسد وانطلاقة اليد الخبيرة خارج مطبات الاسترخاء الذهني وتقطعات اللحظة الابداعية, وقد تكون أعمال فاروق حسني من النوع الذي لا يحتمل اية اضافات جديدة فاما ان تكون اللوحة مكتملة وناضجة ولحظة تفاعل الشعور وتدفقه على جسد اللوحة او تموت اللوحة وتفشل تماما لان عنصر المفاجآت من أساسيات تجربته الفنية والفطرة المسخرة ذهنيا وثقافيا تفرض ذاتها على العمل لتقدم لنا ميزة اضافية من مميزات الأعمال التجريدية التي يقدمها هذا الفنان. إن الوقوف التأملي أمام أعمال فاروق حسني مع بعض الاستعادات لأعماله السابقة التي حمل فيها خصوصية البيئة التي عاشت فيها (الاسكندرية) زمن الطفولة والشباب الاول يجعلنا ندرك أن ما يقدمه الآن هي حالة استمرارية وتكاملية خلال سنوات التجربة والمماحكة الفنية حيث البحر الازرق يحفر بقوة في جسد اللوحة وذاكرة الفنان الضوء والرمل الابعاد الممتدة نحو اللانهاية. جميعها عناصر قدمها فاروق حسني سابقا إلا أنه الآن وبعد تراكمات ثقافية بصرية كونها السفر الدائم والمستمر ومعايشة الفنان لتجارب لا حصر لها جعلته يؤمن بعالمية اللوحة وأبعادها الحرة والمفتوحة على حضارات الارض وثقافاتها دون أن يغيب موروثه الخاص وتكويناته البيئية. ومن خلال انفتاحه المطلق على العالم تكونت لوحته المفتونة بعوالمها ومستوياتها المتعددة والتي لا تعالج قضية محددة بل تأخذ الطابع اللاشكلي والذي يحمل في طياته إيقاعاته الخاصة وبينونته المميزة التي تستفز الخيال لخلق حالة من الغموض والإبهام المسكون بجاذبية داخلية فيها من الروحانية والارتجالية ما يكفي لتخلق لدى المتلقي الواعي اشكالية ذهنية ومرجعية حقيقية. ولذلك قد نتفق مع بعض الكتابات التي أشارت الى وجود عدوانية مبهمة تستفز الآخر وتنسف لديه جملة من المسلمات التي إما أن يدافع عنها أو يسترخي لتواترات الالوان وخصوصية الكتل الحيوية والجامدة بالوقت ذاته. ولأن أعمال فاروق حسني تتفاعل من المكنونات الذاتية والنفسية نتملس حالة المكاشفة والبوحية التي يحتويها العديد من الأعمال باستخدام اللغة والابجديات المندثرة وهذه الحالة تدلل على أن جذور هذا الفنان ضارية بمعطيات شرقيته, غرسها بعيدا في حضارات منحت البشرية مفاتيح المستقبل ليرتفع بقامته مستقبلا رياح الحضارات الاخرى ومنسجما مع ما يجري من تطورات وتغيرات مستمرة على الساحة التشكيلية العالمية. وعموما تظل أعمال هذا الفنان من النوع الذي يحرض على الكتابة ولأن تجربته لا يمكن التقاطتها وقولبتها قد تصبح الكتابة حولها مفتوحة ارتجالية وهزيانية مكنونة بالتدفق ذاته الذي يسكن عمق أعماله. إن اعمال فاروق حسني تجريد كامل ومتكامل المعطيات, إيقاعي الطابع, فلسفي المعني, يحاكي العقل وينساق بعيدا مع العاطفة لينسج خيالات تستجيب لمفردات ومقومات البيئة والذاكرة الخاصة والعامة. متمسكا بأزمنة الطفولة البعيدة. ومن المعروف أن فاروق حسني تولى وزارة الثقافة المصرية منذ عام 1987. كتب - حازم سليمان

تعليقات

تعليقات