حديث الذكريات : الوالد محمد عبدالله بوحاجي: تعلمت صناعة المراكب وحفظت القرآن الكريم في جوف سفينة خشبية

في كل الروايات التاريخية كانت السفن الخشبية موجودة في المحيطات والبحار ... وتتحرك بنشاط في كل اتجاه محملة بالبضائع والمسافرين, فقبل مئات السنين كانت منطقة الخليج تستخدم السفن الخشبية وتجيد صناعتها. وبالرغم من التغيرات المتسارعة التي شهدتها حركة النقل البحري وادت الى ظهور وسائط نقل حديثة قلصت كثيرا من دور المراكب الخشبية الا ان الاخيرة لا تزال موجودة وتنبض بالحياة وتتحرك بقوة في كل اتجاه تصارع الامواج وتبلغ الشواطىء. والاصرار على استمرارية السفن الخشبية تؤكده ورش التصنيع التي ترقد على امتداد الشواطىء تعمل بنشاط لتصنع الجديد وترمم القديم. مظاهر الثراء الوالد محمد عبدالله بوحاجي قضى جل عمره الذي يناهز الـ 70 عاما ملازما وباستمرار المراكب الخشبية اما مسافرا عليها او صانعا لها وما كان له ان يفعل شيئا غير ذلك فهو احد افراد اسرة عرف عنها توارثها لحرفة المراكب الخشبية التي كان ينظر اليها في ماضي السنين كمظهر من مظاهر الثراء ويسر الحال. يقول الواد بوحاجي وهو يتحدث عن الماضي: عندما ولدت وبدأت اخطو على الارض وجدت اسم جدي محمد بوحاجي يملأ البر والبحر شهرة والسبب هو انه كان صاحب ورشة ضخمة لتصنيع السفن الخشبية التي كانت الوسيلة المهمة الوحيدة للنقل البحري وقتذاك ولذلك كان من يملكها كمن ملك خيرات الدنيا. ويمضي قائلا: لقد ورث والدي عبد الله عن ابيه المهنة بكل ما تحوي من جهد وعناء فكان في مستهل نشاطه صاحب سفينة خشبية ضخمة تجوب البحار والمحيطات طولا وعرضا وهي معبأة بعشرات الاطنان من البضائع وعلى ظهرها تتحرك مجموعة من الرجال الاشداء لاداء مهام بحرية مختلفة. بالرغم من انشغال الاباء بالبحر الا انهم لم يقصروا في واجباتهم على البر ومنها واجباتهم الاسرية اذ كانوا يحرصون على العودة بين الفنية والاخرى لتفقد احوال العيال وحتى عندما يخرجون في رحلات تجارية بحرية تبقى افكارهم مشدودة الى اسرهم. ولعل اكثر ما كان يشغل الاباء وقتذاك هو مستقبل الابناء فما ان يبلغ الولد اشده يجد يد والده تمتد اليه لتصعد به الى السفينة. يقول الوالد محمد بوحاجي: حينما بلغت الـ 15 عاما من العمر وجدت نفسي اصعد على سلم خشبي خلف والدي الى ظهر السفينة مبتدئا بذلك حياتي العملية في البحر ... كانت التجربة مرعبة في بدايتها بالنسبة لي . فالامواج العاتية - وتمايل السفينة اثارتا الاشمئزاز في نفسي وافرغتا كل مافي بطني من اكل وشرب ... لكن بعد اسبوع كانت الامور تبدو طبيعية حيث تبددت كل المخاوف وصرت اتحرك في جوف السفينة بكل هدوء. وحينما احس والدي بعودة الثقة الى نفسي طلب مني ان اجلس الى احد حفظة القرآن الكريم كان يعمل (سكاني) للسفينة لأحفظ عنه القرآن. وفي اوقات الفراغ كان والدي يتولى بنفسه تدريبي على المهام البحرية الضرورية مثل معرفة استعمال جهاز (الديرة) الذي يستعمل لمعرفة الاتجاهات وطرق استعمال (السكان) وفك وربط الشراع باستخدام بكرة (يارديله) . واستعمال الساعة الرملية في حسابات البحر وطبخ الطعام في (السريدان) . ويستطرد: لقد كان لوجودي على ظهر السفينة متفرغا لحفظ القرآن دور في انجاز ذلك خلال فترة وجيزة جدا فكان من شأن ذلك ان ادخل السرور على والدي الذي رأى تقديرا بما حققت في مجال حفظ القرآن ان يعلمني صناعة السفن فعهد بي الى احد طاقم السفينة - ليتولى القيام بتلك المهمة ... ففي مكان غائر من جوف السفينة كنت اجلس مع الاستاذ وهو يشرح لي كيف تبنى السفينة اعتمادا على جهاز صغير يعرف باسم (المجدع) والادوات الاخرى المستخدمة في عملية التصنيع مثل (الرندة) التي تفيد في تسوية الخشب والقدوم والمنقر والمنشار والمقشر والمخرز الذي يثقب الخشب والقفية لسحب الحبال واليامعة الحاملة للشراع والانير وهو كتلة حديدية تساعد على توقف السفينة. السفر وحيدا وبعد ان اطمأن الاستاذ لمعرفتي بابجديات المهنة اوكل الي مهاما محدودة من قبيل اصلاح الاعطال في جسم السفينة واجراء تغيير للمسامير المهترئة بالصدأ. لاول مرة ويتذكر الوالد محمد بوحاجي كيف سافر لاول مرة بمفرده على سفينة والده كمشرف على الرحلة يقول: كان ذلك في وقت لم يتجاوز فيه عمري العشرين عاما, وهي مهمة قصد بها والدي في بادىء الامر الوقوف على قدراتي في الاسفار البحرية خاصة بعد عمليات التأهيل التي اكتسبتها على ظهر الباخرة. كانت الرحلة الاولى التي قمت بها الى البصرة في العراق لغرض ترحيل حمولة من التمر لمصلحة تاجر كويتي اسمه محمد الثنيان وقد سافرنا بها الى الهند. وفي رحلة العودة جئت من هناك حاملا على ظهر السفينة كمية من الحطب افرغتها في الكويت. يقول الوالد محمد بوحاجي من خلال الاسفار وانا ربان السفينة اكتسبت خبرات واسعة وازددت تمرسا في التعامل مع البحر وعمليات البيع والشراء التي كانت تتم بواسطة الروبية الهندية, ففي كثير من الاحايين كان التجار يعهدون اليّ بان اقوم نيابة عنهم بكل عملياتهم من البيع والشراء. ويضيف رغم المشاق المترتبة عن الاسفار على السفن الخشبية الا انني كنت عاشقا بولع لها بدليل انني نظمت ثلاث رحلات في عام واحد وهذا بحد ذاته يعتبر رقما قياسيا في اسفار المراكب الخشبية. ويتوقف الوالد محمد بوحاجي فجأة عن الحديث ليروي ذكرى حادث مأساوي كان نموذجا لاخطار البحر يقول: حينما كنا نمخر عباب البحر على مقربة من عمان هبت عاصفة هوائية هوجاء اقتلعت البحار حسين مير عن السفينة ورمت به في البحر, فعلى الفور نزلت مجموعة من الرجال بينهم خالي (علي) الى كيت صغير تحركوا به في كل اتجاه بحثا عن الرجل المفقود لكن ازدياد العاصفة اجبرهم على العودة دون ان يعثروا عليه. تطور المراكب ويتذكر الوالد محمد عبدالله بوحاجي التطور الذي شهدته السفن الخشبية حيث انه من بعد الشراع والمجداف لجأ اصحاب السفن الى ادخال المحركات التي ساعدت كثيرا في تطوير النقل البحري عن طريق السفن حيث قللت كثيرا من عامل الوقت الذي كانت تأخذه السفينة في رحلتها اذ اصبحت المسافة بين البصرة والهند لا تزيد عن بضعة ايام بعد ان كانت تأخذ في وجود الشراع والمجداف شهورا, كما انها زادت من حمولة السفن الخشبية لتصل الى مئات الاطنان يقول: كانت البحرين في ذاك الوقت هي السوق الاقرب الينا لتشتري منها المحركات الحديثة كما كانت توجد ورشة لصناعة السفن مثل ورش اخرى موجودة في ايران وقطر وعمان ودبي. ويضيف لم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى هجر والدي مهنة الاسفار تماما ليتفرغ لتصنيع السفن الخشبية من خلال ورشة اقامها على شاطىء رأس الخيمة... ونظرا للاقبال الكبير عليها فقد اضطررت على العمل الى جانب والدي في الورشة بينما حل شقيقي محمد مكاني على اللنش الخشبي. يقول: في البدء كانت مهمتي القيام بشراء الحطب المطلوب لصناعة السفن الخشبية من الهند وهي نوعيات خاصة وعرف باسم الصاي والمنتيك والفيني وجنقلي. وبعد اتمام شراء النوعيات المطلوبة من الحطب عن طريق الوزن يجري شحنها الى السفينة من قبل عمال ولدى وصول الحمولة الى الورشة في رأس الخيمة يستأجر عمال من بلاد فارس ليقومون بمهام تقطيعها ونشرها وتشكيلها حسب رغبة الاستاذ. اما بالنسبة لمهام التصنيع فهي تتم يدويا في كل مراحلها خلافا لما هو متبع الآن حيث يتم كل شيء اعتمادا على الآلات الحديثة ويستطرد الوالد محمد بوحاجي يقول: لقد ساهم الانفتاح على العالم الخارجي بفضل سهولة المواصلات في فتح الطريق امام صانعي المراكب ليحصلوا على الحطب من دول اخرى مثل باكستان وبورما وافريقيا. الانتعاش والمراكب شهدت صناعة السفن الخشبية في الفترة الممتدة من الخمسينات ومنتصف الستينات انتعاشا لا مثيل له ويرجع السبب في ذلك الى مهنة الغوص حيث ازدادت الحاجة الى المراكب الخشبية لنقل فرق الغوص الى البحر ليبحثوا عن اللؤلؤ يقول بوحاجي... من بعد والدي كنت انا المسؤول عن اعباء الورشة وكان يتعين علي المحافظة على سمعة نشاط اسرتي في مجال تصنيع السفن الخشبية وان البي احتياجات الزبائن ونتيجة لذلك فقد كنت اصنع خمس سفن من النوع الضخم سنويا وقد كانت الاسعار التي تباع بها السفن وقتذاك مجدية فعلى سبيل المثال كانت السفينة حمولة 170 طنا تباع بقيمة 55 الف روبية بينما لو عرضت ذات السفينة للبيع في هذا الوقت فان قيمتها لا تقل عن 600 الف درهم. وحول دور مهنة صناعة السفن الخشبية في وقتنا الحاضر يقول الوالد محمد بوحاجي ان المهنة مستمرة طالما بقي البحر بل هي مستفيدة من التطور الحالي فبعد ان كانت السفن تطلى بالشحوم والزيوت صارت تتطلى بالفيبرجلاس وتتحرك بالماكينات وادخلت فيها اجهزة التكييف والمولدات الكهربائية. حوار - سليمان الماحي

تعليقات

تعليقات