استراحة البيان:اللهم لا شماته! يكتبها اليوم- مصطفى كمال

سبحان الله الذي يغير ولا يتغير, وهو على كل شىء قدير. من يصدق ان الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان الذي تربع على عرش البيت الابيض طوال ثماني سنوات, من 1981 حتى 1989, لم يعد يذكر بالمرة انه كان رئيسا لأقوى واغنى دولة على الارض في يوم من الايام! لقد امحت هذه السنوات تماما من ذاكرة الرجل الذي كان ذات يوم يملك من السلطة والنفوذ ما لم يحلم به اعظم أباطرة وكان تحت يده صندوق اسود صغير لا يتركه ابدا سواء كان في غرفة نومه أو في مكتبه أو في سيارته أو طائرته, وبهذا الصندوق مفتاح احمر, يكفي ان يضغط عليه بأصبعه ليتحول كوكبنا الارضي كله إلى بركان نووي خال من الحياة. بل لقد نسي ايضا انه كان قبل توليه الرئاسة حاكما لولاية كاليفورنيا. واللهم لا شماته. وربما يذكر الامريكيون له ان سنوات حكمه شهدت انخفاضا ملحوظا في البطالة, وتراجعا مقبولا في معدلات التضخم, واستقرارا اقتصاديا افتقدته الولايات المتحدة قبله لسنوات طويلة, ثم مهارة فائقة في استدراج الاتحاد السوفييتي ــ باعتباره حينذاك المنافس التقليدي على زعامة العالم ــ إلى طفرة في سباق التسلح تحت لافتة حرب النجوم, كانت هي في النهاية بمثابة الضربة القاضية التي اجهزت على الامبراطورية السوفييتية, واخرجت موسكو من حلبة المنافسة ورسخت اقدام امريكا كقطب واحد اوحد لا شريك له. ولكن الامريكيين سيذكرون ايضا ان العجز في الميزانية الامريكية ظل يتزايد طوال سني حكمه حتى وصل في نهايتها إلى اربعة اضعاف ما كان عليه في بدايتها. كما قد يذكرون له ايضا فضيحة كونتراجيت التي كشفت عن افدح سوءات النفاق الامريكي على الصعيد الدولي, حيث استخدم الارباح الناجمة عن عقد صفقات سرية لتوريد السلاح الامريكي لايران اثناء حربها مع العراق لتمويل عمليات مخابراتها ضد الحكومة الثورية في نيكاراجوا. وكان وجه النفاق الفاضح في هذه الصفقة, ان امريكا ــ بحكم مصالحها ـ كنت اميل إلى تأييد النظام العراقي ضد ايران, وان علاقاتها الرسمية مع ايران كانت مقطوعة فعلا منذ الاطاحة بحكم الشاه, وفي اعقاب ازمة الرهائن الامريكيين في طهران وهي الازمة التي كانت سببا مباشرا في سقوط جيمي كارتر, وفوز ريجان بالرئاسة عام 1980. اما نحن العرب فليس لرونالد ريجان الذي فقد ذاكرته اية ذكرى طيبة. فنحن نذكر له انه كان اول من اعاد إلى الحياة سياسة التدخل الامريكي المسلح المباشر في الشرق الاوسط بعد ان كان هذا الضرب من التدخلات (المباشرة) قد هدأ نوعا منذ ايام جون فوستر دالاس. فبعد ان كان التدخل من جانب الولايات المتحدة يجري عادة بشكل سري عن طريق السي اي ايه أو عن طريق اسرائىل, رأينا ريجان يقدم عليه علانية, فيرسل قوات مشاة البحرية إلى بيروت في سنة 1983. ثم تأتي ذروة افترائه عندما امر سلاح الطيران الامريكي بقصف العاصمة الليبية, وعلى وجه التحديد مقر الزعيم الليبي معمر القذافي في عام 1986 في عمل ارهابي لم يشهد العالم مثيلا له على مدى التاريخ. واذا كانت تلك الغارة الوحشية لم تفلح في قتل القذافي, أو في كسر مقاومته للجبروت الامريكي, فانها قد اسفرت عن مقتل بضعة عشر نفرا من اهله, ومنهم طفلة صغيرة كانت بمثابة ابنة له بالتبني. هذا فضلا عن انه ــ أي ريجان ــ نقض من الاساس ــ منهج سلفه جيمي كارتر المعتدل نسبيا تجاه الصراع العربي الاسرائيلي, وكان صاحب الفضل في عودة الادارة الامريكية إلى سياسة الانحياز الكامل, شكلا وموضوعا, إلى اسرائيل, وضد الامة العربية, بلا أية مواربة أو اي حياء. على اية حال, لقد نسي ريجان كل ذلك, وتوقفت ذاكرته عند فترة شباب عندما كان لايزال ممثلا مغمورا في هوليوود. ومنذ ايام صحبته زوجته نانسي في جولة بالسيارة, بين الكابيتول والبيت الابيض على امل ان ينشط ذلك بعض الخلايا الميتة في تلافيف مخه, وكان بصحبتها بعض حراسه الاقربين الذين لا يفارقونه ابدا خشية ان يؤذي نفسه. وعندما فتحوا باب السيارة المجاور له انتعشت آمال مرافقيه في ان يكون مخ رجلهم قد استعاد بعض ما فقده, فقد نزل من السيارة بخفة ورشاقة لم يعهدوها منه من زمن طويل, واخذ يفرد ذراعيه, ويطويهما وهو يتنفس بعمق كمن يقوم ببعض الحركات الرياضية, مرسلا بصره عبر الساحة الخضراء في اتجاه مدخل البيت الابيض, ثم فوجئوا به يقول: ولكن اين كلارك جيبل وانا جاردي السنا على موعد اليوم للتصوير؟ اسوأ ما في الامر, كما تقول السيدة نانسي ان ريجان نسي ايضا انها زوجته, وانه إما يتجاهلها تماما, أو يناديها باسم ديبي زوجته الاولى التي طلقها أو طلقته منذ اكثر من ثلاثين عاما. ومرة اخرى اللهم لا شماته. الاطباء يقولون ان هذا النوع من النسيان يرجع إلى مرض اسمه الزهايمر, حيث يتسلل فيروس غامض إلى خلايا الذاكرة في مخ المصاب فيفترسها ويدمرها تدميرا. ولكن علماء النفس لديهم تفسير آخر, خلاصته ان هذا النسيان انما هو محاولة متعمدة من العقل الباطن, أو العقل اللاوعي, للهروب من ذكريات آثمة تثقل على ضمير المريض الديني أو الاخلاقي. ومعظم الذين ارخوا لريجان لا يستبعدون هذا التفسير لانه كان معروفا بانتمائه إلى بعض الجماعات الدينية المتطرفة التي تتناقض مبادئها المعلنة مع الكثير من تصرفاته منذ عرف طعم السلطة, سواء وهو حاكم لولاية كاليفورنيا أو على المستوى الاوسع, وهو في منصب رئيس الولايات المتحدة الامريكية. غير ان بعض المقربين من ريجان اثناء فترتي رئاسته يؤكدون ان اعراض ظاهرة النسيان أو مرض الزهايمر, لوحظت اكثر من مرة على سلوك الرئيس الامريكي وتصرفاته منذ الايام الاولى لوصوله إلى البيت الابيض, وبالذات عقب محاولة اغتياله في سنة 1981, وهي المحاولة التي اصيب فيها بطلق ناري في ذراعه, ولكن اصابته الاكبر كانت نتيجة سقوطه على الارض واصطدام رأسه بحافة الرصيف. ويقول هؤلاء انه ـ بعد الحادث ــ كان كثيرا ما يخلط في اسمائهم, كما حدث اكثر من مرة ان كان يبدأ الحديث في موضوع ما واذا به ينتقل فجأة إلى موضوع آخر, ربما قد لا يكون له اية علاقة بمن يبادله الحديث. وقد اعتاد اعوانه منه ذلك (السرحان) حتى اصبح مادة للتنكيت والقفشات فيما بينهم, ولكن الامر كاد يتسبب في ازمة دولية حادة في اثناء لقاء القمة الذي عقده مع الرئيس السوفييتي, ميخائيل جورباتشوف عام 1987, وذلك في حفل العشاء الذي اقيم بالبيت الابيض اثر توقيع الرئيسين على اتفاقية الحد من اسلحة الدمار الشامل, فقد ظل ريجان مصرا على مناداة ضيفه باسم (ليونيد) حتى انه اقترح اول نخب تحية لصديقه العزيز (ليونيد بريجينيف) الامر الذي جعل جورباتشوف يتردد لحظة قبل ان يبدأ في تناول شرابه, ولكن لحظة التردد كانت كافية لان يهمس احدهم في اذن ريجان ليصحح خطأه. وتتوالى النوادر عن حالات (السرحان) التي تميز بها رونالد ريجان طوال فترة رئاسته, كمقدمة للزهايمر الذي اودى تماما بذاكرته. ومهما كان وجه الطرافة في هذه النوادر الا ان المرء لا يملك الا ان يرتعد من فرط الفزع, لو تصور ماذا كان يحدث للعالم بأسره, لو اصابت نوبة السرحان الرئيس الامريكي, وهو يمد يده ليلتقط سيجارا على مكتبه فاذا بها تقع على الصندوق النووي, وبالذات على المفتاح الاحمر, اياه!! ومرة ثالثة.. اللهم لا شماته.

تعليقات

تعليقات