استراحة البيان: نعمة اسمها الميكروفون، يكتبها اليوم: محمد الخولي

الاديب والناقد الموسيقي الكبير كمال النجمي رحمة الله عليه, كان يطالب دوما بأن نقيم تمثالا لذلك الساحر الصغير .. والخطير الذي يحمل اسم: (الميكروفون) , وقد كان ظهور الميكروفون في اواخر العشرينات من هذا القرن حدثا رهيبا اشبه بالثورة في عالم الطرب والغناء العربي او كان خطا فاصلا بين عهدين مختلفين اشد الاختلاف في امبراطورية الموسيقى والغناء في وطننا الكبير.. قبل الميكروفون كان المطرب يحمل لقب (الصييت) يكلفونه باحياء ليلة كاملة, نعم كاملة من غروب الشمس حتى مطالع الفجر.. وكان صاحبنا ــ باسم الله ماشاء الله ــ يستوي امام التخت الحاشد بالوتريات مابين قانون وعود وكمان يضبط ايقاعها الرق الدقيق الجميل.. وليلتها كان المطرب ــ الصييت يستهل السهرة الصباحي بليالي وموال تسبقها تقاسيم من سي عبده عازف القانون او سي جرجس عازف العود وحدث ولا حرج عن (ياليل) يطلقها المطرب من حنجرة عفية جهورية.. تعشى صاحبها بدجاجة كاملة مالبث ان اذاب توابلها بسطل من مشروب التمر هندي في الصيف او قدح معتبر من الزنجبيل او الدار صيني (يحبس) بهما ما تناول من فاخر الزاد لا عجب ان كان هتاف (يالىل.. ياعين) يدوي من الاعماق بغير ميكروفون فتكاد ترتج لايقاعه, او فلنقل لوقعه وذبذباته ارجاء المكان الذي اختاروه لعقد السهرة البهيجة المرتقبة سواء كان شادرا, وهو خيمة مترامية الاطراف حاكتها يد انامل حرفي صناع في حي الخيامية الشهير المجاور للازهر في قاهرة المعز القديمة او كان قاعة الضيوف, وكانوا يسمونها قاعة المسافرين حسب مصطلحات الجيل الماضي حيث السلاملك المجاور للحديقة والمفتوح دوما امام الزوار والقاصدين.. بعد التقاسيم والموال الافتتاحي يدخل المطرب الهمام في حالة الانسجام او كما يقول مصطلحهم.. يتسلطن المغني وتفلح (الدوزنه) ــ الهارموني عند اهل الغرب ــ في عقد رابطة التآلف والتوافق والتناغم بين ماتجود به اوتار العود او القانون او الكمان وبين ما يفصح عنه الصوت البشري الجهير والفصيح من جلال البياتي او حرقة النوى آثر او اناقة النهاوند او شجن نغمة الصبا (بفتح الصاد) او دلال السيكا, ناهيك ــ اعزك الله ــ عن حلاوة السكر المعقود في انغام الراست اللذيذ الرشيق.. هكذا كان المطرب المحترف يرسل آهة الليل في شبرا فيسمعها او يكاد يسمعها اهل العباسية في شرق القاهرة.. وكم كانت الاذن الخبيرة للسميعة المجربين تسترق السمع مع حفيف الهواء الساري عبر موجات النيل.. وبعدها يقول قائلهم: عمك سيد الصفتي سهران هذه الليلة في السيدة زينب, او الست منيرة المهدية تغني في سراي فلان باشا. هكذا كان حتما على المطرب في الزمن القديم الذي لم نسمعه ولكن سمعنا عنه ــ ان يكون صاحب حنجرة قوية الاوتار مجدولة الحبال الصوتية, صحيح ان حلاوة الصوت, وهي كما لايخفى على فطنتك, موهبة السماء لنوابغ المطربين كانت مقياس الفن الجميل او النشاز القبيح ــ لكن حلاوة الصوت ــ كما علمنا يوما الاستاذ كمال النجمي ــ لم تكن تغني عن جهارة الصوت وحدته لان حلاوته لاتبلغ الاتساع الا في جلسات ضيقة مقفلة لاتتيح للمطرب ان يتعرف الى الجماهير الواسعة فيشتهر ويكسب كما يشتهر ويكسب اصحاب الاصوات العالية.. اما الآن فلا خوف على الصوت الخافت الصغير الحجم مادام الميكروفون موجودا. ولقد نشر الاستاذ النجمي هذا الكلام منذ اكثر من 30 عاما في كتاب جميل من كتبه الممتعة بعنوان (الغناء المصري) وعندما اصدر طبعته الثانية في عام 1994 حرص ــ رحمه الله ــ على ان يضيف الى متن الكتاب حاشية طريفة وهو بصدد الحديث عن فضل الميكروفون على محترفي الغناء العربي المعاصر, وقال فيها بايجاز شديد: (توجد الآن آلات جديدة كثيرة لتزييف الاصوات) ! وليس معنى هذا ان الميكروفون قد أدى الى تزييف الاصوات الموهوبة اصلا. بل على العكس: لقد كان فضل هذا المكبر الدقيق الذكي للصوت ــ من اسخى ما يكون ــ ولولا الميكروفون لما استمع المسلمون في انحاء الدنيا لصوت قارىء القرآن الشيخ محمد رفعت وهو صوت يصفه الخبراء بأنه واحد من ارقى الاصوات العربية واندرها واجملها.. لكنه كان صوتا خافتا لانه كان يصدر عن قلب خاشع يتلو آي الكتاب الكريم كانما انزلت على قلبه, هو اقرب الى صوت الكمان الخافت في اطار من اداء فذ عارف باسرار التجويد, ومتمكن من اصول علم القراءات, وضليع في ارتياد السكك المقامية التي تحول الترتيل الى تجربة روحية فريدة في بابها يندمج فيها القارىء والسامع في كيان واحد وقد وضعتهما الآيات والاحكام والخشوع في الاداء العبقري, على اعتاب طريق السالكين واول علاماتها لافتة مكتوبة بحروف من نور وتقول للمرتاد ان اسجد.. واقترب. وكثر الله خير الميكروفون اذ تحول معه الشيخ محمد رفعت من قارىء لسورة الكهف يوم الجمعة في مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز ــ الحي الذي شهد مولد الزعيم مصطفى كامل باشا على مشارف قاهرة المعز ــ ليصبح محمد رفعت اول قارىء لكتاب الله يسمعه الناس في اول ارسال للاذاعة الحكومية المصرية في شهر ابريل من عام 1934 وبعدها طارت شهرة محمد رفعت في آفاق الوطن العربي والعالم الاسلامي بل ورويت في هذا المقام حكايات اشبه بالاساطير منها مثلا ان ضابطا كنديا برتبة كولونيل كان يعمل في مصر بين صفوف قوات الحلفاء في الاربعينات ــ زار محطة الاذاعة المصرية في شارع الشريفين بالقاهرة, وطلب اشرطة القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت... ويقال ان الرجل شرح الله صدره للاسلام بعد ان سمع ترتيل كتاب الله بصوت خاشع فاهم مفعم بالشجن والخضوع والحنان ولولا الميكروفون ايضا لما نعمت الاذن العربية المعاصرة بصوت ستنا فيروز وهو اشبه بقطر الندى او بزهور الزنبق البالغة الرقة والجمال... ولولاه ايضا لما كتبت الشهرة للشاب عبد الحليم شبانة المعروف باسم عبد الحليم حافظ الذي جاء ليغني (صافيني مرة) على عود وحيد من يعزف عليه رفيق عمره ومشواره محمد الموجي... ويومها لاقاه المستمعون بمزيج من الدهشة واحيانا بالرفض والاستهجان. فاين هذا الصوت الدقيق المحدود المقامات من الاصوات العريضة التي كانت تملأ سوق الطرب العربي في فواتح الخمسينات؟ اين هذا الشاب النحيل المسقوم, ربما من سوء التغذية, من اساطين الطرب في دنيا العرب صدره لا يكاد يملأه سوى ربع متر مكعب من الهواء فكيف له ان يطلق حنجرته في موال يؤديه او في ليلة طرب يحييها او في قصيدة طويلة كالمعلقات بالغة التعقيد ينشدها, ام كلثوم مثلا انشدت ولد الهدى في 34 بيتا وابدعت رباعيات الخيام في 30 بيتا وكلتا الرائعتين مقام الراست من الحان ابو احمد الموهوب ــ رياض السنباطي. تروح فين يا عبد الحليم بين اصحاب الاصوات العريضة العفية والجهيرة؟... وديع الصافي في لبنان و ناظم الغزالي في بلاد الرافدين دع عنك محمد قنديل, ومحمد عبد المطلب وعبد العزيز محمود حتى لا نقول فريد الاطرش او محمد عبد الوهاب في مصر؟ هنالك تدخل القدر... حفيا ورحيما... وقدم الى عبد الحليم ميكروفونا متطورا بث في صوته الدقيق المحدود حياة جديدة ثم بالغ القدر في حفاوته ورحمته فأتاح لعبد الحليم كوكبة من انبغ ملحني العصر شباب مثل محمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي درسوا اصول الموسيقى في علومها الغربية ولكنهم صمدوا فوق ارض الابداع اللحني العربي مستوحين مقاماته الاصيلة ومستوعبين بالوجدان القومي الموروث والمستكن في اعماق ضمائر كل الاجيال العربية, ما قد تناهى اليهم من ايام معبد والغريض في الجزيرة العربية وايام ابراهيم واسحق الموصلي في العراق, وايام زرياب سيد الموسيقيين العرب في الاندلس. والحديث له شجونه, والقلم مشغوف بالنجوى, والقصة لم تكتمل فصولا.

تعليقات

تعليقات