يصل جثمانة الى دمشق غدا: اصداء واسعة لرحيل نزار قباني في الوطن العربي

حمل للمرأة وردة وسوطاالشاعر محمد ابراهيم ابو سنة: نزار قباني عالم شعري فسيح يراه الرأئي من بعيد اقرب الى المهرجان الذي تنطلق فيه الصواريخ الملونة, وتضيء سماواته بألعاب نارية وتمتلئ شوارعه بلعب الاطفال, ودمى النساء, وقد مارس نزار تأثيرا خطيرا على اجيال متعاقبة من الشعراء العرب, ولا اظن ان شاعرا منذ اوائل الستينات وحتى الآن لم تقف عربته في محطة نزار للتزود ببعض الوقود, بل انني ارى ان بعض الشعراء لم يغادروا محطته على الاطلاق وظلت اصواتهم صدى لصوته, فنزار جمع في شعره بين الجرأة الاجتماعية والاحتجاج السياسي, والولع بالمرأة ولعا حسيا جعله قريبا من العصر في تناوله لثيابها ومكياجها وتقلباتها وكان في الاحتجاج السياسي قريبا من القاموس الصحفي الذي يحظى بجماهيرية واسعة, وكانت فكرة الديكتاتورية التي الح عليها, وجمود التقاليد العربية ومفاتيح ثورته الشعرية, مدخلا الى الحرية بمعناها العاطفي والسياسي والاجتماعي, وشعر نزار سبائك رقيقة جدا من الذهب الخالص, لكن وزنها خفيف للغاية, ونزار بهذا المعنى نهر عذب, تصفو مياهه في معظم الاحيان, وتتكدر في احيان اخرى, لكن شعره يظل مفترشا مساحة هائلة من الوجدان العربي المعاصر, ليس هذا فقط بل استطاع ان يجعل من الشعر تسجيلا لتاريخ الاحساس العربي بالعالم, والمرأة هي اميرة عالمه تستوي على عرشه, وهو دائما يقف خلفها يحمل في احدى يديه وردة والاخرى سوطا, وكأنه وهو الشاعر الرقيق قد فهم رأي نيتشه في المرأة. قصيدته في رثاء عبد الناصر من اجمل ما كتب الناقد الدكتور الطاهر احمد مكي: ان نزار كشاعر ألحق الشعر العربي بالعصر الحديث دون ان يدمر مقوماته الاساسية. حافظ على ايقاعه وقواعده لكن هذه الاسس وهذه القواعد ملأها بروح عصره, وجماله ومشكلاته واذا كان في فترة ايامه الاولى كان يدور حول نفسه بحكم الشباب والفراغ ولكن في النصف الثاني من حياته عندما تفتح وعيه اهتم بهموم قومه ومشكلاتهم, وتحول الى لسان العروبة الناطق وهو في حديثه عن العروبة لم يتناقض ولم يحقد فمن عمل خيرا رفعه بقصائده, ومن تخلى عن القافلة قرعة بأشعاره, وستظل قصيدته في رثاء عبد الناصر من اجمل ما كتب في شعر الرثاء العربي, وهي خليقة بأن يحفظها كل تلاميذنا في المدارس لأنها سوف تعطيهم صورة للشعر العربي في اجمل ايقاعاته وصوره ومجاراته, وسوف تقدم لهم شاعرا على اعلى مستوى من الالتزام القومي. جعل الشعر مطروحا في الأسواق الدكتور علي الراعي: ان لنزار قباني الفضل الاول في انه جعل الشعر لغة متداولة تسعى بين الناس دون تعقيد او ألغاز, او استعلاء وكأنها لغة الخطاب التي لا يشعر الناس بأنها غريبة عليهم, فقد بسط نزار قباني لغة الشعر حتى قاربت لغة الحديث اليومي, واستطاع ان يبدع بها اغنيات جميلة جدا, فيها ما هو عاطفي وانساني, وما هو وطني, لكنها جميعا تتميز بالرقة البالغة التي تتحدث عن عاطفة الرجل والمرأة, فقد جعل نزار الشعر يسير في الاسواق وادخل موضوعات جديدة عليه بجرأة كبيرة واجه بها الاستبداد والتعسف والديكتاتورية وغلظة الاحساس, فكما قلت لقد جعل نزار يرحمه الله الشعر مطروحا في الاسواق يقبل عليه الناس في الوقت الذي يزداد فيه الشعر غموضا وتقلصا. علامة على الشعر العربي والسياسة العربية الدكتور مدحت الجيار... الناقد ورئيس قسم الادب العربي بجامعة الزقازيق نزار قباني احد مجددي الشعر العربي الكبار فيما بعد الحرب العالمية الثانية, وكانت لقصيدته خصائص مكنته من اجتياح الساحة الشعرية العربية رغم وجود الاسماء الكبيرة في مصر والعالم العربي عن شعراء الحركة الرومانسية, فقد كان لعصرية معجمه وبساطة تراكيبه اللغوية. والاسلوبية ما اعانه واعان المتلقي على الخوض في قضايا الوطن والانسان وادت هذه الخصائص الى انه ابتلع حيات كثيرة من الشجاعة السياسية والاجتماعية, جعلته قادرا على تعرية النفس البشرية وتعرية تابوهات متعددة في المرأة والرجل على السواء, ومن هنا اكتسب نزار هذه الشعبية الجارفة بين شباب العرب كما اكتسب بعض العداوات التي هاجمته مع نهاية الخمسينات, واوائل الستينات الا ان مشاريع الوحدة العربية التي تغنى بها نزار, ومشاريع النهضة العربية التي تلت هذه الوحدة, رغم الانفصال قد دفع شعر نزار الى حلبة السياسة, وكانت نكسة 67 مفجرا لطاقاته الشعرية الضخمة التي تبلورت في النقد الذاتي للانسان العربي ولتجربته السياسية والاجتماعية, ومن ثم اصبح نزار علامة على الشعر العربي وعلى السياسة العربية. موته اخذ شيئا عزيزا من ارواحنا الروائي ابراهيم عبد المجيد في البداية انا في حالة ذهول, واعتقد انه على مدار الخمسين عاما الماضية لا يستطيع احد ان يفلت من ظاهرة نزار قباني, لا القراء العاديين ولا الكتاب يتسطيعون ان يفلتوا من قبضة نزار الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بحق وقيمة نزار الاساسية في انه جعل الشعر مادة للحياة اليومية فقد صاغ اعقد المشاعر بأرق الكلمات واسهلها وابسطها, ولم يكن بعيدا عن الواقعية حتى وهو في اشد حالاته غنائية ونزار قباني وهو يحرر الشعر من صعوباته... كان في الوقت ذاته يحرر الانسان العربي كما ان دخوله الى المناطق العاطفية الشائكة كان تحريرا للمقموع في الانسان العربي, فقد حرر نزار الانسان العربي بمالا يقل عن الثورات الاجتماعية ومن هنا تأتي قيمة نزار قباني ولذلك لم يكن غريبا ان تقرأ له اشعارا سياسية مؤلمة عندما تردت الاوضاع العربية, ولم تكن هذه الاشعار بعيدة كما تصور البعض عن اشعاره العاطفية فكلا الشعرين كانا احتجاجا من شاعر اشبه بالثورة التي تمشي على الارض.. يرحمه الله فقد اخذ بموته شيئا عزيزا من ارواحنا جميعا. هذا وقد اصدر اتحاد الكتاب المصريين بيانا رثى فيه ببالغ الحزن والالم وفاة شاعر عربي كبير اثمر في كل الاجيال الشعرية منذ الخمسينات من هذا القرن, واكد البيان... ان شعر نزار قباني ظل مشتبكا مع واقع امته مدافعا عن قضاياها, مؤكدا عروبتها محرضا ضد الظلم والاستبداد والعسف, ناظرا بعينه دائما لتكريس قيم الحرية والعدالة والتحضر فقد جدد نزار روح القصيدة العربية وبعث فيها من روحه الشاعرة ما جعلها اكثر اتساقا مع قضايا الامة ومشكلات العصر. وأكد البيان على اهمية الموقف السياسي الشعري العظيم لنزار قباني ضد اعداء الامة ومواقفه الاخيرة التي عبر عنها شعرا ونثرا ضد التطبيع مع العدو الصهيوني, ونص الاتحاد بموته فقدان قيمة شعرية ووطنية كبرى.

تعليقات

تعليقات