لأن حياته توزعت بين بيروت ودمشق: أدباء لبنانيون يطالبون بدفنه على الحدود بين البلدين

اهي الصدفة ام الحقيقة المطلقة ان يموت الشاعر العربي الكبير نزار قباني بسبب المرض؟ او هكذا تكون ميتة من كان يوزع الحب على الناس وينثره كحبات الرز في مواكب الاعراس؟ ام انه قرر الموت بعد ان فقد الامل بشفاء الامة العربية التي وهبها نصف حياته ونصف اشعاره ونصف تعبه بناء على انه وهب النصف الآخر للحب والمرأة؟ ام انه احس ان مركز الامة العربية تحول بفضل الزمن الرديء الى مضخة ميكانيكية ارهقها الضخ حتى انهكها ففتتها الى نثر منثور في بقعة الضباب (لندن) وهو الحالم ان ينثر نثره الجسدي والابداعي في بقاع امته التي عاش عنها بعيدا وحزينا؟ وهو الناثر الاول شعرا وحبا وفرحا واملا وحياة, تتوقف حياته بعد ان يتوقف مركز الشفافية فيه جراء اضمحلال الشفافية في نفوس رافعي شعارات الحب والفرح والامل والحياة في بلادنا الذين صدقهم نزار وانشد للناس قصائده كي يشعر انه مساهم كغيره من المساهمين في معركة الامة التي ضيع عليها هؤلاء حماس الناس وانخراطهم في معارك لا حصر لها من اجل بناء غدٍ مشرق, من معاركهم السياسية مرورا بالاقتصادية والتنموية وصولا الى المعارك الثقافية التي تمثلت في الدفاع عن الاصالة والحداثة وانقسام الناس بين مؤيد ومعارض لها. وقد سمعنا الكثير من الكلام بل سمعنا جبالا من الكلام وفي مقابل ذلك كان نزار قباني يسمعنا كل يوم قصيدة جديدة فيها من الاصالة ما يمنع على المتعاركين التمييز ان كانت حديثة او كلاسيكية او حرة او مقفاة ووو. ولما كان يكتب وينشر كان المتعاركون يتوقفون عن معاركهم ويعطون لانفسهم هدنة كأنهم بذلك يشيرون الى فسحة الهدوء والامان التي كان يوفرها لهم نزار قباني على ما يقول الشاعر حمزة عبود فقباني كان وسيبقى شاعر الامان والهدوء والاطمئنان النفسي على الرغم من كل ما قيل ويقال عن قصائده المثيرة التي تؤجج فينا الاحاسيس والشهوات فهذا التأجج بمثابة جنون امواج البحر وهوشه الذي من بعده الهدوء والتوازن هكذا قرأنا نزار وهكذا نفهمه وبالقدر الكبير الذي قرأناه بالقدر ذاته فهمناه حتى تلبسنا وبموته لا نعرف كيف سنخرج منه ومن قصائده وازعم انه سيبقى عميقا في دواخلنا وحارسا امينا على احاسيسنا لذا لا استطيع ان اضيف لأن حزني عميق وبليغ كما قال لنا الشاعر بول شاوول. والحزن عام في بيروت. انها الغربة التي في تلافيها ينمو الموت مادا خيوطه الرهيبة ليحاصر الكبار ويوقع ضحايا النأي فبالأمس الجواهري واليوم قباني وبعد غد لا نعرف من يكون الضحية. اما قباني فانني اقترح ان يدفن على الحدود اللبنانية السورية كما يقترح الشاعر محمد العبدالله, معللا اقتراحه ان الشاعر الراحل كان تجسيدا لروح الصداقة والاخوة بين الشعبين فنزار كان لبنانيا بالمقدار ذاته الذي كان فيه سوريا وليس اروع من ان يدفن في مكان يعبر عن هذا التجسيد وعن هذا الحب المشترك لبيروت ودمشق فاذا كان نزار عمل في بيروت (ست الدنيا) فانه عمل في دمشق بعد ان اطلق اسمه على احد شوارع حي ابي رمانة لعبته الخالدة حيث عاد الطفل الى لعبته الجميلة والمحببة لكن نزار مهما كانت علاقته قوية ببيروت ودمشق فانه حاضر بقوة في باقي العواصم العربية الاخرى على ما يقول الشاعر اسماعيل فقيه فليس بمكان الولادة يحدد الانتماء انما بالخطاب الشعري الذي ينتجه وعليه فان نزار كتب لكل العرب بكتابته عن انفعالاتهم واحاسيسهم وعواطفهم ونآججاتهم وهزائمهم. فالاخيرة كانت هما ضاغطا على نزار في يومه وفي ابداعه وليس غريبا ان يلقب من ضمن الالقاب التي اطلقت عليه انه شاعر القضية على ما تقول الشاعرة صباح الخراط زوين التي تضيف ان نزار شاعر طري وراسخ في النفس يبقى فيها ويعشعش فنسبة الطراوة في شعره هي العامل الاساسي الذي يبقي شعره في النفس اخضر لا يذبل ولا يجف. اضافة الى سمة شعره الاساسية والغالبة وهي سمة المرأة وخصوصيتها التي عنها كتب وبها لون قصائده بالالوان الزاهية وعطرها بالاريج اما الشاعرة هدى النعماني فتقول انه التوحد على كل المستويات فان تقرأ نزار فانك تذهب في الصمت وترتفع الى السماء حيث التجلي والسمو. لكن القاص غسان العميري يقول ان اهم ما جعل المرأة والانوثة بمفاهيم ومفردات معاصرة متناولة من كل قارىء معاصر ذكرا كان ام انثى. اذا ما قورن بقدماء شعراء الغزل الذين كانوا يعبرون عن مشاعرهم وعواطفهم بافكار عصرهم ومفرداته وموجوداته وقد تميز هذا الشعر بالرقة والشفافية المقبولة. وخسارته لا تعوض الا اذا استمر الذين اختاروا هذه المدرسة المجددة على المتابعة واستكمال الانضاج والعمق والتجاوز والخلق. بموت نزار قباني تفقد الساحة الشعرية العربية واحدا من كبارها المجددين وبموته تطرح على الشعراء ان يحافظوا على الشعر ويبقوه في نفوس الناس واحاسيسهم وعواطفهم, ان يبقوه حيث ابقاه نزار والجواهري وجميل بثينة والمتنبي والعظماء الآخرون. بيروت ـ علي سرور

تعليقات

تعليقات