استراحة البيان: سوبر ماركت عوضين: يكتبها اليوم - محمد الخولي

شمرت امريكا عن ساعديها وصدرت الينا اسلوب حياتها فبدأت بتصدير ثقافة السوبرماركت ثم انتهت بتصدير صناعة تعليب العواطف, ادخل ــ رعاك الله ــ الى اي قرية في هذا الركن او ذاك من العالم العربي ولتكن في مصر مثلا, تجد الحياة كما عاشها امنحتب الاول والثاني والثالث.. الدروب الضيقة والأزقة الملتوية واكوام السماد ــ البلدي حتى لاننسى ــ تطالعك عند هذا المنعطف او ذاك, ولكن عينيك لن تخطىء محلا صغيرا لاتكاد بضاعته على بعضها تساوى شروى نقير كما يقولون, ومع ذلك فقد رفع صاحبه, وهو رجل على باب الله لافتة تقول: (سوبرماركت مخيمر) فان تواضع قليلا فقد تقول اللافتة: (ميني ماركت عجورة) ناهيك وياللفصاحة, عن لافتة اخرى قد تقول (سوبريت عوضين) .. والمهم في هذا كله ان وصلت الينا كاملة رسالة السوبرماركت ان لم تكن كمحتوى وبضاعة وتنوع وثراء فهي في اقل القليل لافتة و(شعلقة) تتعلق, بجهد المقل, باذيال الآخرين. وصناعة تعليب العواطف جزء اساسي من ثقافة السوبرماركت الذي تجد فيه ولاشك قسم القرطاسية وقد حفل بالبطاقات اشكال وألوان وكلها تحل مشكلتك فتعفيك من ان تكتب فتسكب عواطفك صادقة.. دافئة وأصيلة على الورق اذ انت تهنىء الصديق ــ من قلبك ــ بمولوده السعيد وانت تشارك الزميل فرحة بترقية, او تزجي اليه امنية بشفاء, ان برمجيات الحواسيب تتفنن في طرح الف احتمال والف مناسبة قد تصادف البشر في حياتهم وفي كسبهم وفي علاقتهم, ما بين تهنئة الزواج الى السؤال عن صحة وسلامة كلب العائلة المدلل الاثير, وما بين عيد ميلاد خالة المدير الى اعلان الحبور العام لنجاة حماة الزميل او الصديق من الغرق في مياه البانيو المتلاطمة في حمام الاسرة العتيد. واذا كان الامريكان قد عمدوا الى تعليب عواطفهم وبيعها جاهزة ــ تسليم مفتاح ــ في بطاقات التحايا المزوقة بألوان الطيف, فان قومنا ــ في مصر كما سيأتيك الخبر ــ لم يكذبوا من جهتهم خبرا, بل عمدوا بدورهم الى اختزال عواطفهم وتصنيفها وتسطيرها ومن ثم نشرها بين دفتي كتاب, الامريكان فعلوا ذلك بسبب قلة الوقت, اما ربعنا من اهل زمان فقد فعلوه ايضا بسبب قلة الحيلة, ربما أرادوا ان يعبروا عن عواطفهم, فخانتهم ملكة التعبير, او انعدمت لديهم اصلا اذ كانت نسبة كبيرة منهم لاتعرف من لغة العرب سوى فن التخاطب والحكي الشفاهي دون مهارات القراءة او الكتابة او كانت تعرف من تلك المهارات النذر اليسير او بالادق النذر غير اليسير بل البالغ الصعوبة لزوم تمشية الحال ولقمة العيش ودوران الحياة.. وانى لها, والحالة هذه, ان تستلم القلم وتدبج السطور بثا للعواطف وبوحا بالنجوى او حتى اداء لواجب مجاملة دع عنك الكتابة الى اولي الامر من ابناء الحكومة ووكلائها واعوانها, وقد كان لمخاطبة الحكومة تقاليد واعراف تبدأ بكتابة شكوى تحمل مصطلح (عرض الحال) او كما ينطقها اهل الميري (عرضحال) وتنتهي بسطور تحمل دعاء الشاكي, وهو من وراء قلبه ــ يعلم الله ــ بان (يبقيكم الله ذخرا للبلاد والعباد) , وكم كان الفلاحون بالذات يحتفلون ايما احتفال بمناسبة كتابة شكوى او عريضة على عرضحال دمغة بخمسة قروش فما بالك ان يكون تسطيرها بقلم الحبر ــ قلم الابنوس كما كانوا يسمونه ــ او بالقليل القليل القلم الكوبيا الذي يستعيرونه لهذه المناسبة المشهودة من خلف اذن (فلتس افندى) او (عم مرقص) صراف الناحية ومراقب احوالها المالية, تأمل مثلا رواية (الارض) القصة الجميلة التي كتبها عبدالرحمن الشرقاوي او الفيلم البالغ التعبير الذي اخرجه يوسف شاهين وستدرك ساعتها كم ان الرواية ــ او الفيلم ــ حاشدان بابطال وشخصيات شتى لكل منها مذاق خاص, وليس اقلهم تلك الشخصية البارزة بل المحورية وغير البشرية التي يتردد صداها وتتجلى اهميتها بين السطور او المشاهد الفيلمية تلك هي الشكوى المكتوبة على عرضحال يرفعها اهل القرية الى اهل الحكومة المركزية في القاهرة.. وقد حرصوا على ان يكتبها ــ على سن ورمح ــ محمد افندي بجلالة قدره (ادى الدور السينمائي الفنان ابو بكر عزت بحرفية رفيعة لاتنسى) حيث ان محمد افندي مدرس الالزامي كان مثقف القرية وحامل قلمها الابنوس ولابس نظارتها الوحيدة شأن عتاة المثقفين.. ثم انه القادر المتمكن من ان يطرز سطور الشكوى ــ العريضة بمصطلحات رآها الفلاحون الطيبون بمثابة تعاويذ لترقيق قلب الحكومة او استدرار عطفها على رعاياها ــ مصطلحات من قبيل (اذ ربما) او (لاسيما) الى غير ذلك من بضاعة المتعلمين و.. (اياك ان تحمل بعد هما) هكذا يقول لنا الاستاذ يحيى حقي وقد سعد بشراء كتاب (انشاء رسائل العصر الحديث) بقرشين طبعا ايام كانت الدنيا.. دنيا ــ من على سور الازبكية في قلب قاهرة الخديوي اسماعيل.. سيزيل عنك الكتاب كل تعب واجهاد الذهن ان اردت ان تكتب في هذا الغرض او ذاك, فقط افتح الكتاب وانقل ماشاء لك الله ان تنقشه من الاغراض: تهاني برؤوس السنة هجرية او ميلادية او قبطية او شمسية او العودة من الحج او حلول العيدين او ولادة توأمين ان لم يكن ثلاثة وربنا يزيد ويبارك.. او الحصول على وظيفة او العودة الميمونة من سفرة طويلة او صلح بعد خصام.. ثم لا تتعب نفسك ــ يضيف عمنا يحيى حقي ــ في صياغة بطاقة دعوة بل ارجع الى ص30 من كتاب الرسائل تأليف الاستاذ بدوي علام المدرس بالمدارس الاميرية يعني مدارس الحكومة وليس المدارس التي كانوا يسمونها اهلية وكانت تدنو من مدارس الميري درجة وقيل درجتان. الى جانب هذه الابواب الرسمية او الاجتماعية تجد بابا بعنوان (في المودة) وآخر في المعاتبة حيث رسائل العتاب تكاد تشكل دعامة هذا الكتاب وهنا يضيف يحيى حقي قائلا والظاهر اننا شعب يحب العتاب حبا شديدا بل قد نتخانق لا لشيء الا للعتاب وهو موصوف في اغانينا بأنه حلو.. بعد ذلك تقرأ في الكتاب ابوابا تحمل عنوان (في الحب والعاطفة) ومنه يتعلم المحبون فنون التناجي على الورق, وهو قضا اخف من قضا, ثم حدث ولا حرج, او بالاحرى بكل حرج عن ضرب المواعيد او خلف المواعيد او خيانة العهود بين اهل الهوى وربما رأى المؤلف ــ الاستاذ علام ــ وهو ينتمي كما رأيت الى طائفة المربين ــ ان يجبر بخاطر القارىء المحافظ من حيث التقاليد ومن ثم فقد اورد فصلا في عتاب الازواج حيث يعلم الزوج كيف يكتب رسالة بليغة مؤثرة الى زوجته الغضوب التي وضح انها تركت عش الزوجية الى بيت الوالدين ــ بيت العز القديم وهاهو الزوج الرصين يسعى ــ في خطاب مكتوب ــ الى اعادة المياه الى مجاريها. لكن استاذنا يحيى حقي لايتركنا في حالنا بعد ان استعرض معنا فصول كتاب الرسائل وانشاء العصر الحديث, وبعد ان حكى لنا مغامرته عند سور الازبكية وتضحيته بقرشين صاغ نظير الكتاب الثمين (كان ذلك من نحو 30 عاما وكان هذا المبلغ يشترى (اهرام) محمد حسنين هيكل كما يشترى كوبا من الشاي على قهوة متواضعة في باب اللوق تأوي سيادتك اليها وتمضي رائعة النهار كله على حساب الكوب الوحيد وقد يروق لك ان تطلب من الجرسون كوبا من الماء المثلج بين حين وحين يحضره اليك وهو يرمقك شذرا, ولكن لاشيء يهم مادمت ترشف الشاي وتنعم باهرام هيكل. المهم ان يحيى حقي يودعنا بخفة روحه ورشاقة قلمه المعهودة فيقول: ــ (.. لا عيب في هذا الكتاب الا شيء واحد فلعلى لم افرح بشرائه الا لوثوقي بانني ساجد فيه مشقا (نموذجا) لرسالة اكتبها مرارا فأتلجلج كل مرة ويتعثر قلمي منذ اول كلمة, لو وجدته بنصه وفصه, ولكن مع الاسف الشديد لم اجده في الكتاب مع انني لا احتاج الا لهذا المشق بعينه, فلست داخلا الآن في زمرة الاحباب ولا في باب العتاب, نعم ــ يضيف يحيى حقي ــ كنت اريد مشقا لرسالة تحت عنوان (رسالة من مفلس يطلب قرضا من صديق اهبل) !

تعليقات

تعليقات