في لوحاته حنين جارف نحو الانعتاق: رؤوف سمعان يبوح للريشة باسراره الزرقاء

منذ اعلن عالم النفس الشهير (فرويد) ابحاثه الخاصة بالعوامل المؤثرة في تكوين النفس البشرية اوائل هذا القرن , والحركة التشكيلية العالمية لا تزال تنهل من هذه الاكتشافات المثيرة, حيث استطاع (فرويد) ان يمنح الاحلام والكوابيس وصراعات ما يسمى بالعقل الباطن المكان المرموق في تكوين وتطوير النفس الانسانية, وبعد ان ظلت الحركة التشكيلية مقيدة طوال قرون في اجواء المناظر الطبيعية, او رسم الوجوه, واذا بالمدرسة السيريالية - التي اتخذت من ابحاث علم النفس مرشدا - تحطم المألوف والرتيب والمكرور في عالم الفنون الجميلة, وتفتح الباب واسعا امام الاحلام والكوابيس والخيالات بالانهمار فوق سطح اللوحة بدون عوائق. ويعد الفنان الاسباني سلفادور دالي (1904 : 1989) صاحب اوفر واغزر واشهر انتاج ينتمي للمدرسة السيريالية, حيث تقتني الآن المتاحف العالمية الكبرى العديد من لوحاته. ولقد هبت رياح السيريالية على مصر اواسط الاربعينات واستقبلها بترحاب الفنانان حامد ندا (1926 : 1990م) , وعبد الهادي الجزار (1924: 1966م) , اللذان استلهما الاساطير الشعبية وابدعا لنا عددا من اللوحات مثيرة للاسئلة وممتعة للعين. وها هو الفنان رؤوف سمعان يلهث خلف السيريالية ويحاول اصطياد الخفي والمكنون في النفس البشرية. في لوحة (حلم) ينحاز رؤوف - 32 عاما - الى المرأة, ذلك الكائن الذي لم يسلم من سطوة نفوذه فنان تشكيلي واحد, من اول رافائيل والذين معه حتى اصغر طالب في كليات الفنون, الجميع حاول ان يقتنص الكنوز الخفية والظاهرة روح المرأة ... في هذه اللوحة تفاجئنا هذه المرأة الحزينة والتي احتضنت نفسها بقوة بحثا عن الحماية, برغم ان اللوحة محرومة من وجود اي كائن حي !!! احاط الفنان امرأته بمساحات لونية فاقمت من الشعور بوطأة الحصار, ورغم ان رؤوف لم يتلق دراسة اكاديمية, الا انه قام باحترام النسب التشريحية لبطلة اللوحة, موضحا مسار العضلات وشكل العظام, مع التأكيد على ابراز جمال الفورم, مما يؤكد ان الفنان امتلك ناصية الحرفة بامتياز وقد قال: تعلمت الرسم منذ الصغر, ولا اعمل اي شيء في حياتي الا الرسم. احتل اللون الازرق - هذا اللون صاحب انصع سمعة في تاريخ الفنون الجميلة - موقعا معتبرا في ولحات الفنان, وفي هذه اللوحة, نجد المرأة غارقة في بحور الازرق الحالم, ذي الدرجات الظلية المتباينة, ورغم ان رؤوف ينفر من التعامل مع الالوان ببذخ, ويكتفي - بجانب الازرق - بدرجات من لون اللحم البشري, الا ان اللوحة لاحت كما لو كانت ثرية بالالوان, بسبب تعدد الدرجات من ناحية, وذلك الملمس الناعم كالحديد الذي يتمتع به سطح اللوحة من ناحية اخرى. واذا كان العمل السابق يعبر عن امرأة ترغب في الانعتاق, فان لوحة (الطفل المحبوس) تفصح اكثر عن عالم رؤوف سمعان المشحون برغبات جارفة نحو الحرية والانطلاق, فها هو الولد يمسك بأسى قضبان زنزانة, وينظر الى اسفل في لحظة يأس مروعة من هذا المصير. لم يلجأ الفنان الى تصوير الزنزانة كاملة, بل اكتفى بعمل قضيبين فقط يخترقان اللوحة من اسفل لاعلى, خلفهما وقف الطفل البائس, تحيط به عتمة الزنزانة التي تمثلت في الجدار الازرق القاتم. وفي لمحة استعراضية , احتفل الفنان بانضباط وسلامة العلاقات التشريحية لجسد الطفل, لاحظ حركة الاصابع وهي تمسك (بالقضبان) , لذلك اهتم الفنان ببؤر الضوء التي تحاول ازاحة مساحات العتمة, مثل تلك البقعة التي تضيء الكتف اليسرى, او هذا الشريط الضيق المنير الذي يفصل بين القضيب الايسر وظله على صدر الصبي الحزين. من المعروف ان اللوحات التي ابدعها كبار الفنانين العالميين مستلهمين فيها قصة السيد المسيح وامه العذراء, كان اللون الازرق فيها يستولي على مساحات معتبرة في الخلفيات وفي الملابس, بسبب الجو الحالم والصوفي الذي يفوح من هذا اللون, والذي يوائم القصص والحكايات الدينية. ويبدو ان رؤوف سمعان تأثر بهذه المعالجات , لذا نجد الازرق هنا قد فرض حضوره بقوة وامتياز على سطح اللوحة. ولعل هذا يفسر لماذا لا يلجأ الفنان الا الى التعامل مع الوان الزيت, لانها تسمح للفنان المتمكن ان يستولد من اللون الواحد عشرات الدرجات الظلية. وهذا هو ما صنعه رؤوف سمعان مع الازرق الخاص به, فملابس الطفل تمتعت بدرجات فاتحة باستثناء الطيات والثنيات, والقضبان حظيت بدرجة من الزرقة التي تشبه البحر, اما الخلفية , فقد اكتست بالازرق القاتم المضاف اليه قدر من اللون الاسود. يجب ان نلفت الانتباه الى ان اللوحات التي تنتمي الى الاتجاه السيريالي تسمح للمتلقي ان يقدم لها العديد من التفسيرات وهذا سر ثراء المدرسة السيريالية لكن يبقى في النهاية ان اللوحة ذات دلالات ورموز عديدة, تستوجب الوقوف امامها لكشف المستور. رؤوف سمعان فنان (عصامي) اذا جاز القول, اجتهد حتى امتلك اصول الصفة , لكنه مشغول بالاسئلة الكبرى التي تواجه الانسان وعندما حاول ان يقدم لها اجابات, اذا به يشغل المشاهدين باسئلة اخرى ... اسئلة ممتعة ... ومثيرة ... ولعل هذا اثمن مافي لوحات الفنان الشاب !. القاهرة - مكتب البيان

تعليقات

تعليقات