استراحة البيان: اللمحة والوجوه الغائبة : يكتبها اليوم - ظاعن شاهين

تختلف القدرات والامكانيات البشرية من شخص لآخر, ففي الوقت الذي نجد فيه أن هناك أشخاصا حباهم الله بالذكاء الحاد, والفطنة, والتقاط أدق الخيوط تعقيدا, وعرضها بشكل سهل ويسير, يجعل أكثر المتخصصين خبرة وفهما وتركيزا يحتارون لذاك العرض, وتلك الرؤية السهلة اللينة, نجد في المقابل فئة أخرى تكاد لمعة الفطنة وبريق اللمحة تغيب عن وجوههم, فترى أمامك سحنات بشرية يتقافز الغباء والجمود والخيبة من بؤبؤ عيونهم الحيرى بالأسئلة الغائبة. ومن بين علامات الاعجاب والدهشة لأولئك الأشخاص الذين يبثون في المكان حضورا وعلامات الاستهجان واللوعة لأولئك الذين يغتالون بأسئلتهم الخائبة علامات الاستفهام الثائرة, يعلو صوت الهمس الداخلي لدى البعض, خاصة أولئك الذين يبهرهم حضور أصحاب الفطنة ولمحاتهم ليصبح سؤالا قائما.. هل تلك الفطنة وذاك الحضور الطاغي لهؤلاء مصدره تدريب ومران وقراءة أم أنه هبة ربانية؟ قد نختلف على أصل اللمحة التي يتميز بها البعض, لكننا نتفق جميعا على أهمية هؤلاء في رسم صورة مختلفة للحياة المعاشة, لانهم مختلفون ويملكون مفاتيح الأسرار الضائعة. وتحمل الذاكرة العربية والشعبية الكثير الكثير من الروايات والقصص التي تدل على قدرات هؤلاء, وامكانياتهم العالية وفنهم في إدارة الكلمة بشكل مثير, حتى أن بعضهم امتهن الفطنة وجعل يعتاش منها.. وها هي ذاكرتنا الشعبية ترصد قصة أخوين يتميز أحدهما بالفطنة والذكاء واللمحة الخاطفة, بينما الآخر شخص عادي لا يملك تلك الملكة المثيرة, وكان الأخ الذكي يجالس الأمراء وكبار القوم ويقص عليهم حكايات ينسجها من بنات أفكاره على أنها حقائق واقعة, وكان هؤلاء يغدقون عليه كثيرا, الأمر الذي أدخل الغيرة إلى قلب أخيه الذي لا يملك طعام يومه, وهنا فكر الأخ طويلا, وردد بينه وبين نفسه قائلا: ما الذي يفعله أخي غير تأليف الحكايات والقصص, هذا الأمر السهل الذي بامكاني صنعه, لماذا لا أحاول وأقتحم هذا المجال الذي سيدر عليّ الكثير.. بهذه الكلمات رسم الأخ لنفسه صورة سهلة لخطوته المقبلة فماذا حدث؟ اقتحم صاحبنا مجلس الأمير فسلم وعرّف نفسه, وعندما دارت الأحاديث والحكايات تبرع صاحبنا للأمير بقصة أشار خلالها إلى أنه كان في رحلة صيد فلمح من بعيد ظبيا بين الأشجار فعمر بندقيته وأطلق النار على ذاك الظبي فأرداه من تصويبة واحدة, إلا أن المثير ــ والكلام على لسان صاحبنا ــ أن الطلقة دخلت من يد الظبي وخرجت من رأسه, وهنا نهض الأمير غاضبا, لأن الكذبة كبيرة ولا تنطلي على أجهل الناس وأحمقهم فكيف يستخف هذا بالمجلس والحضور, وما هي إلا ثوان معدودة على تلك النهاية التي أغضبت الأمير حتى دخل عليهم الأخ صاحب الحكايات المثيرة ذاك الذي تلمع عيناه ببريق الفطنة والذكاء, فخاطبه الأمير غاضبا: أسمعت أخاك كيف يستخف بمجلسي؟ وهنا تساءل الأخ عن الحكاية التي أغضبت الأمير, فرواها الأمير مستهجنا, فما كان من الأخ إلا وناصر أخاه قائلا: نعم أيها الأمير لقد قال أخي الحقيقة وأصابها, لقد كنت معه عندما صوب على الظبي, كان الظبي أيها الأمير يتسلق إحدى الأشجار رافعا يده باتجاه رأسه وهنا صوب أخي بندقيته فأصابت الطلقة يده وخرجت من رأسه. وأمام تلك اللمحة الذكية اقتنع الأمير, وتمكن الأخ من انقاذ أخيه من غضب لا يعرف عاقبته. * * * * * وتشير الذاكرة الاسلامية في هذا المجال إلى أن البادية قحطت في أيام هشام بن عبدالملك فقدمت عليه العرب, فهابوا أن يكلموه, وكان فيهم درواس بن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة, فوقعت عليه عين هشام, فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل, حتى الصبيان, فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا, فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيا, وانه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فان أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته, فأعجبه كلامه وقال له: انشره لله درك. فقال: يا أمير المؤمنين انه أصابتنا سنون ثلاث, سنة أذابت الشحم, وسنة أكلت اللحم, وسنة دقت العظم, وفي أيديكم فضول مال, فان كانت لله ففرقوها على عباده, وان كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم, وان كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فان الله يجزي المتصدقين. فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا, فأمر للبوادي بمائة ألف دينار, وله بمائة ألف درهم, ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين, فخرج من عنده وهو من أجل القوم. وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه, أأنا أطول, أم أنت؟ قال: الأمير أطول, وأنا أبسط قامة. وقال ملك لوزيره: ما خير ما يرزقه العبد, قال: عقل يعيش به, قال: فان عدمه, قال: أدب يتحلى به, قال: فان عدمه, قال: مال يستره, قال: فان عدمه, قال: صاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد.

تعليقات

تعليقات