استراحة البيان: يا صبح ليلي اللي طول : يكتبها اليوم- محمد حماد

يشجيني صوت ام كلثوم اكثر ما يشجيني في (ليالي الغربة) , وليل الغربة في قبرص كان طويلا وثقيلا ووحيدا يبدأ من الثامنة مساء حين انهي عملي, ولا ينتهي الا مع شقشقة الفجر الاولى حيث يغلبني سلطان النوم, ويهزمني تحالف النعاس والارهاق . في تلك الساعة, وفي الربع الثالث من الليل يأتيني صوتها مليئا بلوعة الحب والصبابة, مسكونا بالهجران, فيركبني الشوق حنينا, ويتلبسني الحنين شوقا, ويكاد يقتلني التوق الى الضفة الاخرى من البحر. واهل قبرص ــ لمن لا يعلم ــ بهم عادات وخصائص اهل الجزر, منغلقون على انفسهم, هيابون للذي يأتي من المجهول, من عتمة الماء, وبعد الثامنة مساء كنت تمشي في شوارع (نيقوسيا) فلا تجد صريخ ابن يومين, فقط سيارات بكل الطرز وبكل الالوان تمر بجانبك كالبرق, ونيقوسيا مدينة لا تعرف المشاة وعاصمة للصمت, وكنت اتلذذ بالمشي ــ وحدي دون شريك ــ تحت وابل من المطر, ووسط اجواء من الصقيع, اتسكع امام واجهات المحلات, او اقف مشدودا الى طراز معماري, اجري هائما على وجهي يدفعني شعور الوحدة باتجاه البحث عن (ونيس) لا اجده, ومن جديد تحط رحالي في بيتي منهوك القوى وحيدا مع صوت ام كلثوم. وأغمض عيني على صوتها يقول: (سهران لوحدي أناجي طيفك الساري سابح بوجدي ودمعي ع الخدود جاري) . ----- في تلك الساعة من ساعات الليل كنت امضي الى يوسف في جوف البئر, اشد على يده, اعانقه وامسح عن عينيه الحزن وابشره بملك مصر تجري من تحته الانهار والاحد عشر كوكبا يجيئونه سجدا كان يسألني: مابال النسوة اللائي قطعن ايديهن؟ وكنت أطمئن قلبه, واشد من أزره, وهمست اليه ان امرأة العزيز سوف تقر بإدانتها وسوف تعترف له بالبراءة , وسيشهد شاهد من أهلها ان (كيدهن عظيم) وسيرفعك الملك اليه, ويجلسك على العرش, كنت اواسي نفسي فيه وامسك حلمي حتى لا يفلت من يدي. واطرحني من نفسي الاقيني ثلاثه قول خمسة قول عشرة مش عارف اصل الواحد لما بيحب بيكتر وانا هايم حب عايش بتسعتاشر قلب شايل جوايا النسمة الصابحة الطالعة من البير اياه بير يوسف واخوانه الحداشر بينادوا: يا قمرنا هل وطل دا السما ملانة بالضل والشمس زاحفة وراه يا قمرنا هل وطل وكان صوت ام كلثوم يعيدني الى شجني وشوقي وكل حنيني. ----- في تلك الساعة من ساعات الليل كنت اشد رحالي الى يونس في بطن الحوت, فوقه ماء وتحته ماء, تحيط به ظلمة الغربة, وغربة النفس عما يحيط بها, يملؤه الىأس وتلعب به الظنون, احكي له الحكايات, واقص عليه نبأ الذين تغربوا من قبل ومن بعد, ولكنهم تمسكوا بحلمهم, وامسكوا بقدرتهم على تحقيق اسطورتهم الذاتية, كنت اقول له: استمع الى قلبك واستفته, توغل في وحدتك برفق, وعاشر غربتك بالمعروف ولا تنسى ان يوما سيجيء وانت تشق بطن الحوت الى الرحابة حيث العالم فسيحا والناس تلتف حولك ويأتينك الرجال سعيا. كنت اقهر طول ليلي, ووحدتي وشجني وشوقي والساعات الاولى من فجر كل يوم في الغربة بالحديث اليه والائتناس بــ (يونس) و (يوسف) بأشهر من عانوا الوحدة والغربة في تاريخ البشرية. وكان صوت ام كلثوم يمنحني العافية ويذكرني بالشطوط التي هربت من تحت اقدامي, وبالبحار التي من خلفي, وبأعداء من امامي يترصدون خطوي وبأنه لا منجا ولا ملجأ لي من الغربة الا بالعودة: بالاحضان يا حبيبتي يا أمي يا بلادي يا غنيوه ف دمي على صدرك ارتاح من همي وارجع اخدك بالاحضان ----- في تلك الساعة من ساعات الليل كان صوت ام كلثوم يحملني الى ملاعب الصبا, ويدخلني الى حواري بولاق الدكرور, يحملني الى شوارع المهندسين, كان يهيج فيّ كل الشوق الى كل الناس, الى الاصدقاء الذين غابت صورتهم او غامت والى الاصدقاء الذين لا تزال صورهم محفورة في القلب, الى الحبيب الذي غدر وهجر, الى المحبوب الذي مازال يملأ فضاء القلب والخيال, كان صوت ام كلثوم يبعث كل هؤلاء امامي بشرا سويا, يبث فيهم الحياة وينعش الذاكرة بكل التفاصيل وبشتى الصور بايماءه سلبت لبي, وبابتسامة ردت اليّ قلبي, بدعوات أمي وهي عارية الرأس: (إلهي يحبب فيك خلقه, حتى الحصى في ارضه) بتنورة اول حب بريء ترفعها ريح عابثة ولاتزال تسكن ذاكرتي لا تبرحها, بساعة (الصبحية) ونحن في الطريق الى المدرسة, بطبق الفول على (عربة) بشارع جانبي, بعم (جودة) فراش المدرسة, بي وانا امسك المذياع لكي ألقي على الطابور حكمة الصباح بصوت رفيع, صغير, وبريء: ( من جد وجد ومن زرع حصد) , بأيام (الشقاوة) وبليالي الشقاء, بعبث الصغار وتعب الكبار, بأعواد القصب في ليالي الشتاء حول المدفأة, بيد ابي توقظني في جوف الليل: (قوم اتسحر) , بنشيد: الله اكبر.. فوق كيد المعتدي, بأصواتنا تعلو الى عنان السماء في طابور الصباح: عاشت الجمهورية العربية المتحدة, بمظاهراتنا في الجامعة وهتافاتنا: (سيد مرعي ياسيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه) بشارع الجامعة, وبشارع (الضباب) , بالشوارع الخلفية امسك يد صغيرتي وينبض داخلي الحب الأول, واللمسة الاولى, بأول مرة قلت فيها: أحبك, بالتسكع على الكورنيش بالاسكندرية, بساندوتش فول بالزيت الحار. كانت الصور بكل ظلالها واضاءاتها تجيء مع صوتها بالليل, وكانت التفاصيل بكل ملامحها, بكل رتوشها, حلوها ومرها, كانت كلها تجيء مع صوتها, كان كل ذلك واكثر منه يجيء مع صوت ام كلثوم في تلك الساعة من ليالي الغربة. ----- الغربة ليل ووحدة وليل الغربة طويل ووحيد وكثيف وصوت ام كلثوم انيس وحدتي وشجني وشوقي الذي لا تخمد ناره, ولا اذكر انني عمدت الى سماع صوت ام كلثوم في أيام وليالي القاهرة, دائما يجيئني صوتها في اي وقت عبر مذياع الجيران او ساعة العصاري عبر المحطة الاذاعية المسماه باسمها, ولكني ابدا ما وضعت المسجل امامي واصغيت الى صوتها منه الا في ليالي الغربة. في مصر يتبعني كظلي صوت فيروز, اسمعه وانا اكتب شعرا او نثرا , واسمعه وانا في الحمام, وانا في حجرة النوم, في السيارة, او في العمل, في كل مكان وزمان القاهرة يعيش معي صوت فيروز الا في الغربة يستحوذ عليّ صوت ام كلثوم ولا يفسح لغيره مجالا الا في اضيق الحدود. صوتها وحده الذي يخمد نار الحنين عندي... ويوقدها. صوتها وحده هو الذي يطفىء لوعة الشوق لديّ... ويشعلها. صوتها وحده الذي يجعل دمعي يساقط.... ويجففه صوتها وحده الذي يقدم ملخصا وافيا وعبقريا لمصر في الغربة: شمس الأصيل ذهبت خوص النخيل يانيل تحفة ومصورة من صفحتك ياجميل. ----- وفي القاهرة, وبعد العودة, تعود اشرطة الكاسيت الى مخبئها, ويلعلع صوت عبد الحليم ليملأ ساحة القلب: ياما لفيت سواح متغرب وانا دمي بحبك متشرب ابعد عنك قلبي يقرب ويرفرف ع النيل عطشان بالاحضان بالاحضان بالاحضان بالاحضان يا بلادنا يا حلوة بالاحضان

تعليقات

تعليقات