المخرج السينمائي المغربي عبد الرحمن التازي: بين المشاهد العربي والفنون البصرية علاقة اشكالية

قبل ان يدخل لدراسة السينما كانت لدى المخرج السينمائي المغربي عبد الرحمن التازي رغبة في التواصل مع الجمهور دفعته لممارسة اكثر من وسيلة اتصال منها الصحافة حيث عمل مصورا صحافيا واشرف على مجلة اسبوعية لكنه وجد ان افضل طريقة للتواصل هي الصورة خاصة في مجتمع يعاني من الامية, كان ذلك في الستينات قبل انتشار التعليم والتلفزة على هذا النحو الواسع, وبعد دراسته عمل مديرا لتصوير كثير من الافلام واخرج عددا من الافلام القصيرة, وحقق فيلمه الروائي الاول سنة 1981 وساعد في تصوير افلام اجنبية جرى تصويرها في المغرب, ولديه الآن شركة انتاج تنتج للآخرين اكثر مما تنتج له, وهو يفضل ان يسمي نفسه صانع سينما في بلد لا تملك صناعة سينمائية ولهذا يتحدث عن صناع تقليديين بالنسبة للعالم ويعني في الوقت نفسه السينما الجيدة والجادة ... معه دار الحوار التالي: - ثمة اسباب تكمن وراء الأمية البصرية المنتشرة في العالم العربي وهي تظهر في كافة الفنون البصرية, كيف تفسر هذا؟ - في الحقيقة هناك مشكلة لدينا في فهم الصورة حيث نمتلك علاقة اشكالية مع الفنون البصرية عامة كما اشرت وهي تظهر في التشكيل مثلا وفي النحت على نحو خاص وربما كان من حسن حظي انني عملت في مناطق غربية مثل اسبانيا وامريكا وفرنسا لكنني في الوقت نفسه عربي وكل المشكلات التي تدور في ذهني لها علاقة بالمجتمع المغربي وهو جزء من المجتمع العربي ولهذا يعنيني ان يرى افلامي الجمهور العربي وربما تتضح المشكلة اذا تذكرنا ان السينما العربية مازالت ضعيفة في تقنياتها وصورتها الامر الذي يجعل الاقبال عليها ضعيفا, ايضا مما لاشك فيه هو ان هذه الفنون مازالت غريبة على الفهم العربي الذي اعتاد على القول او الكلام المباشر. - هل تعتقد ان ضعف الانتاج السينمائي العربي المشترك كان سببا في هذا الفقر في المشهد السينمائي العربي؟ وهل يمكن ان يحل جزءا من هذه الاشكالية لو كان اكثر اطرادا وازدهارا؟ - ربما كان هذا صحيحا لكن الواقع يقول ان هذا الانتاج لم يحصل رغم وجود الامكانيات المالية والتقنية فنحن نملك المخرجين والممثلين وكوادر التصوير لكن للاسف يحصل هؤلاء على الدعم من الغرب. والغرب في حالتي هي فرنسا او صندوق الجنوب الذي اظهر اكثر من عشرة افلام مغاربية ومصرية الى الوجود, وحبذا لو كان هذا الدعم عربيا, في الحقيقة هذا جانب من المشكلة لكن تبقى هناك مشكلة ثقافية عربية لا تتعلق بالسينما وحدها بل تمس الكثير من مظاهر الفكر والثقافة وحتى الاقتصاد والسياسة مما يؤثر على السينما, ان عدم وجود تبادل عربي تجاري ادى الى عدم وجود تبادل سينمائي لان السينما تجارة في جانب مامن جوانبها, ولخلق صناعة سينمائية عربية لابد من الانسجام على كافة الاصعدة, اما انتاج افلام مشتركة فهذه معضلة بحد ذاتها , اذ ماهي القضايا او المشكلات العربية التي يمكن ان تتفق عليها كافة الدول العربية وبالتالي تسمح بتداول الافلام التي تعالجها, ثم بأي لهجة ننجز هذه الافلام المشتركة, وهل سيفهم المشرقي اللهجة الليبية او المغربية او الجزائرية على سبيل المثال وحتى لو لجأنا الى لغة الصحافة فلابد من اطار يحقق لنا الوصول الى كل مشاهد عربي وهو امر يكاد يكون مستحيلا, والحل في تقديري يكمن في انتاج افلام جوهرية في البداية, ويمكن اعتبار الدول المغاربية جهة, ومصر وسوريا ولبنان جهة وبعد فترة ربما ننجح في الانتاج العربي المشترك. - في فيلمك الاخير (البحث عن زوج لامرأتي) التقطت جماليات كثيرة على مستوى الصورة وتكوين المشهد السينمائي وعالجت مشكلة تعدد الزوجات من وجهة نظر ساخرة لاتخلو من الجماليات الفنية هل اردت من خلال هذا الهزل ان تمرر بعض القضايا التي يصعب الحديث فيها على نحو واضح؟ - ما زالت العلاقة بين المرأة والرجل في المغرب والعالم المغربي اشكالية رغم وصولها لميادين كثيرة وقيامها بادوار عظيمة, حيث تبقى معاملة الرجل لها غير انسانية ولهذا حاولت في هذا الفيلم معالجة مشكلة المرأة لكونها واحدة من المشكلات الجوهرية التي يعيشها المجتمع, اما السبب في اختيار الاسلوب الكوميدي او الطريقة الهزلية فهو ان هذه الطريقة تتيح لي فعلا تمرير الكثير من الافكار التي ارغب في ايصالها ومنها ان هذا الرجل القوي خارج بيته ينقلب طفلا مع زوجته الاولى ويعاملها كأم, كما اردت ان ابرز ان المرأة رغم كل تحررها تبقى اسيرة للضغوط الاجتماعية التي تجبرها على الزواج من رجل يكبرها سنا وذلك من خلال الزوجة الثالثة الفقيرة التي اجبرت على الزواج من رجل كبير وغني لتعيل اسرتها وتخفف الاعباء عن والدها المشلول, ومع ذلك تتمرد على الوضع الجديد لكنها اذ تخرج للشارع تجده اكثر قسوة ولايرى فيها غير الانثى فتفضل العودة الى الزواج غير المتكافىء مرة اخرى. - هل لا تزال هذه المشكلة قائمة في المغرب رغم قانون الاحوال الشخصية الجديد الذي يضع قيودا صارمة على الزواج الثاني؟ - شخصيا عشت في عائلة عرفت تعدد الزوجات وجدي كان متعدد الزوجات ومحمد عبد الرحمن التازي في الفيلم هو الطفل وهناك الكثير من الاشياء الشخصية موجود في الفيلم, لكن علي ان اذكر هنا ان الشريط خرج الى الوجود العام 1994 اي قبل مراجعة قوانين الاحوال الشخصية في المغرب ورغم انه لايلبي الطموح الا انه افضل من كثير من القوانين المتبعة في دول عربية اخرى, وربما كان الشخص متعدد الزوجات مفقودا الآن في المغرب بسبب ظروف الحياة الاقتصادية لكن هذا النمط لايزال موجودا في البادية هذا من ناحية, من ناحية اخرى لهذا الشريط قصة وهي انني حين حققت فيلمي (برديس) الذي حقق نجاحا كبيرا في امريكا واوروبا وحصل على جوائز كثيرة لم يحقق النجاح الجماهيري في المغرب وكان جمهوره للاسف قليلا عندها قررت ان انجز فيلما اكون انا اول من يشاهده اي فيلما لنفسي, فكان هذا الفيلم الذي يروي جزءا من حكايتي ويعالج واحدة من قضايانا العربية المعاصرة. - يحظى موضوع المرأة في الغرب باهتمام خاص وبعض المخرجين يتسولون رضا الغرب في معالجتهم للقضايا العربية والاسلامية خاصة موضوع المرأة, كيف تمكنت من الخروج من هذا التوجه رغم المنحة الفرنسية للفيلم؟ - بالنسبة لي اردت فيلما يعالج الموضوع بهدوء وبشكل فني بعيد عن الطروحات السياسية او حتى الاجتماعية المسيسة ولهذا اخترت الشكل الكوميدي ليصل الى جميع الناس وركزت على كوميديا المواقف وليس كوميديا الشخصيات او الحركات وتجنبت ان اقدم تنازلات للغرب لان النجاح ينبغي ان يتحقق من خلال التقنيات والابداع الفني وهو الامر الذي كان يؤرقني طوال حياتي, كما انني عملت في شروط موضوعية ولم يكن في المنحة او الدعم الممنوح لي من الصندوق الفرنسي اية شروط لها علاقة بحرية القول او التناول. - تعيش السينما الجادة الآن اكثر من اي وقت مضى مشكلة في الوصول الى المشاهد بعد طغيان القنوات الفضائية وما تقدمه من الافلام, وضعف الاقبال على شراء هذه الافلام من محطات التلفزة واللجوء الى عرض القديم منها او استبدالها بالبرامج المفتوحة وغيرها من التحديات والمشكلات, في ظل هذه العقبات الكثيرة كيف يمكن للسينما الجادة ان تصل الى المشاهد؟ - في هذا الموضوع يمكن الحديث عن شاشتين: الشاشة الكبيرة او السينما وهذه عدد قاعات عرضها قليلة جدا وسوف تقل اكثر بسبب ظهور القنوات الفضائية واتجاه المشاهدين لها, اما الشاشة الصغيرة فلا بد للقائمين عليها من التقدم في فهم الثقافة في ظل التغيرات الهائلة في الاتصال والتعدد الكبير في القنوات, ولكي نجذب جمهورنا العربي الى قنواتنا علينا ان نقدم افلاما متميزة عن الافلام الغربية خصوصا وان عدد المتفرجين يحدد ميزانيات هذه القنوات, انا متفائل بهذه القنوات اذا استطعنا الاستفادة منها في تقديم الفيلم الجيد للجمهور لاننا نسهم بذلك في الارتقاء بوعيه وتذوقه الفني, وهو امر لم يكن سهلا في الماضي واذا كنا في الشاشة الكبيرة نواجه صعوبة في احضار المشاهد ليرى الفيلم فان القنوات تقوم الآن باحضار اي فيلم من العالم للمشاهد في بيته, هذه فرصة مهمة جدا علينا استثمارها وتسخيرها على نحو يخدم السينما الجادة والا ستطغى الافلام الرديئة - وقد حدث هذا على نحو كبير - وتتفاقم خطورتها الى الحد الذي يصعب علاجه. - نقول دائما ان المخرج هو الفيلم وبعضهم يحلو له ان يسميه دكتاتور العمل, كيف تتعامل مع طاقمك الفني وهل تسمح بالحوار والمناقشة ام تفرض ما تراه؟ - لست دكتاتورا ونحن نعمل معا كفريق لاسيما وانا اعمل مع فريقي منذ زمن طويل مما خلق بيننا نوعا من التفاهم العميق, انني وفي للممثلين الذين يعملون معي واحب ان اعمل معهم دائما. - بما انك اخرجت الكثير من الافلام الوثائقية والروائية, ما اهم الفوارق بين الوثائقي والروائي؟ - عملت كثيرا في مجال الافلام الوثائقية الموجهة او التي تهدف الى تحقيق هدف معين ومحدد, وكانت هذه الاشرطة تصل الى الجمهور وتحقق الهدف, بعضها كان حول استخدام الاساليب الزراعية الحديثة, وبعضها يقدم التوعية الاجتماعية في اطار تجمع يسمى نساء المغرب العربي 2000 حيث انجزت افلاما قصيرة جدا حول معاملة الرجل للمرأة وبعض القضايا الاجتماعية كالبطالة وكانت هذه الافلام مطلوبة من وزارات او ادارات ليس لها توجيه سياسي بل كان الهدف الاسهام في تقدم المجتمع, وحرصت في هذه الافلام ايضا على الجماليات الفنية فلم اقدم فيلما تعليميا او مباشرا بل اعتمدت القصة والحكاية لكي يحصل المتفرج على المتعة والفائدة معا, وعملت في المجال الروائي وحرصت على الامر نفسه, ما اريد قوله هو : ان ما يحدد اسلوب الفيلم وامكاناته الفنية هو المخرج وفريق عمله ورؤيته السينمائىة وابداعه وليس موضوع الفيلم , كثيرة هي الافلام الروائية التي قدمت بتقنيات افقر من تقنيات اي فيلم تسجيلي جيد , وكثيرة هي الافلام التسجيلية التي تختفي منها اللغة او الكتابة السينمائية الجميلة, وهناك الآن كتابة بالسينما تماما كما يكتب الكاتب لغته بالشعر او المسرح او الرواية. - ما اهم المشكلات التي تعاني منها السينما المغربية؟ - تكمن مشكلة السينما في المغرب في انها قطاع خاص وليس هناك ممولون يغامرون في السينما وهم يفضلون استثمار اموالهم في السياحة او الصناعة او الزراعة لتعود عليهم بارباح اكبر, ذلك ان الفيلم السينمائى قليل الارباح اذا قيس باية تجارة اخرى حيث الجمهور قليل, وثمن التذكرة ضئيل, والقاعات تتقاضى نصف العائد وللموزع ايضا نصيب وهكذا لا يبقى للمنتج سوى 18% من دخل الفيلم, واضرب مثالا بفيلم ( البحث عن زوج لامرأتي) الذي شاهده اكثر من ثمانمائة الف متفرج وحقق نجاحا كبيرا رغم ذلك لم يغط مدخوله داخل القاعات في المغرب تكاليف انتاجه , واعتقد ان احد حلول هذه المشكلة هو اتباع سياسة ليبرالية بحيث يتم التبادل في مجال السينما لحل هذه الاشكالية فنحن نستورد اكثر من اربعمائة شريط اجنبي ولابد من مبادلتها بالفيلم العربي بالمقابل, وهناك محاولات جادة الآن لتشارك قنوات التلفزة المغربية في الانتاج والدعاية والبحث عن ضمانات لايجاد ممولين ومنذ بداية هذا العام اصبحت للسينما امكانيات افضل بفضل تفهم ووعي وزارة الثقافة بضرورة المشاركة في حل هذه المشكلة والبحث عن امكانيات اخرى لمساندة السينما. - ماذا عن مشروعاتك المقبلة؟ - منذ سنين احاول اقتباس قصة مغربية تتسم بالاصالة ولها علاقة بالمجتمع المغربي لاننا فقدنا الكثير من الاشياء الاصيلة في الحياة المعاصرة, قد وجدت مؤخرا قصة للكاتب احمد توفيق وهو استاذ جامعي مهتم بالتاريخ وهذه اول رواية له وحين قرأتها اعجبت بها وطلبت منه تحويلها الى فيلم سينمائي وهو ما اشتغل عليه الآن مع سيناريست متخصص. - يرى الروائيون ان الاعمال الروائية التي تتحول الى افلام سينمائية تفقد الكثير من مناخاتها ولا تقدم على نحو جيد؟ - بالطبع لان العمل السينمائي مختلف عن الكتابة الروائية لكن هذا لا يعني ان السينما قدمت الرواية على نحو غير جيد بل قدمت شكلا جديدا من اشكال الابداع وفنا آخر مختلفا تماما عن فن الرواية, وحين نرى كيف تحولت رواية لكافكا الى فيلم سينمائي نجد امامنا ابداعا جديدا لا يمكن الا ان نحترمه. المخرج المغربي محمد عبد الرحمن التازي حوار - شهيرة احمد

تعليقات

تعليقات