في حدث يعود الى 400 قبل الميلاد: سقراط يحاكم قضاته بموته.. مروان الرحباني: المسرح ليس درسا انشائيا في التاريخ ، آخر أيام سقراط أضخم عمل مسرحي يشهده لبنان

في لبنان حدثان بارزان في الشارع الثقافي (تيتانيك في السينما) وسقراط في المسرح. بهذه المقدمة المدهشة استقبلنا مروان الرحباني مخرج مسرحية (اخر ايام سقراط) التي تعرض حاليا على مسرح كازينو لبنان . وبهذه المقدمة أراد ان يفتتح الحوار معه حول هذا العمل العملاق شكلا ومضمونا وكنت قد اطلقت العنان لبصري كي يجول في مكتبه الذي تربكه الفوضى المنظمة والذي يمكن الوصول اليه عبر درج حديدي يتوسط صالة كبيرة, تصعد الدرج بهدوء الى رواق يفضي لغرفة المكتب حيث رسم قديم لجيفارا وسيجار عملاق على طاولة الركن واشياء مهملة ربما متروكة عن قصد في الزوايا مع طاولة ضخمة تتوسط المكان وتتكدس فوقها مجموعة اوراق او كتب او اشياء لها علاقة بتلك الفوضى الآسرة التي حولت بصري عنها الى مروان الرحباني بلحيته التي تغطي جزءا من وجهه ورأسه الحليق ونظارته الهاربة من كتاب الاساطير لستقر فوق انفه, وخيل اليّ لبرهة انني اتحدث الى احد جنرالات امريكا اللاتينية الذين صورهم في رواياته ماركيز ولكنه لم يكن جنرالا البتة, بل لعله فلاح تمدن, او جبلي اسقطه البركان في هذا المكان. مروان الرحباني ينتمي الى جيل الرحابنة الابناء الذين لم يكملوا مشوار الآباء تقليدا فقط بل طوروه وادخلوا عليه من روح الشباب ما يمكن وصفه بثورة الاجيال على ماضيها وما يمكن ان نسميه ايضا اضافة وتعميرا للصرح العملاق الذي بناه الرحابنة. ولمروان الرحباني (المخرج) اهتمامات موسيقية ودعائية وسينمائية ترجمت الى مجموعة اعمال اهمها (ميوزيك هول 1983) والانقلاب (1995) في المسرح وكان سبق ان قدم فيلمين للسينما احدهما قصير 1975 واخر غنائي عام 1979 ويدير حاليا شركة انتاج تلفزيوني واعلاني بدبي حيث مكتبه الاسود الغامض, وحيث قال لنا اشياء كثيرة عن مسرحية منصور الرحباني (والده) اخر ايام سقراط وسجلناها في هذا الحوار المفرط في جديته: سقراط هو اول شهيد للحقيقة في التاريخ قال لنا مروان الرحباني ثم تابع: ولذلك اختاره منصور الرحباني المحب للتاريخ بطلا لنصه هذا ليس بالمعنى الببلوغرافي ولكنه تناول حياته في فترة معينة, عندما كانت اثينا دولة العلم والثقافة والفن والحضارة, اما اسبارطة جارة اثينا فقد كانت دولة العسكر والعنف والرياضة والعضلات ويحدث ان تحتل اسبارطة دولة اثينا وتعين حاكما على اثينا هو كريتياس احد تلامذة سقراط, وهو بدوره يعين حكومة من ثلاثين وزيرا عرفوا عبر التاريخ بالطغاة الثلاثين وبدأوا يمارسون دورا ظالما على الشعب من ضرائب ونفي وهدم لصرح الديمقراطية وخلقوا مفهوما حزبيا تحت مسمى النخبة الحاكمة الغنية وقد تململ الشعب من تصرفاتهم, ولكن الديمقراطيين يستولون على السلطة من كريتياس ويطردون جيش اسبارطة, غير ان هؤلاء ايضا كانوا ضد الشعب, فانقلب عليهم سقراط, ولكن ذلك لا يعني انه كان متمذهبا معهم في مسألة حزبية بل كان مناديا بالعدالة والديمقراطية فتقع محاكمة سقراط المشهورة حيث حكموا عليه بشرب السم, وقد حاول بعضهم تسهيل فراره من السجن ولكنه رفض لان كلامه كان عمق وعين الحقيقة فقال لهم: هل هناك مكان خارج اثينا لا موت فيه, فقالوا: لا, فقال اذن عليكم بمنعي من الهرب لو حاولت ذلك. وهذا يعني انه كان اسير مواقف اتخذها خلال حياته ويقضي سقراط نحبه بشرب السم وينتصر عليهم, لانه حاكمهم وحكم عليهم بموته فكل الذين حاكموه ذهبوا الى النسيان بينما ظل سقراط حيا في اذهان الناس. ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين هناك اناس لهم الحق في قول كلمتهم لان الدم هو حبر الحقيقة كما يقول منصور في مسرحيته. هذه باختصار الخيوط الاساسية لمسرحية اخر ايام سقراط. - لماذا اخترتم سقراط اليوم؟ ــ لاننا بحاجة الى سقراط اليوم اكثر من اي وقت مضى. - هل كنتم تقصدون بقعة جغرافية معينة حين اخترتم هذا الحدث وهذه الشخصية؟ ـ هذه المسرحية لم تكتب لاجل اسقاطات معينة, فقد ظلت حبيسة ادراجها تسع سنين اي قبل ان يكون هناك ثلاثون وزيرا في لبنان, وتأخر ظهورها هذه المدة لان التمويل لم يكن متوفرا انذاك ولم تكن هناك خشبة تستطيع استيعاب هذا العمل العملاق ولذلك عندما اعيد افتتاح مسرح كازينو لبنان جاءت الفرصة المناسبة لعرضها وتصادف عرضها مع متغيرات محلية ودولية كثيرة. - كم استمرت فترة الاعداد لهذه المسرحية؟ ـ تراوحت الفترة ـ اقصد تحويل النص المكتوب الى مسرحية ـ خمسة اشهر من التمارين والاعداد للانتقال بعدها الى الخشبة وحققت رقما قياسيا عندما استطعت خلال 22 يوما من التدريبات الجادة على الخشبة ان يظهر هذا العمل بهذه الاهمية. - كونك ابن كاتب المسرحية هل كان لذلك علاقة لطبيعة فهمك ثم تنفيذك للنص؟ ـ اعتقد ان لكل مخرج رؤيته لنص سقراط ولكنني اتصور انني استطعت ان اقدم الصورة الاقرب لما بذهن منصور الرحباني. - من وضع الالحان؟ ـ في المقدمة منصور الرحباني, واشترك معه مروان وعذي واسامة الرحباني, قد سجلنا الموسيقى مع الاوركسترا السمفونية لمدينة كييف, لان الموسيقى كانت جزءا مهما من العمل, ولجأنا الى التسجيل الخارجي لعدم توفر الكثير من الادوات الموسيقية هذا بالنسبة للموسيقى السمفونية اما الشرقية فقد سجلناها في بيروت. - كم بلغ عدد العاملين في المسرحية حتى لحظة ظهورها على الخشبة؟ ـ حوالي 500 شخص ساهموا في اظهار المسرحية بهذه الصورة. - الا تعتقد ان هذا يعتبر رقما كبيرا هذه الايام وخاصة ان المسرح يتجه نحو المنودراما؟ ـ هناك عدة اعتبارات اهمها ان الناس لا تقبل من منصور ما تقبله من غيره, لان هناك نظره معينة باتجاه هذا النمط من الفن, وعندما يضع منصور الرحباني توقيعه على العمل هذا يعني الفخامة والضخامة والجمال والقوة ... الخ. لذلك اقول ان المسرحية تكلفت الكثير انتاجيا لانها عمل ضخم وعملاق. ثم ان موضوع المسرحية وطبيعة احداثها تفرض الكثير من الاشخاص والازياء والديكورات والمؤثرات حتى يعيش الناس الحدث بحقيقته ولم يكن سهلا مسرحة النص دون اللجوء الى المشهدية الى الصورة التي تعلق في ذاكرة المشاهد, لقد قدمنا 650 زيا وكتل عملاقة من الديكورات ليس بقصد الابهار ولكن اردنا ان نقارب الحدث التاريخي بذاته وان نتمثله على المسرح. - هل استقدمت هذه الجمل البصرية من السينما؟ ـ بالطبع لانني مخرج سينمائي اولا, فعندما قدمت مسرحية الانقلاب مع عذي الرحباني قيل ايضا انني استفدت من السينما, ولا اجد ضررا في ذلك طالما اخدم عملي بالنهاية واقدم شكلا جميلا يستقر في الذاكرة. - كيف تمت الاستفادة من طاقة ممثل مجتهد كرفيق علي احمد؟ ـ هذا الممثل طاقة تمثيلية عالمية وهي المرة الاولى التي اتعامل بها معه, وبصراحة لديه تقنية جسدية عالية وينفذ المشهد بدقة, وغنى بصوته خلال المسرحية بعد ستة اشهر من التمارين, وادى بطريقة غنائية درامية رائعة. - وماذا عن هدى؟ ـ هدى ظهرت بدور اكزنيتبي زوجة سقراط وهي امرأة بسيطة لا تهتم بالفلسفة وكان جل شأنها ان يجلس سقراط في بيته ليهتم بأولاده, وكانت مصدرا يكثر من تجارب الحكم او الاقوال لسقراط حيث قال عنها مرة محدثا احد تلامذته: يابني اذا رزقك الله زوجة فاضلة طيبة تعيش حياة سعيدة هانئة وبسيطة, ولكن اذا رزقك الله بامرأة قوية ومزاجية ستصبح فيلسوفا. -عادة عندما تقدم الاعمال التاريخية يعتمد المؤلفون على وثائق تاريخية ثابتة كما حدث في شخصيات رواية ليون الافريقي لامين معلوف, او في بعض الافلام السينمائية, هل اعتمد منصور على الوثيقة كمرجع تاريخي لاخر ايام سقراط؟ ـ منصور دارس كبير للتاريخ وما قدمناه اشياء ثابتة وكلها شخصيات حقيقية عاشت في ذلك العصر وحتى لا يتحول المؤلف الى شارح تاريخ والمسرحية الى محاضرة عن التاريخ كان لابد من الخيال ليضيف نكهة الى العمل المسرحي, ودليلنا على ذلك قصة الحب في فيلم تيتانيك, الحدث هو غرق السفينة وهذه حقيقة معروفة ولكن اضافة قصة الحب الى الفيلم اعطت نكهة روحية للفيلم وجعلت المشاهد يتابع قصة الحب ربما اكثر من قصة الغرق ذاتها. لذلك ايضا لدينا في المسرحية شخصية تيودورا من تلاميذ سقراط التي تغار منها اكزينتبي وهي جميلة واضفت على العمل نكهة وخفة محببة. في التاريخ نأخذ عادة الخطوط العريضة وفي التفاصيل نبني ونخلق الاحداث دون المساس بالمسلمات او بتلك الثوابت التي تشكل العمود الفقري للقصة, فمحاكمة سقراط استمرت ثمانية ساعات فعليا ولكنها على المسرح كانت اثني عشر دقيقة فقط. - كم مدة العرض الاجمالية؟ ـ ساعتان ونصف. - هل تفكرون في عرض المسرحية خارج لبنان؟ ـ في الوقت الحالي نجد صعوبة بعرضها خارج لبنان بسبب الديكورات الضخمة, والعدد الكبير للعاملين فيها. - هل واجهتم مشاكل رقابية؟ ـ ابدا... نحن نقدم التاريخ والتاريخ حقائق ومن يريد ان يتمثل بالشخصيات السلبية فهو يرتكب خطأ في موقع ما, وللتاريخ ايضا وجه آخر ايجابي ومشرق فلماذا لا نتمثل هذا الوجه؟ - من هو سقراط الآن؟ ـ هو الانسان البسيط, ومؤمن بافكاره, يرى الاخطاء ولا يسكت عنها, نصير المظلومين والمحرومين ويمكن لهذا الانسان ان يكون مواطنا عاديا من سابلة الشارع او في موقع مسؤول مؤمن بكلامه وبافكاره ومخلص للحقيقة حتى النهاية. حوار- حسين درويش

تعليقات

تعليقات