استراحة البيان: أرزاق...! بقلم - جلال عارف

كانت القاهرة تستعد لاستقبال فيلم يوسف شاهين الجميل (المصير) تسبقه الضجة التي صاحبت عرضه في مهرجان كان, وفوز يوسف شاهين بالجائزة التقديرية للمهرجان في مظاهرة فنية جميلة كان الفن المصري في حاجة لها, وكانت السينما المصرية التي تجتاز أزمة تعتبر الجائزة تتويجا لتاريخ طويل من الابداع الجميل . ومع حملة دعاية مكثفة, تم تخصيص معظم دور السينما الفاخرة للفيلم الذي اصبح عالميا, وفتحت شبابيك الحجز قبل عرض الفيلم بعدة أيام, وامتدت الطوابير تنتظر الدور. ولكن بقيت عدة دور للسينما تنتظر, ففي وسط القاهرة بالذات تتجاور دور السينما ولا يمكن تخصيصها كلها لفيلم واحد, ومن هنا بدأ البحث عن أفلام تقبل ان تعرض في دور سينما قريبة من تلك التي تعرض المصير وهرب المنتجون جميعا, وفضلوا الانتظار الى ان تنتهي هوجة (المصير) فيعرضون أفلامهم, لكن واحدا قبل المغامرة, فالفيلم الذي أنتجه قليل التكاليف, وليس فيه نجوم, واذا لم يعرضه في هذا الوقت, فان احدا لا يعرف متى يعرض لأن دور السينما ــ بعيدا عن (المصير) ــ توزع بالعدل والقسطاس بين أفلام عادل امام ونادية الجندي وأحمد زكي!! وهكذا نزل (اسماعيلية رايح... جاي) الى دور السينما على أساس ان يظل اسبوعا أو اسبوعين ثم يذهب الى حال سبيله, وهو أمر لن يغضب أحدا, فالمنتج سيقبل يديه على الوجهين لأن ايرادات (الفيديو) مع العرض اسبوعا ستغطي التكاليف, والجمهور سيذهب الى المصير دون ان يحس انه خسر شيئا اذا لم يذهب لغيرها من الافلام المعروضة, وأبطال الفيلم ــ وكلهم من الصف الثاني أو الثالث ــ سيكونون ممتنين لأن الفيلم عرض بدون خسائر. ثم بدأت المفاجآت تتوالى... تعثر فيلم (المصير) ولم يحقق النجاح الذي كان منتظرا, بينما بدأ (اسماعيلية رايح جاي) يجتذب المشاهدين, وساعده على ذلك ان من بين ابطاله المطرب الشاب محمد فؤاد الذي سبق وطبع أغاني الفيلم في كاسيت حقق نجاحا هائلا بسبب الأغنية التي أداها المطرب مع الممثل الكوميدي محمد هنيدي, والتي أصبحت بين يوم وليلة على كل لسان, وهي أغنية (كامننا) التي لا يعرف لها أحد معنى. وتمضي الاسابيع, وينتهي عرض (المصير) ويبقى (اسماعيلية رايح... جاي) يحصد ايرادات غير مسبوقة, ويأتي عيد الفطر, وتتسابق دور السينما في اجتذاب الافلام الجديدة بنجومها اللامعين, وينزل الى السوق فيلم عادل امام (رسالة الى الوالي) وتنزل نادية الجندي بـ (48 ساعة في اسرائيل) وينزل احمد زكي بـ (هيستريا) , واذا بفيلم (اسماعيلية رايح... جاي) الذي اشتهر بعد ذلك بـ (كامننا) يصمد في المواجهة, وينتهي عرض الافلام الثلاثة ويبقى (كامننا) وهاهو يدخل سباق عيد الاضحى, وقد تحول الى ظاهرة, فالفيلم الذي لم يتكلف اكثر من نصف مليون جنيه, حصد حتى الآن اكثر من 15 مليون جنيه داخل مصر, ولكي تعرف الفرق... فان اكثر افلام عادل امام ايرادا حتى الآن وهو (بخيت وعديلة) لم يحقق اكثر من ستة ملايين جنيه!! ولا أحد يعرف حتى الآن سر (كامننا) ... فالفيلم من الناحية الفنية متواضع للغاية, ومخرجه أعلن قبل عرضه تبرؤه منه, وكل محاولات التفسير للاقبال الجماهيري لم تصل لنتيجة... البعض قال انه فيلم شباب. والبعض قال ان الناس زهقت من النجوم المفروضة عليها من ربع قرن وتشتاق للتجديد. والبعض قال انه محمد هنيدي صاروخ الكوميديا الجديد. وذلك كله قد يبرر النجاح, ولكنه لا يبرر الاكتساح الهائل للفيلم, والأقرب للحقيقة هو ماقاله بطل الفيلم محمد هنيدي, حيث فسر الأمر كله بأنه... أرزاق! لكن المشكلة الحقيقية الآن ان منتجي السينما لا يعرفون ماذا يريد الجمهور؟ والشكوك تساورهم حول كل ما يتم تقديمه... وقبل ذلك كان الامر مفهوما لديهم الى حد كبير, كانت الافلام ذات المستوى الفني المتميز وهي قليلة في العادة يجري انتاجها بحساب, ويعرف من ينتجها انه يغامر, وقد يقبل ببعض التنازلات من أجل شباك التذاكر. اما الافلام الجماهيرية فكانت توليفتها قد أصبحت محفوظة... نجم كبير ومجموعة من البهارات الجنسية والكوميديا وشيء من الفتونة, وهي التوليفة التي أثبتت نجاحها في افلام عادل امام ونادية الجندي وكان أحمد زكي يحاول فرض نفسه عليها مع بعض التعديلات. الآن لا يبدو ان هناك شيئا ثابتا, فيلم يوسف شاهين (المهاجر) حقق نجاحا كبيرا, كان المنتظر ان يتفوق عليه فيلم (المصير) في الايرادات بسبب سخونة الموضوع وانعكاسه على الواقع المصري... ولكن ذلك لم يحدث! والتوليفة التجارية تسقط امام توليفة (كامننا) ولا أحد يعرف هل هي نزوة جماهيرية تعود بعدها الامور الى ماكانت عليه, ام انها مرحلة جديدة تفرز نجومها وتفرض منطقها أو لا منطقها على الشاشة السينمائية؟. التفسير بأن المسألة (أرزاق) لا يبتعد عن الحقيقة التي تتكرر كثيرا في السينما المصرية... وربما العالمية. فعندما جاءوا بتلميذة صغيرة لتقف أمام اسماعيل ياسين في واحد من اوائل الافلام التي انتقل فيها من دور (السنيد) الى دور البطولة وهو (الآنسة حنفي) لم يكن أحد يتوقع النجاح المذهل الذي حققه الفيلم الذي أصبح (وجه السعد) على كل الذين عملوا به, فتحولت التلميذة (ماجدة الصباحي) الى بطلة تنافس فاتن حمامة نفسها, وتحول اسماعيل يس الى بطل سلسلة أفلام مازالت هي الأعلى توزيعا في نوادي الفيديو في كل انحاء العالم العربي حتى الآن, وهي الأفلام التي تحتشد لها الأسرة امام شاشات التلفزيون ولو شاهدتها مرات وحفظت حوارها كما هو الحال أيضا مع أفلام العملاق نجيب الريحاني. وعلى العكس من ذلك كانت حكاية المنتج اليهودي المصري توجو مزراحي الذي لعب دورا كبيرا في السينما المصرية, أنتج الرجل لأم كلثوم فيلمها (سلامة) وانفق عليه الكثير, ومع بدء عرض الفيلم لم يحقق في أيامه الاولى النجاح المنشود, وسارع الرجل يبحث عمن يشتري الفيلم وينقذه من الخسائر, وباع الفيلم بسعر رخيص, ولم تمر أيام الا وانباء النجاح تتوالى, وخاصة في العراق والشام التي كانت تمثل سوقا أساسيا للفيلم المصري, وظل الفيلم في دور السينما أسابيع عديدة وحصد مكاسب هائلة. وأصيب مزراحي بصدمة عصبية هجر بعدها مصر والسينما, وذهب الى ايطاليا حيث عاش سنوات لم ينس فيها كيف عانده الحظ أو كيف عاند هو الحظ الذي جاء يطرق بابه. و(الأرزاق) موجودة ايضا في المسرح, وموجودة أكثر في عالم الغناء, وعندما لحن كمال الطويل في بداياته أغنية (ليه خلتني أحبك) غنتها الرائعة ليلى مراد وسجلتها للاذاعة. ولكن بعضهم اعترض على كلمة في الاغنية وطلب تغييرها, ورفضت ليلى ان تعيد التسجيل, وحاول الطويل معها كثيرا لانقاذ الاغنية, وأخيرا اضطر لاعادة تسجيلها بصوت مطربة ناشئة, وتذاع الاغنية فتصبح أغنية الموسم, وتصبح شهادة الميلاد الفنية لمطربة كبيرة هي نجاة الصغيرة. على العكس من ذلك كان الامر مع أغنية (كل ده كان ليه) لحنها عبدالوهاب وقدمها لنجاة الصغيرة في بداياتها, وسجلتها لاحدى الاذاعات العربية, وقبل ان تعيد تسجيلها في مصر ارتبط عبدالوهاب على احياء حفل سلاح الفرسان الذي أقيم بمناسبة نجاة عبدالناصر من محاولة اغتياله, ولم يكن عبدالوهاب مستعدا بألحان جديدة, وانشغل باعداد لحن وطني بالمناسبة وهو (تسلم لي ياغالي) ثم بدأ يبحث عن أغنية عاطفية من اغانيه القديمة ليقدمها في الحفل, لكن عبدالحليم اشار اليه ان يغني لحن نجاة الصغيرة الذي لم يكن أحد قد سمعه في مصر تقريبا, وغناه عبدالوهاب ودخل التاريخ باعتباره آخر لحن غناه عبدالوهاب في حفل عام. ولو تتبعنا الاغاني التي تترك أصحابها الى غيرهم لما انتهينا, فربما كانت هذه هي القاعدة.. ان تكتب الاغنية وتلحن لمطرب ثم تذهب بها (الأرزاق) الى آخر... حدث هذا مع (الربيع) التي كانت لأم كلثوم وذهبت لفريد الاطرش وحتى (حبيبي يانور العين) التي غناها ملحنها بكلمات اخرى قبل سنوات, ثم سمعها عمرو دياب فغير الكلمات وحصد النجاح والملايين. لكن (الأرزاق) لها طريق آخر دون ان تحدث حركة تنقلات بين الأغنيات. انه طريق الذكريات... فسيد مكاوي مثلا عندما قرر ان يستعيد الحالة الغنائية وان ينهي حياته كما بدأها... مطربا وليس ملحنا فقط... وبدأ يظهر في الحفلات, وأعد شريطا جديدا أتم تسجيله, ولكن بقيت في الشريط عدة دقائق تحتاج لحنا قصيرا, وبدأ يفتش عن لحن جاهز فلم يجد. وفجأة تذكر أغنية كان يلهو بها في السهرات الخاصة التي تضمه مع صديق العمر صلاح جاهين وكانا يغنيانها من باب الفرفشة واضفاء البهجة على ليالي السهر, وقرر سيد مكاوي ان يغني (ليلة امبارح ماجانيش نوم) ونسي الناس, أغاني الشريط ولم تبق الا هذه الاغنية التي نشرت البهجة لشهور وسنوات. عبدالوهاب فعل نفس الشيء عندما تذكر اغنية غناها في الاربعينات ولم تصادف نجاحا كبيرا فقرر ان يعيد تسجيلها على العود فقط بعد ربع قرن, وغنى عبدالوهاب (ساعة ماباشوفك جنبي) ونجحت باكتساح, ولأنه عبدالوهاب, فقد اختفى التسجيل القديم ــ بقدرة قادر ــ من أرشيف الاذاعة قبل ان يذاع التسجيل الجديد... منعا للمقارنة بين صوته في الأربعينات وصوته في الستينات. وبعيدا عن (الأرزاق) الفنية التي تأتي بالنجاح من حيث لا يتوقع أحد, تبقى علامة الاستفهام الاخرى التي مازالت بلا اجابة في مولد (كامننا) أو (اسماعيلية رايح... جاي) وهي مصير هنيدي بطل الفيلم وسر نجاحه... هل كان ما حدث معه في هذا الفيلم صدفة لا تتكرر, ام انه سيكون فارس الكوميديا لسنوات مقبلة؟ هل سيكون عادل امام الذي صمد للزمن والمنافسة عشرين عاما حتى الآن... أم سيكون يونس شلبي الذي لمع فجأة وعبر بسرعة ولم يترك أثرا في المسرح أو السينما لأن دوره الاول في مدرسة المشاغبين ظل أهم أدواره فلم يضف له شيئا بعد ذلك؟ هل سيسير محمد (كامننا) في طريق عادل امام أم طريق يونس شلبي؟ أنا شخصيا أعتقد ان فرصته ستكون أكبر لو سار في طريق اسماعيل يس... وما أطوله من طريق!

تعليقات

تعليقات