مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية: عدد جديد من سلسلة دراسات عالمية

أصدر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عددا من سلسلة دراسات عالمية بعنوان (التحولات في الشرق الاوسط وشمال افريقيا والاحتمالات أمام أوروبا وشركائها) الذى قام باعداده كل من فيرنر فاينف ياننج وسفن بيريند, وقد استند الباحثون الى (الدراسة الاستراتيجية) الخاصة بالدورة الثانية ( محادثات كرونبرجر حول الشرق الاوسط ) التى تبحث في المناقشات التى جرت في ذلك الحين كما تعد الدراسة ايضا استكمالا للجزء الاول حول الموضوع نفسه والذى صدر عام 1995 بعنوان(اوروبا والشرق الاوسط) . ويناقش الباحثون في هذه الدراسة البعدين الامنى والاقتصادى ومشكلة الشرعية المؤسسية في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وبالنسبة للبعد الامنى في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا يشير الباحثون الى ان العالم اليوم بما فيه منطقة الشرق الاوسط يشهد جدلا واسعا حول التعريف الجديد لمفهوم الامن اذ لم يعد استمرار وجود الدول القومية عرضة للتهديد من جانب الاوضاع الدولية المعادية فحسب بل من جانب الصراعات المحلية السياسية والاجتماعية المتزايدة 0 ولذلك تواجه دول الشرق الاوسط تهديدا مزدوجا وهو أن النظام الاقليمى غير المنظم للدول القومية يمثل تهديدا خطيرا لكثير من هذه الدول على الرغم مما تم من نجاح حتى الان في مفاوضات السلام بين اسرائيل وجيرانها العرب. وخلص الباحثون في هذا الصدد الى ان الاتحاد الاوروبى يمتلك عددا من الخيارات التى تمكنه من أن يصبح شريكا تجاريا للدول الواقعة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وشريكا لها في القضايا الامنية. وتتضمن هذه الخيارات , التعاون في صياغة المعايير الملزمة بموجب القانون الدولى ووضع هدف اقامة نظم أمنية تراعى اختلاف مصالح الاطراف في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وتوفير خدمات المراقبة والاستطلاع في النظم الامنية الاقليمية ودعم تنمية المؤسسات الاقليمية التى تساعد على تسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كما تتضمن فرض العقوبات الاقتصادية والتهديد بفرضها في حال عدم الالتزام بالاتفاقيات السارية في اطار النظام الامنى. وتشير الدراسة في هذا الصدد الى ان الاتحاد الاوروبى أمامه الان الفرصة لكى ينمو من خلال التحديات الجديدة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا كما حدث في تجربة الاتحاد نفسه فعلى الرغم من قلة أدوات السياسة الخارجية المتاحة للاتحاد فما زال بامكانه ان يؤدى دورا مهما في السياة الامنية للمنطقة ولذلك يجب ان يستغل امكاناته الاقتصادية للتدخل من أجل تحقيق الاستقرار للسياسات الدولية في منطقة الشرق الاوسط. وبالنسبة للبعد الاقتصادى أشار الباحثون الى ان منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا لم تنجح حتى الان في تأمين مستقبلها الاقتصادى اذ ان الزيادة السريعة في السكان تستنزف النمو الاقتصادى بحيث انخفض نصيب الفرد من الدخل كما ان دورها في المبادلات السلعية على مستوى العالم يقف عند أدنى حد له باستثناء المواد الخام وتعانى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا من عدم القدرة على الاندماج في السوق العالمية بسبب ارتفاع الحواجز التجارية التى لم تبذل دول المنطقة أى جهود خلال السنوات الاخيرة لخفضها بينما نجحت مناطق اخرى في اجتذاب رأس المال الدولى مثل شرق أسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية فتم تجاهل رأس المال العالمى منطقة الشرق وشمال افريقيا وبذلك تضاءلت مشاركة المنطقة في التجارة الخارجية. وأشارت الدراسة الى مجموعة من الاجراءات في مجال السياسة الاقتصادية تستدعى مزيدا من الالتزام من جانب الاتحاد الاوروبى ومنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وهى تنظيم التجارة الحرة وانشاء مؤسسات تحقق الضمان الاجتماعى واصلاح النظم الضريبية واصلاح الاجهزة الادارية العامة في الشرق الاوسط,ويترتب على اعادة تنظيم الاجهزة المالية والادارية بعض النتائج فيما يتعلق بالحقوق والمزايا التى درجت هذه الاجهزة على توفيرها فاذا تحقق مشروع المنطقة الحرة في منطقة البحر المتوسط فسوف يجد الاوروبى وشركاؤه أنفسهم في مواجهة أصحاب المصالح السياسية المضادة للمشروع وهذا ما يتطلب التدخل لطرح بدائل مختلفة حتى تحصل الاطراف المعنية على نصيب مناسب من مزايا التحول الاقتصادى في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وبالنسبة لمشكلة الشرعية تؤكد الدراسة على ان الاصلاح المؤسسى والاجتماعى الداخلى في كل دولة من دول الشرق الاوسط يرتبط ارتباطا وثيقا باصلاح النظم الدولية والاقتصادية, كما أن هياكل المجتمع المدنى في الشرق الاوسط تعانى ضعفا واضحا ولذلك فمن الواجب على النخبة السياسية ان تأخذ على عاتقها مهمة اصلاح النظم السياسية من القمة الى القاعدة. وفي هذا الصدد تشير الدراسة الى ان الجهود التى بذلتها الدول العربية لتحرير المؤسسات جاءت الى حد ما نتيجة للضغوط الدولية وحققت قدرا من النجاح بشأن الدعوة الى رفع مستوى الاداء الحكومى المسؤول واحترام حقوق الانسان والمعايير الديمقراطية فما هى مصلحة النخبة بالمضى في طريق التحول الداخلى والسماح لمجموعات اجتماعية أخرى بالمشاركة في هذه العملية . وأشارت الدراسة ايضا الى ان اعداد (استراتيجية تحقيق الاستقرار المحدود (شرط أساسى وضرورى لنجاح سياسة المعونات المقدمة من الاتحاد الاوروبى على المدى البعيد ولان اتفاقيات المشاركة التى أبرمها الاتحاد الاوروبى ترتبط رسميا بشروط سياسية مسبقة فيجب انشاء نظام للرقابة على المعونات المقدمة يراعى اختلاف المصالح لضمان استخدام هذه المعونات في انشاء الهياكل الديمقراطية, ويجب ان توجه هذه المعونات خلال المرحلة الانتقالية الى تهيئة الفرص لاجراء الكثير من الاصلاحات في الدولة والمجتمع بهدف تمكين دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا من التعامل بطريقة ديمقراطية ومسؤولة مع المشكلات الاجتماعية حتى بعد المعونا ت الخارجية على المدى البعيد . وأكدت ان دخول الاتحاد الاوروبى في علاقات مع دول المنطقة ينطوى على مخاطرة كبيرة وذلك بسبب وجود جماعات في المؤسسات الحكومية والمجتمع تريد بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه وقد تستغل المعونات التى يقدمها الاتحاد لتحقيق مأربها 0 وهذا ما يجب على الاتحاد ان يتفاداه مهما كان الثمن وفي الوقت نفسه عليه ان يحدد بدقة ما هى الفئات التى تحمل لواء عملية التحول الاجتماعى والحكومى ليقدم الدعم اللازم لها لانجاح هذه العملية. واستخلصت الدراسة بعض النقاط المهمة والتى ناقشها الباحثون من خلال الفصول السابقة وهى, ان الهياكل الامنية والاقتصادية والاجتماعية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا تمر حاليا بتحولات ذات ابعاد عديدة أدت الى الاهتمام باقامة ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد من خلال نظام شامل يضم مفاوضات السلام الثنائية والمتعددة الاطراف والمؤتمرات الاقتصادية على كل المستويات والدوائر المتخصصة . وهناك قدر من الشك بشأن ما سينتهى اليه الطريق الذى تسير عليه الاطراف المختلفة في هذه حقبة من التغيير خاصة في ضوء الانتخابات الاخيرة في اسرائيل والعثرات الحالية في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية وهو ما يدعو الى التساؤل عما اذا كانت العلاقات بين الاطراف الفاعلة في المنطقة ستؤدى الى مسار سلمى ام ان المصالح الجديدة المتعددة في المنطقة ستؤدى الى ظهور هياكل فوضوية أو غير مستقرة . شرع الاتحاد الاوروبى في اعداد برنامج من خلال مبادرة التعاون مع دول البحر المتوسط يهدف الى دعم عملية التغيير في الشرق الاوسط حتى تتمكن المناطق المجاورة من ان تنتقل من مرحلة التشكك في المستقبل الى مرحلة الاستقرار الامن. كما اشار الباحثون الى أن هناك مجموعة من العوامل المختلفة التى تعترض هذا الهدف وتهدد استقرار المنطقة وهى. المحنة التى تمر بها عملية السلام في الشرق الاوسط بسبب الفريق الجديد الحالى من السياسيين الاسرائيليين. فالتشكك في السياسات الخارجية الاسرائيلية والجهود المتواصلة لرفع مستويات التسليح وتصدير التوترات الداخلية الى الخارج قد تؤدى الى تدمير أى نجاح في عملية السلام , لكن مع اقامة نظم أمنية اقليمية تتجاوز نظم المؤتمرات الحالية وتدعيم اجراءات الثقة يؤدى الى تحقيق الاستقرار الدولى بالمنطقة. انخفاض نصيب الفرد من الدخل في الشرق الاوسط وشمال افريقيا بمعدل 2% والحل يكمن في منح القطاع الخاص الحرية الاقتصادية من أجل ان ينمو ويتطور وازالة الحواجز المؤسسية التى تتمثل في ارتفاع الرسوم الجمركية والضرائب التجارية وعدم استقرار التمويل الحكومى والنظم الاجتماعية الهشة. عدم وجود الكفاءة اللازمة لمؤسسات الدولة في منطقة الشرق الاوسط وشمال فريقيا والتى تؤهلها للتعامل الصحيح مع التحديات الاجتماعية ولذلك على الحكومات في المنطقة ان تجرى عدة اصلاحات لتتمكن من مواجهة الضغوط الاجتماعية المتزايدة. لهذا ينبغى على دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا ان تعمل على حل المشكلات المتعلقة بالامن والاقتصاد والشرعية المؤسسية والتغيير داخل مجتمعاتها وذلك بمشاركة الاتحاد الاوروبى فالحوار المكثف والتعاون المبنى على الثقة هما الدعامتان الاساسيتان للمستقبل المشترك.

تعليقات

تعليقات