استراحة البيان: عقدة نفسية: يكتبها اليوم- محمد الخولي

لا مفر من الاعتراف بأن الفقير ــ كاتب السطور ــ لديه عقدة نفسية ازاء كتابة الرسائل. وقاتل الله صاحبنا النمساوي سيجموند فرويد الذي اخترع للبشرية هذا التشخيص السهل الكسول لكل ما نبغضه أو كل ما لا يروق لنا ان نقدم عليه كسلا, أو دلالا ــ أو من باب الافتراء ليس إلا. هكذا اصبحت حكاية العقد النفسية ــ أو النفساوية كما يسميها احيانا أولاد البلد الطيبون في مصر ــ رخصة لكل من هب ودب ــ ونحن منهم للأسف الشديد ــ كي يهرب من المسؤوليات ويتملص من التبعات أو.... يسوق الهبالة على الشيطنة, والتعبير ايضا لأولاد البلد في حواري مصر المحروسة. ومثل أي محلل نفسي ــ هل نقول نفساوي متمكن وأريب... فقد عكفت على تقصي آثار وجذور عقدتي المزمنة ازاء تحرير الرسائل الى الاصدقاء والرد على ما اتلقاه من خطابات الخلان والاخوان... فاذا بي اصل, أو يصل بي التحليل والتشخيص الى ايام ان كنت طفلا أروض الأنامل والقلم على فك الخط وتعلّم حروف الهجاء (احيانا يصعب على المرء ان يتصور انه كان... طفلا في يوم من الايام). فأما الأنامل فكانت تصل احيانا الى حال من التجمد ايام الشتاء القاهري ــ القارس ــ وخاصة في ساعات الصباح الباكرة, ناهيك عن ان تطال الأنامل عصا الاستاذ حسن أو (الأفندي علي) وكان كل منهما مسؤولا عن تنظيم طوابير الصباح حيث يقف الصبية في صف جهم مرصوص مثل عساكر النازي وقد مدوا ايديهم وسط الزمهرير والويل... كل الويل لمن طالت اظافره بعض الشيء أو علق باصابعه الناحلة التعيسة فضلة من حبر الامس... فقد كانت وسيلة الكتابة في ذلك الزمان الذي بلغ به التوغل في الماضي حتى اصبح وكأنه العصر الحجري هي الريشة تغمسها سيادتك في دواة الحبر التي طالما اصابت سوائلها ثياب التلميذ واصابع التلميذ ودفاتر التلميذ حتى كان الواحد منهم يطالع الناس بعد انتهاء يوم الدرس الطويل... الطويل بوجه مبقّع بالاحبار السوداء والزرقاء والحمراء وكأنه من فئة عمال المناجم في اصقاع جنوب افريقيا. و... حدث ايامها, ولا حرج عن سنون الريشة أو اسنانها ما بين السن العريض أو المفلطح لزوم الخط العربي (وكم كانت الخطوط جميلة تسر الناظرين) وما بين السن المدببة التي كانت تستخدم حينا لكتابة الحروف الانجليزية, وتستعمل احيانا لوخز الاعداء في المعارك الطاحنة التي تشهدها ميادين الوغى في أفنية المدرسة ساعة الفسحة, كما يقول أهل مصر أو الفرصة كما يعبر اخوانهم من أهل الشام. وأيا كان الامر فقد تولدت في نفس الفقير العقدة النفسية التي حدثتك عنها بعد ان تم بحمده تعالى محو اميته فأصبح قارئا يكتب مواضيع الانشاء بادئا كل موضوع بالعبارة التي حفظها عن ظهر قلب وهي: (... في يوم صفت سماؤه واعتل هواؤه واعتدلت اجواؤه...) ثم يمضي موضوع التعبير الى غرضه الرئيسي والتلميذ يهنىء نفسه على حكاية السماء التي صفت والهواء الذي اعتل (بمعنى اصبح عليلا) والجو الذي اعتدل. وتزداد جرعة التهنئة الذاتية طبعا بفضل ايقاعات السجع التي رصعت العبارات,و ثم لا يهم من بعد ان كان الموضوع يدور حول نزهة في القناطر الخيرية أو عن كارثة غرق باخرة افرنجية اسمها (تيتانيك) بل المهم ان اطمأنت الاسرة النازحة من ريف الدلتا الى ان فتاها القاهري المولد قد اصبح يكتب ويقرأ ما شاء الله... واذن فلينقلوا اليه التكليف ويعهدوا اليه بالمسؤولية التاريخية, بحق عن تدبيج رسائل الاسرة الى ذوي قرباها ومعارفها وريحة الريحة كما يقولون وقد كانوا قابعين مازالوا في القرية وهي رسائل كانت تجمع بين عواطف الاشواق وترتيبات المصالح ورواية الوقائع والمشاهدات وقضاء الحوائج المتبادلة بين المقيمين في الريف والنازحين الذين اختاروا القاهرة مهجرا ومن ثم سكنا ومستقرا. من يومها كان على الصبي ان يتعلم فن الترجمة, لا بين العربية والانجليزية أو حتى ــ السواحلية أو لغة البلطيق ــ بل كانت ترجمة التعابير والأوامر والاشارات التي يمليها الوالد على فلذة كبده في عامية صريحة وفي صياغتها البلدية البسيطة, ومن ثم تعج مسؤولية الفتى الصغير الغرير ان يحول الأوامر من العامية الى الفصحى, اي فصحى والسلام كما يستطيع قلم الطفل ان يدبجها في سطور رسالة يكتب على مظروفها عبارة (يصل ويسلم الى الحاج فلان الفلاني) ثم يختم عبارة المظروف بتحية مجاملة تفوح منها ولا شك نبرة النفاق الميري او التمسح او التمحك في رضا الحكومة ــ تحية يقول فيها الصبي بناء على تعليمات الوالد: (وشكرا لساعي البريد) ورغم ان الفقير كاتب السطور قد آل به الحال يوما الى احتراف الترجمة حيث نقل مئات النصوص الى العربية الشريفة من الانجليزية او الفرنسية او الاسبانية الا ان ترجمة الطفولة الاولى كانت هي الاصعب والادهى سبيلا وما ظنك بطفل في نحو السابعة او الثامنة تأتيه الاوامر من الوالد وما ادراك ما الوالد تقول: ــ وقل له: يا عبد الونيس انت عايز الجد واللا ابن عمه.. والقفة ام ودنين يشيلوها اثنين وربنا قال اسعى يا عبد وانا اسعى معاك وحط كلامي حلقة في ودنك الى آخر المطلوب ترجمته الى عربية فصيحة او شبه فصيحة يمكن ان يقرأها فلاح في قرية لا تظهر على اي خريطة, فلاح طيب صبور ويفك الخط بصعوبة شديدة ويناضل بل يعاني ويكابد كي يقرأ المكتوب الوارد من القاهرة بصعوبة اشد وانكى لا يكاد يدرك كم عانى الصبي الذي كتب الخطاب وهو لا يكاد يطالع الحروف من ولاء غلالة دموع القهر, مغلوبا كان الصبي على أمره كيف لا, وقد طلبوا منه مثلا ان يخاطب قريبهم عبد الونيس او عبد الصمد او عبد الشكور بكلمة: وخصيمك النبي... ماتتشبس برأيك وترجمتها في لغة العرب المعروفة ان لا تتشبث اي لا تتمسك برأيك ابعد هذه المعاناة في الطفولة الباكرة يطيب لي يوما ان اكتب رسالة أو أرد على خطاب؟ لا عجب ان قرأت رائعة صلاح عبد الصبور (مأساة الحلاج) ومن قبل حظيت بمشاهدتها على مسرح اوبرا القاهرة ــ الاوبرا القديمة الفاخرة الفخيمة التي انشأها ابو السباع الخديوي اسماعيل ورغم جلال المسرحية وروعة الشعر فقد خرجت وانا احسد (ابا منصور الحلاج) الصوفي بطل المسرحية لم احسده على زهده, ولا على رياضته الروحية ولا على شجاعته في وجه قاضيه الظالم المتحيز بل على سيل الرسائل ــ الجوابات التي كتبها الحلاج من سجنه الى جموع من المريدين والمؤيدين ولقد سأله القاضي ــ ابو عمر ــ في احد مشاهد المسرحية يقول: ــ يا حلاج احسبك الآن ستمضي في افكارك لكن من نطقك سأدينك. هل ارسلت رسائل؟ هنا رد ابو منصور الحلاج فقال يصف رسائله: ــ قطع من قلبي اهديها لقلوب احبائي. ولله در صلاح عبدالصبور: ترى ما الذي قلب هذه المواجع تجاه المكاتيب والرسائل وقد كانت مستكنة في غياهب الاعماق منذ الطفولة كان السبب انني صادفت مؤخرا كتابا سبق الى الاشارة اليه سيدنا وتاج رأسنا الاستاذ يحيى حقي عليه الف رحمة ونور, والكتاب يحمل عنوانا طريفا وفريدا يقول (انشاء رسائل العصر الحديث تأليف الاستاذ (بدوي طه علام) المدرس بالمدارس الاميرية) . ولعلي احدثك عن الكتاب الذي كان موجها الى ابناء اجيال مضت وكم كانوا مشغوفين بكتابة الرسائل رائحة غادية بين الصديق والصديق, وبين القرية والمدنية, وبين العاشق والمعشوق, وبين التجار والزبائن, وبين الحكومة ورعاياها بل, وبين العامة الطيبين والمظلومين وبين الامام الشافعي (توفى الى رحمته تعالى منذ 1180 سنة) خطابات وعواطف وظلامات وعرائض وشكايات ومراسيل وحكايات لا عجب ان تذيع بينهم اغنية اشتهرت على كل لسان في منتصف الاربعينات (سنة 1944 تحديدا) من لحن عبد الوهاب وغناء رجاء عبده وتعبر بها بخفة دم شديدة عن العبء الذي ناء به كاهل موظفي مصلحة البوستة العمومية وهي الجد الاعلى لهيئة البريد في ايامنا فيقول مطلع الاغنية (البوسطجية اشتكوا. من كتر مراسيلي) .

تعليقات

تعليقات