استراحة البيان: النمرود وحكايته! بقلم: محفوظ عبدالرحمن

بعض النقاد يقولون ان القصص التي تحكيها البشرية منذ بدايتها حتى الآن لا تزيد على ستة وثلاثين موضوعا وبعضهم اكثر كرما فيراها ثمانية وثلاثين موضوعا , فاذا كنت قد رأيت فيلم (تيتانيك) ولابد انك فعلت فهو هوس هذا العام, لابد انك توقفت امام قصة الحب بين الشاب الذي ينتمي الى الدرجة الثالثة والفتاة التي تعيش في الدرجة الاولى. وهو حب مكتوب عليه الموت منذ البداية او على الأقل يقترب من المستحيل, وهي نفس قصة شكسبير (روميو وجولييت) وايضا هي نفس قصة (حسن ونعيمة) التي قدمها عبد الرحمن الخميس في فيلم سينمائي وقدم معه سعاد حسني لأول مرة كممثلة ومحرم فؤاد ايضا لاول مرة. القصة هي نفسها والفروق في التفاصيل ففي (تيتانيك) مثلا العائق بين لقاء الشابين هو المستوى الاجتماعي, وفي (روميو وجولييت) هو الخلاف العائلي الذي لا يسمح بأي مصاهرة, وفي (حسن ونعيمة) استحالة ان تتزوج نعيمة من مغن جوال في مجتمع يترفع عن هذه المهنة. ربما كان رأيك ان فيلم (تيتانيك) ليس مجرد قصة حب بين شاب وفتاة وانه يحوي موضوعا اهم بكثير وهو تعرض عدد كبير من البشر للخطر, وكيف يواجهون هذا الخطر, وهذا ايضا احد الموضوعات في قائمة الدراما المحدودة, والخطر هنا قد يكون خطر الغرق كما في (تيتانيك) وقد يكون خطر (الزلزال) بل قد يكون خطر ان يفقد المسافرون طريقهم كما في مسرحية سعد الدين وهبة (سكة السلامة) او قد يكون خطرا اطرف وهو ان يتعلق البعض في مصعد كما في فيلم صلاح ابو سيف الجميل (بين السماء والارض) . ولي صديق من كبار كتاب السينما قال لي ذات مرة: لقد مللت الموضوعات, ستة وثلاثون موضوعا, وانا كتبت اكثر من مائة فيلم اي انني كتبت بعض الموضوعات ثلاث مرات وربما اكثر. وهي مغالطة طريفة, فرغم ان الموضوعات محددة اذا وافقنا على هذا ــ فان القصص لانهائية لان لكل منها مذاقها وخصوصيتها ولا أظن ان احدا يستغني بسيرة المهلهل (الزير سالم) عن مسرحية شكسبير (ماكبث) او العكس فالانسانية في حاجة الى كل الاعمال الأدبية الراقية. ولذلك كله كان يدهشني ان يقول كاتب انه لا يجد موضوعا يكتبه فالموضوعات كما قال ناقد عربي قديم ملقاة كالاحجار على قارعة الطريق, الصعب ان تختار منها ما يصلح وان تصقله وتقدمه الى الناس والصقل هنا صناعة الكاتب. ولي صديق كتب كثيرا جدا ربما اكثر من هذا الذي كتبت مائة فيلم سينمائي! وكف عن الكتابة قائلا انه لا يجد موضوعا يكتب فيه وفي رأيي أنها مغالطة والحقيقة ان الابداع له عمر كأي نشاط انساني, بعض الناس يبدعون منذ ان يتعرفوا على الابداع حتى آخر لحظة في حياتهم وبعضهم مثل جوته يبدعون بعد الثمانين وبعضهم مثل بيراند للو يبدعون سنوات محددة من عمرهم. وذات مرة جاء تني فكرة بدت لي ساعتها أنها فكرة جميلة فلقد اشتريت كراسة كبيرة, واخذت اكتب فيها رؤوس معلومات عن شخصيات عرفتها او سمعت عنها وما حدث لها من مأس وأفراح وضاقت الكراسة فاشتريت واحدة اخرى واخذت أبوب الشخصيات حسب الحروف الابجدية واحيانا حسب النشاط. واظن ان نجيب محفوظ كان يفعل هذا فكان يسجل المعلومات عن شخصيات يعرفها, واظن ايضا انه عندما زاد ما سجله عن الحد, وضاق الوقت سارع بكتابة (المرايا) ونعود الى تجربتي: تضخمت الاوراق, ورأيت انها تحتاج الى ديستوفكي ليكتب كل هذا في روايات, وأصابني الذعر مما يحدث للناس في الحياة, فأهملت ذلك كله, وأخذت اعتمد على الذاكرة. وبين الحين والحين تجد أمامك الموضوع عملاقا يأخذ عليك كل السبل ويطلب منك كتابته, وهذا ما حدث معي في الاسبوع الماضي. نمرود وليس هذا اسمه بالطبع ولا أدري كيف قفز الاسم الى ذهني, المهم ان نمرود هذا كان زميلا لنا في الدراسة الثانوية ولا اذكر عنه من تلك الفترة شيئا مميزا سوى انه كان يسعى دائما للتفوق ولما فشل في التفوق العلمي, مارس الرياضة البدنية, فلما فشل فيها تحول الى الشغب, فلما لم يستطع الاستمرار فيه لان والده كان من رجال التعليم, تحول الى الخمر والمخدرات, ولقد اكتشف بعد قليل ان معدته لا تحتمل الكحول, وكانت المخدرات آنئذ من انواع سهل التخلي عنها. وذات يوم عرفنا انه هاجر الى الخارج ومر وقت طويل قبل ان اعرف اخباره, وعرفت انه عانى كثيرا في بلاد العالم حتى استقر به الأمر في احدى الدول الاوروبية, وتزوج من هذا البلد وحاول ان ينشىء مشروعا تجاريا, فإذا به ينجح نجاحا على غير توقع. ومنذ سنوات قريبة عاد صاحبنا وقد صار من اصحاب الملايين لكنه تغير تغيرا كاملا, فلقد اصبح مجنونا بالمال, وكأنه صورة اخرى من قارون, وعندما زرناه في بيته وجدناه يضع تمثالا للخنزير, واضحكنا هذا, بل وربما رأينا فيه شيئا مسليا فنحن عرفنا تماثيل جميع الحيوانات الا الخنزير, وأنا كان لدي ذات يوم تمثال بديع للدب من نحت حسن فؤاد واختفى فيما أخفاه الزمن, ومازلت اتذكره, أما الخنزير!! والمدهش انه لم يضحك معنا, بل قال انه يضع التمثال تكريما للخنزير لانه كان سبب سعده فلقد عمل في تربية الخنازير وكان هذا بداية ثرائه. اصبح نمرود شخصا آخر, وكرهه جميع اصحابه لكنني لم أفعل. ظننت ان حالته جنون مؤقت. وبحسن نية حاولت علاجه لكنني اكتشفت بعد فترة انه يستعصي على اي علاج, فأخذت أتأمل هذا النموذج الغريب. ذات مرة اتصل بي بإلحاح ثم سألني: كم تأخذ اذا طلبت منك تأليف كتاب؟ ولأنني كنت اعرفه جيدا تحليت بالصبر, وسألته عن موضوع الكتاب. فقال: لا يهم. أنا اريد فقط ان احصل على كتاب من تأليفك. فلما زدت صبرا وسألته كيف سينشره. قال لي: لن انشره سأدفع ثمنه واحتفظ به! فلما قلت له اننا نكتب لنعبر عن انفسنا, أو لأننا اصحاب قضية, أو لأننا نريد ان نتواصل مع القارىء, اشاح بيده وقال: ستأخذ اجرك مضاعفا فلا تتفلسف! وذات مرة اخذني بعيدا وقال لي: أتعرف ما هي مشكلتي؟ واستمعت باهتمام, فأنا فعلا كنت اريد ان اعرف مشكلته. قال: اني انجبت بناتا ولم انجب ولدا! وحاولت ان اسري عنه قائلا ان هذه ارادة الله, قاطعني قائلا: انا اسعى لشراء ولد!! ونظرت له في ذهول, ففسر ذلك بأنه يسعى لتبني طفل ذكر. ولم يكتمل هذا المشروع ربما بسبب القوانين, وربما لخوفه من ان يشاركه هذا الولد ثروته. وزوج بناته. وقال لي: لقد اشتريت لكل واحدة زوجا! وابتعد عني فترة. ثم سمعت انه مرض بالفشل الكلوي, ولما زرته وجدته ضاحكا على غير ما توقعت. وقال لي: يخاف من هذه الامراض الفقراء امثالك. انا سأشتري كلية. وعرض عليّ مجموعة صور لــ (المتبرعين) وأشار الى احداها: اترى هذا الشاب الوسيم القوي؟ سأشتري كليته! وزرته في المستشفى. ورأيته يدير المستشفى من غرفته. والجميع يتحركون بأوامره. المال يتكلم كما يقولون. ونقلوا له كلية الشاب الوسيم القوي. ونجحت العملية. ولكن حدث شيء بسيط غير متوقع. ففي مثل هذه الحالات يوقفون جهاز المناعة حتى لا يرفض الكلية الجديدة. ويضعون المريض في غرفة معقمة. ونتيجة لتعطيل المناعة ظهر ان هناك فيروسا ضعيفا اقل قوة من فيروس البرد كان كامنا في جسده ربما من سنين, فلما جاءت الفرصة بدأ ابشع حرب من الممكن ان يقوم بها فيروس ضد انسان. مزقه تماما فانفجرت الدماء من جسده. ومات النمرود. وبالطبع يموت الجميع, حتى النمرود! ولأنه عاش حياته كلها في الخارج. ولأنه كره الجميع وكرهه الجميع, لم يخرج في جنازته اكثر من ستة اشخاص. تهامسنا جميعا عن الثروة الكبيرة التي خلفها. لكنها لم تستطع ان تمنحه حتى نهاية مريحة. لقد كان يتمنى ان يستنشق الهواء ولو لحظة, ولكن الفيروس سد صدره ليمنعه. وفي النهاية سمعنا افراد اسرته حتى بناته يتحدثون عن الميراث. وقبل مرور اثنتي عشرة ساعة على وفاته تشاجرت البنات. أليست هذه رواية كبيرة! وأضيف حاشية في النهاية اعتذر فيها للقارىء عن هذه المأساوية. لقد اردت ان اسخر من نمرود. ولا أدري كيف مال بي القلم. وأعدك عزيزي القارىء ان اعتذاري سيكون عمليا. وفي استراحة قادمة سأحاول ان اضحكك. فليكن بيننا موعد!!

تعليقات

تعليقات