في اخر حوار معه قبل رحيله بأيام: الشاعر عزمي موره لي: كنت دائما على هامش الحياة وليس في لبها

بقلم - عادل أبوشنب من (رؤى) الموره لي الذي توفي منذ ايام وكنت التقيته قبل شهرين فقط, وما اظنه كان متفردا في دعواه بعدم الانتماء الى شيء, او بالانتماء الى اللانتماء. هناك كثيرون يعيشون ويموتون دون ان يحسبوا على شيء ودون ان يحتكوا بشيء, لكن (عزمي موره لي) لا ينتمي من منطق فلسفي. كاتب وجدانيات متفلسفة, ان صح التعبير, شاعر بلغة غير لغة قومه ليس له دور فعال كمثقف ينتمي الى عالم محدد, لكنه يصف نفسه بأنه التاريخ. فعل كثيرا لكنه لم يفعل شيئا وحتى شعره بالفرنسية الذي ترجم الى العربية... ترجم بمبادرات من المترجمين وليس منه. لم ينشر في صحيفة او مجلة ومجموعاته الشعرية بالفرنسية, التي صدرت في باريس صدرت بمحض صدفة. هل هو شاعر عبثي؟ ما الذي كان يريد ان يقوله ولم يقله؟ الثمانون التي عاشها ولا يريد من احد ان يقول له: (مد الله في عمرك) تجثم على صدره كأنها كابوس. لماذا؟ مامن احد جره الى الحديث عن نفسه, والخروج من شرنقته. نحن فعلنا لنتعرف على شاعر ومفكر من هذا البلد, منسي ومتروك ومحبط, وهاهو ذا يموت في (دار الحنان) الدار التي تأوي عجزة ومسني دمشق دون ان يدري به احد. - ما اسم كتابك الفلسفي الذي يقال انك صرفت نصف عمرك في كتابته؟ ـ (الوعي والوجود) . - هل طبع؟ ـ لا. الحق علي. كان من الممكن ان يصدر منذ ثلاثين سنة, لكنني مهمل, وبسبب ظروف, اجتماعية او مرضية او عصابية لم يصدر حتى اليوم. - الكتاب بالفرنسية؟ ـ طبعا. انا لم اكتب بالعربية لو كنت اعيش في باريس, وكان لي اتصال مباشر مع الكتاب والنقاد والصحافيين ودور النشر لاختلف الامر. - كتبت بالفرنسية الشعر. انت معروف بشعرك, ويقال ان لغتك الفرنسية جيدة جدا ولا تقل عن لغة بعض الشعراء الفرنسيين, كيف استقبل الفرنسيون مجموعاتك الشعرية التي طبعت في باريس, ولغتك الشعرية تحديدا؟ - اول دار نشر ارسلت اليّ كتابا كتبه صاحبها, يقول ما ترجمته كما اذكر: شعرك امسكني, جذبني بتعدد الصور التي فيه, بزخم الكلمات , بنبل اللغة, لغتك مزيج من الشعر والفكر والفلسفة. بمجموعتك دمجت البداية بالنهاية. انت لم تخف من الرعب الكبير, الموت, انت تدخل الى قلب الخطر, انت عرفت سر الحياة الذي لا يصل اليه قلة, والكثرة فيه تغرق. عراقة مثقلة بالهموم كان ابن الثمانين قد أعد اطباقا للصحافي المغامر, او للكاتب الشجاع, الذي جاء لينفض الغبار عن شاعر صامت مقيم في دمشق, يحبها ويكرهها في آن معا, وكان الجو دافئا (مارس 1995) وفي صالون بيته في شارع (ابو رمانة) الراقي كان كل شيء يدل على عراقة مثقلة بالهموم. كان ثمة لوحات على الجدران وراديو وتلفزيون وصور ولوحات ومكتبة مملوءة بكتب بالفرنسية وبنسخ محدودة من كتاب (رؤى) الذي صدر بالعربية ترجمة لكتابه رؤى والمترجم الاثير عنده هو كمال فوزي الشرابي, اما كتابة الاخر (اختصار ذكرى) الذي ترجمه شوقي بغدادي وصدر عن وزارة الثقافة السورية فليس لديه منه نسخة واحدة وفي اقامته لاشهر قليلة في (دار الحنان) لم يحمل معه ايا من كتبه. - ألم تكتب الشعر بالعربية؟ ـ ابدا. ما تعلمت العربية اصلا... ولدت عام 1916 وكان اهلي يتكلمون التركية (بواقع ان البلاد كانت من ضمن الامبراطورية العثمانية) وفي عام 1922 كانت العربة (عربة الخيل) تحملنا الى مدرسة (الغرير) من بيتنا في (القنوات ـ تحت القنطرة) كان التدريس بالفرنسية, وكانوا يمنعوننا من الحكي بالعربية. - اين تعلمت اللغة العربية اذا؟ ـ كانوا في (الغرير) يعطوننا ساعة عربي يوميا فقط. وعندما قامت الثورة السورية (1925 ــ 1927) انتقلت الاسرة الى بيروت, واكملت الدراسة بالفرنسية, لكنني لم اصل الى الدراسات العليا. انا لا املك شهادات. - متى اقمت في باريس؟ ـ بعد الحرب مباشرة ذهبت واقمت خمس سنوات. كانت اوروبا في حالة صقيع. ظلام وبرد وجوع, وفي تلك الفترة تعرفت على انواع من البشر, ادباء وشعراء ومجانين ومومسات وكذابين ودجالين. - من من الادباء تعرفت عليه في باريس وقتئذ؟ ـ اذكر ارتور آداموف هو غير معروف في العالم العربي, مع انه احد ثلاثة كتبوا وابتكروا العبثية. كان يتقن الالمانية, وترجم فلسفة جميع الوجوديين الكبار. - أكان في اتجاه سارتر؟ ـ الوجودية ليست مرتبطة بسارتر. هو واحد ممن اوجدوها. - انت منتمي الى الوجودية في شعرك وفلسفتك اذا؟ وقال بحدة, كأن هذا السؤال غلط: ـ يجب ان نتكلم عن هذه النقطة. انا لا انتمي الى شيء يا استاذ. انتمائي الى الوجوديين يعني انني حددت انتماء قطعيا, كانتمائي الى الماركسية او الى فكرة سياسية معينة. انا (مفتوح) على الكل. - الانتماء الى اللانتماء؟ ـ دخلت الى التاريخ لا كمؤرخ بل صرت انا التاريخ. هذه نقطة دقيقة ارجوك. المؤرخ يعطيك ارقاما ويطلعك على حوادث. اما انا وآسف لانني اتحدث عن نفسي بهذا الشكل ــ فأعيش الحركة الانسانية كلها من داخلها ومن خارجها امتص الاشياء اتمثلها ثم اخرجها... الوجودية درجت وتبهدلت وهي شيء مختلف. انت وجودي لانك موجود. هذا هو مطلق الوجودية. المنطلق الاساسي هو الانسان الموجود, وجميع الظواهر التاريخية, والاساطير والشعر والفنون والاديان اساسها وعي الانسان, هذا الموجود فالوجودية هي اذا ذات الانسان الموجود. الشعر لا يترجم لم يكن امامي ما ابارز فيه الشاعر المفكر (الفيلسوف) عزمي موره لي لان كتابه (الوعي والوجود) لم يظهر بعد. كان امامي مجموعتان شعريتان مترجمتان عن شعر للموره لي بالفرنسية واحدة من ترجمة شوقي بغدادي والاخرى من ترجمة كمال فوزي الشرابي فقلبت المجموعتين وقلت: - ترجم شعرك الى العربية. ما رأيك بهذه المحاولة, وهل قرأت الترجمة؟ ـ الشعر اصلا لا يترجم يجب ان ينسى المترجم انه يترجم يجب ان يعيش الشعر من داخله. اكثر من قدر على ترجمتي ادونيس. ترجم قطعة من (الساحر) ونشرها ذات يوم في (النهار) . كانت ذروة من الذروات واحدثت ضجة لكن ما ترجم لم يكن شعرا صرفا (الساحر) شعر وفكر ووجدانيات وباختصار معاناة تشبه معاناة فاوست التي ابدعها جوته. معاناة الانسان امام الولادة وامام الموت وامام الحياة. - اعرف انك تعزف على العود؟ ـ نعم كنت اعزف جيدا... - من اين نشأ عزفك وحدك؟ ـ نعم منذ كنت صغيرا, لم اتعلم ولكنني عزفت. - اهي هواية شبيهة بنظم الشعر بالفرنسية؟ ـ هذا سؤال يحتاج الى توضيح في الاجابة. انسان تتوفر له الموهبة اي الحساسية الموجودة في تكوينه لا يستطيع ان يعرف اين تتجه به موهبته الى الرسم او النحت او الشعر او كل شيء احسن الموسيقى كأنها شعر والشعر كأنه موسيقى. احيانا يتفجر فنان في وقت واحد. الحس واحد, حس الجمال, حس الدهشة امام الجميل, والوسائل تختلف باستخدام العين او الاذن لنقل الخارج الى الداخل, الداخل واحد. - سؤالي الاساسي عما اذا كنت قد مارست الشعر بالطريقة نفسها التي مارست فيها العزف ـ نعم... الشعر نبع وحده. منذ كنت في الثالثة من عمري كنت اعيش الشعر. كنت ادهش من كل شيء اراه واحسه, لم اكن اشبه الاطفال الآخرين. الشعر لم يأت من بره. كان جزءا من تكويني ومن حساسياتي, ربما من رواسب قديمة اتى , من الفراعنة او التتر او من اليونان او من الهند, الشعر شاركني في كل لحظة من حياتي. انا اتكلم شعرا. - وتفكر بالشعر؟ ـ نعم اعيش الشعر. - القليل الذي طلع ونشر هو قليل من كثيرك الشعري الذي لم نطلع عليه. ـ ولا عشرة بالمائة ومع ذلك الذي نشر بقي ثلاثين سنة قبل ان انشره. من الصعب ان اشرح ذلك, تستطيع ان تسميه القدر الاسود الذي شاركني حياتي, وهو نفسه الذي اغرقني في وحدتي. السخرية تخفف الضغوط كان في كلام (عزمي موره لي) نكهة سخرية وصارحته بأن المرارة التي يتكلم بها مغمسة بسخرية كأنها فلفل حار, فقال: ـ انا انسان جاد وحدثتك بجدية لكن السخرية تخفف الضغوط الفكرية وتمنحني بعض راحة ذاتية, مثلما قد تمنح الاخر, اي المخاطب. ومع كأس, وعلى الرغم من سمعه الثقيل وعينيه اللتين خفت فيهما الرؤية وببيونه الذي يحيط برقبته ــ ولم يتخل عنه قط رباطا للعنق ــ وبانتصاب جذعه وهو في الثمانين وبأرقه الذي تحدث عنه كثيرا اطلق الطلقة الاخيرة من مدفع حياته القديم. قال: ـ هذا مصيري. الآلهة او الشياطين ارادته لي. كنت دائما على هامش الحياة وليس في لبها. لم اتبع مؤسسة او حزبا. لست ملحقا بشيء, مستقل تماما, فرد فلتان كصاروخ. كان كتابه (الوعي والوجود) الموجود في احدى دور النشر الفرنسية المختصة بنشر الفلسفيات, الخيط الوحيد الباقي من عزمي موره لي واحتكاكه بالحياة. طلب اليه ان يحذف ويعدل. صاحب الدار فيلسوف مثله, فقبل ان يفعل, ويقوم المثقف السوري البارز انطون مقدسي بالاعداد او بالتدخل لظهور كتاب ظل موره لي خمسين سنة يكتب فيه, فهل سيظهر الكتاب المنتظر قبل ان يفرغ الشاعر الفيلسوف كأسه الاخيرة في جوفه؟ لقد لفظ انفاسه والكتاب المنتظر مازال حبيس الادراج. ( ستدمر نفسك عندما تكتشف انه لا يوجد شيء. الموت؟ ستعيش ايضا. وانت تترقب ان تكتشف انه لايوجد شيء. هكذا قال شعرا بالفرنسية. انها نبوءة بالشاعر العربي السوري بالفرنسية عزمي موره لي الذي شيع الى مثواه الاخير وكان عدد مشيعيه اقل من عدد اصابع اليد. كادر - اعمال عزمي موره لي (بالفرنسية) (الساحر) طبعات ,1974 ,1975 1986 (الاقتراب) : طبعتا ,1975 1979 (رؤى) طبعه 1980 (احتضار ذكرى) بلا تاريخ - اعماله المترجمة الى العربية (الاقتراب) 1990 احتضار ذكرى 1991 ترجمة شوقي بغدادي رؤى 1994 ترجمة كمال فوزي الشرابي - اعماله تحت الطبع (بالفرنسية) (الوعي والوجود) ــ كتاب فلسفي شرح الصورة: الشاعر والفيلسوف الراحل عزمي موره لي

تعليقات

تعليقات