في اعمال الفنان المصري حليم يعقوب : صهيل البرونز ينسف الطابع السكوني للنحت

سعى رائد النحت المصري الحديث محمود مختار 1891 : 1934م الى ازاحه غبار النسيان عن التراث الفرعوني في هذا المجال والذي اهمله المصريون لعدة قرون عديدة حيث احتفى مختار مثلما فعل الفنان القديم بالطابع السكوني للمنحوته ورسوخ الكتلة ونقائها كذلك قام مختار بتبجيل اخلاق الشرق المحافظة التي لا تسمح بعمل تمثال يبرز مفاتن المرأة بشكل فضائحي مثلا, فضلا عن ان كثيرا من اعمال هذا الرائد العظيم قد استهدف التعبير عن ثوره الشعب المصري لعام 1919 والاحتفال بزعيمها سعد زغلول ولعل اشهر هذه الاعمال تمثال نهضه مصر الرابض امام حديقة الحيوان بالجيزة وقد استخدم مختار في انجاز اعماله الخامات نفسها التي استخدمها الاوائل مثل الحجر الجرانيت الرخام ... الخ. اما العلامة الثانية في مجال النحت المصري الحديث فهو جمال السجيني ( 1917-1977م) والذي عبر بتماثيله ومنحوتاته عن ثوره يوليو 1952 والمد القومي الذي ساد المنطقة في الخمسينات والستينات لكن السجيني تحدر الى حد كبير من تعاليم مختار, وبدأ يطرق موضوعات اخرى لم يقترب منها الرائد الاول مستفيدا في ذلك من مدارس الفن الحديث التي ظهرت في اوروبا اوائل هذا القرن فمثلا نجد السجيني قد تخفف من الالتزام الصارم بمحاكاة الواقع كما كان يفعل مختار لذا لا عجب ولا غرابة ان نجد الرجل عنده عملاق البنيان مفتول العضلات حتى يوائم موضوع العمل الذي كان ينحته كذلك استجاب السجيني لخدمات اخرى لم يتعاون معها مختار مثل المعادن وبالتحديد النحاس الذي صنع منه مطروقات وميداليات غاية في العزوبة وتؤكد ان وراءها فنانا ماهرا ودءوبا حتى يتمكن من اخضاع هذه الخامة العنيدة لضرورات العمل الفني وفي مصر الان عدد من النحاتين المتميزين الذين تمردوا على تعاليم مختار بعد ان هضموا فنون القدماء جيدا واستوعبوا منجزات الفن الحديث بشكل كبير ولعل الفنان حليم يعقوب 62 سنه احد ابرز هذا الجيل من النحاتين المصريين. لم يشغل حليم يعقوب نفسه بقضايا اجتماعيه ساخنه مثلما فعل السلف الصالح فقد قال ( انا رجل بسيط ... لا ابغي الحذلقة والتفلسف فأنا انحت ما احبه). تخرج الفنان في كليه الفنون الجميلة العام 1960م قسم ديكور ونال درجة الماجستير من الاكاديمية الفنية بزيورخ وتفرغ لفن النحت تماما قبل أكثر من خمسه عشر عاما. انحاز حليم يعقوب الى المرأة مثلما فعل فنانون قبله طوال قرون عديدة وقد فسر السبب ( انها الام .. الاخت ... الزوجة ... الخصوبة ... الابنة ... الخ فكيف لا ابجلها في اعمالي). في منحوته امرأة تنهض نكتشف هذا التدمير للطابع السكوني للنحت المصري منذ الفراعنة والذي التزم به مختار فالتمثال مشحون بحركة عنيفه تبرزها وضعيه الاقدام والأذرع كذلك الخطوط الحاده التي تفصل بين المستويات في الجذع والرجل والساعد الايمن. في حين تلعب ليونة الخط الخارجي للمنحوته دورا في ترطيب خشونة هذه الحركة التي تنفذها المرأة. التزم حليم يعقوب باحترام النسب التشريحية بشكل عام دون ان يغرق في مستنقع التفاصيل الرتيبة, وأدار الصراع التاريخي بين الكتلة والفراغ بحكمه ومهارة فالفراغ بين القدمين عند القاعدة يتردد صداه بين الذراعين أعلى الرأس اما كتلة الرأس المحشوة تقريبا بين مجموعه الأذرع واليدين فقد توازنت مع التجويف الذي احتل مكانه مرموقه في البطن. ويبقى في النهاية هذا اللون البرونزي الساخن والذي يشعل المنحوته بحراره الحركة. ولان حليم يعقوب عاشق للتمرد والتجريب فقد انجز منحوته لامرأة مستلهما المدرسة التجريدية حيث نشاهد كتله تمثل امرأة جالسه برغم من ان الفنان انصرف عن ان يصنع لها الأعضاء الرئيسية مثل الأطراف والاذرع وحتى والوجه جاء بشكل طيفي مثل كرة صغيرة ومحروم من الملامح. لقد قنع الفنان بمسطحات البرونز مع عمل بعض التقوسات والتجاويف حتى يتشكل الجسد في صياغة تجريدية ممتعه بصريا ومتزنة من حيث البناء والتصميم برغم حيويه الحركة الداخلية الناتجة من سلسله الخطوط التي تمهد للانتقال من مستوى الى اخر زد على ذلك مناطق الضوء اللامع التي استولى عليها بعض الاجزاء عند الكتف وموقع الركبه والرأس فضلا عن الملامس الخشنه للسطح واذا كان حليم قد هجر المرأة مؤقتا فمن اجل الحصان فقط هكذا يقول ( لان الحصان به الرقة والنبل ما يستوجب التعامل معه فنيا ). في منحوتة (حصان يجري) نطالع معالجه مثيره لجسد الحصان من خلال زهد الفنان في التركيز على التفاصيل والاحتفال بليونه الجسم مع ميل لتأكيد قوة الحصان من خلال تكثيف الكتلة عند الأقدام والذيل وقد اصاب الفنان عندما زين الحصان بمحموعة لونية طازجة وحيويه مثل الأخضر والبرتقالي والبنفسجي وقد شرح حليم ذلك ( ان التعامل مع البرونز يستلزم درجة حراره معينه ومن خلال النار وقوتها يتغير لون البرونز ويتخذ سماته الخاصة ) ورغم ان أرجل الحصان جاءت قصيره نسبيا إلا أنه لا يخلو من رشاقة بسبب نحافة الخصر ودقة الوجه أو الرأس. ان حليم يعقوب الذي استوعب فنون القدماء جيدا وانتخب من منجزات المحدثين ما يوافق موهبته قدم لنا مجموعه من المنحوتات بليغة الصياغة متحررة من سطوة التقليد هائمة في فضاء التجديد من أجل ابداع نحت مصري حديث لايخاصم التراث بل يسعى لتطويره ... وأزعم انه نجح إلى حد كبير. القاهرة ـ ناصر عراق

تعليقات

تعليقات