استراحة البيان: لحظة إغماء في مجلس وزراء: يكتبها اليوم: محمد الخولي

كان زميلاً لنا ايام كنت مسؤولاً عن الصحافة والاعلام في رئاسة مجلس الوزراء في القاهرة يملك جسم عملاق وقلب طفل وثقافة اكثر من متواضعة يحيطها بقدر لا بأس به من النوايا الطيبات. ذات يوم قرأ لي مقالاً في صحيفة يومية سهرت من اجله الليالي لزوم الدرس والتحصيل والتحليل وكان موضوعه هو (جيل الصابرا في اسرائيل) , الجيل الذي ولد بعد نكبة 1948 ولا يعرف له ارضا غير فلسطين المحتلة..يومها دخل ـ مقال عظيم وتحليل سياسي عميق.. ـ هذه حاجة بسيطة يا مولانا (قلتها مدعيا التواضع وانا في غاية النشوة بفعل المديح) لكنه استطرد قائلاً: ـ ها أنت تذكرني بكبار الكتاب الذين اعتز بهم كثيراً. (هنالك راحت خواطري ــ والنفس أمارة بالغرور كما قد لا يخفى عليك ــ راحت الى أسماء هيكل وبهاء او ميشال أبو جودة او سليم اللوزي الخ) لكن صاحبي بادر برأيه السديد وحكمه القاطع الرشيد: ـ إنك تذكرني بـ.. المنفلوطي. وكاد يغمى على العبد الفقير قهراً وغماً وخيبة أمل فما أظن ان كاتباً سياسياً ــ بلغ به التواضع ــ يحب ان يقارنه القارئون بالمنفلوطي. ولعل صاحبنا ــ زميل مجلس الوزراء ــ وقفت به مداركه او حصيلة ثقافته عند المنفلوطي او انه لم يتذكر لحظتها, اذ اخذته الجلالة, سوى اسم الكاتب الكلاسيكي الكبير والحاصل انني شرعت ساعتها في نوبة تأمل فلسفي عميق طبعاً على عادة كبار المثقفين وعتاولة المفكرين: ـ ترى لماذا كدت ارتعد فرقاً عندما عرض صاحبي لاسم المنفلوطي؟ لقد كان السيد مصطفى لطفي واحدا من أعلام الكاتبين على امتداد النصف الاول من هذا القرن العشرين. ورغم انه رحل عن الدنيا في عام 1924, وكان رحيله في يوم مهول في تاريخ مصر, هو يوم الاعتداء بالرصاص في محطة قطارات القاهرة, على حياة الزعيم سعد زغلول, الا ان المنفلوطي استعمر عقول ووجدان اجيال من الشبان ومن الشابات, لاحظ الشباب بالذات في مصر والعالم العربي اذ كانت كتاباته تشع رقة وتفيض عذوبة وتنضح بالعاطفة الجياشة التي طالما استدرت الدموع الهواطل من مآقي القارئين والقارئات ولا يدري المرء لماذا كان كاتبو وفنانو ذلك العصر ــ الثلاثينات بالذات ــ يعمدون الى ضحاياهم من القارئين او السامعين ويهيلون على أمهات رؤوسهم أكواماً من الغم والهم والكرب العظيم وكأنهم يعتصرون من دموعهم شآبيب من (العبرات) وهو اسم واحد من الكتب الاثيرة التي تركها المنفلوطي وكانت اثيرة عند القراء الذين كانوا يطالعون الكتاب ويرسلون مع كل حرف تنهيدة أسى وزفرة ملتاع.. هم نفس القراء الذين كانوا يذهبون الى محمد عبدالوهاب في منتصف الثلاثينات ليشاهدوا مثلاً فيلم (دموع الحب) وقبل ان يدخلوا الى قاعة الخيالة شبه المظلمة يطالعون لافتة معلقة على باب سينما (رويال) تقول وكأنها تبشر الداخلين: .. توزع داخل السينما مناديل ومحارم ورقية لاستخدام الاوانس من كرائم العائلات وتجفيف الدموع اثناء المشاهد المؤثرة. وربما يلخص هذه الاحوال الفنية المؤسية مطلع واحدة من اشهر اغاني عبدالوهاب في تلك الفترة السوبر عاطفية يقول فيه: (يا لوعتي.. يا شقايا .. يا ضنى حالي) و .. الأمر يومئذ لله. نعم كان في اسلوب المنفلوطي ما انبهر به مدرسو اللغة العربية ومفتشوها في وزارة المعارف العمومية.. كانت اول نصيحة يتبرع بها استاذ اللغة العربية الى تلاميذه وهم يجالدون اللغة, ويروضون أقلامهم الغضة على كتابة مواضيع الانشاء هو: ـ يا ولد .. عليك بأسلوب المنفلوطي فاتبعه واجعله نبراسا لما تكتب. اتدري ان بلغ أمر العبد لله انه كان يحفظ مقاطع بل صفحات كاملة ــ علم الله ــ من اعمال المنفلوطي.. وكم كان اساتذتي يطربون ويذرعون ارجاء حجرة الدرس اعتزازاً بتلميذهم وهو يردد, نبرات متهدجة ولا شك سطوراً للمنفلوطي ما زالت تعيها الذاكرة: ــ حسب البؤساء من محن الدهر وارزائه, انهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم فلا أقل من أن يمتعوا برؤية اشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين. و.. آه لو تكرم علينا السيد رئيس التحرير بفضل مساحة في هذا المقال.. ساعتها كنا سنلقي على مسامعك مقطوعة المنفلوطي بأكملها ابتداء من عنوانها (يوم العيد) وحسبك ان (تتأمل السطور الضنينة التي سردناها لتونا وتدرك انها شملت نحو 24 كلمة منها 7 كلمات عن المحنة والبؤس والشقاء والسجن والظلام. ولقد راح المنفلوطي وراحت أيامه, وكان لا بد لنواميس التطور ان تؤكد مفعولها وان يتجاوز الزمن اسلوب المنفلوطي في الترقق والتباكي وفي التشكي والعزف الحزين على وتر العواطف المفعمة بالشجن والمترعة بالأنين. ويكفي كما قال الاستاذ العقاد في كتابه بعنوان (رجال عرفتهم) ان كان المنفلوطي واحداً من الذين ادخلوا المعنى والقصد في فن الانشاء (الكتابة) العربي الحديث بعد ان كانت الكتابة قبل جيله مجرد قوالب محفوظة وكان اغراض الكتابة كما يضيف العقاد مثل خطب المنابر تعاد سنة بعد سنة بنصها ولهجة القائها. و .. يبقى ان بدأنا الحديث بقصد ان نستعرض جانبا من امجادنا الشخصية ايام مجلس الوزراء المصري.. فاذا بالقلم الشقي يستدرجنا الى الحديث حول السيد مصطفى لطفي المنفلوطي وفضله في تحويل الكتابة العربية من ركاكة التكرار الى نصاعة الاسلوب وإشراق الديباجة وفصاحة التعبير. وهو استدراج مقبول بل ومطلوب فالمنفلوطي واحد من رواد ثقافتنا العربية وهو يستحق الاشادة في كل حال.

تعليقات

تعليقات