استراحة البيان: قبيح الفعل حسن الاعتذار: يكتبها اليوم - ظاعن شاهين

لا أدري لماذا يمتد خط الاعتذار ليطوق رقبتي الآن, ولا أدري لماذا أجد نفسي مجبرا على الاعتذار رغم حضارية الموقف ودلالاته السامية , فبينما يعتذر البعض عن موقف ما خوفا أو كرها يقدم الآخرون اعتذاراتهم من باب تصحيح الاخطاء وفتح صفحة جديدة في العلاقات الانسانية الممتدة والمتواصلة... ومن ينظر لنسيج العالم المتشابك يكتشف اشكالا كثيرة للاعتذار, فهناك لاعب الكرة الذي يعتذر لفريقه وجمهوره ومشجعيه عن ضياعه لهدف محقق في مباراة مصيرية, وهناك النجم السينمائي الذي يعتذر لقبوله تمثيل دور فاشل في فيلم هابط فنياً, وهناك صاحب السلطة السياسية الذي يعتذر لاعضاء حكومته عن فشله في اتخاذ تدابير اقتصادية لوقف حالة التردي التي تشهدها بلاده, وهناك الدولة التي تعتذر لدولة اخرى عن سياساتها السابقة تجاهها وتطلب نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية فيما بينهما. مثل تلك الاعتذارات موجودة وموثقة وتشهد عليها ذاكرة التاريخ العربي, ولكن رغم ذلك يجد بعضنا انفسهم بعيدين عن زاوية الاعتذار, لأنه يدل كما يعتقد هؤلاء على الخضوع والاستسلام للآخر وعدم الشموخ, وهذا ما جعل الاقتتال بين القبائل العربية يدوم سنوات طويلة, الا ان الاسلام رسم للجميع منهجه في هذا الباب فطالب بالعفو ورمى بعباءته على التائبين واطفأ فتيل المتعصبين وأطلق يد المستغفرين وآجر العافين, فمن عادة الكريم اذا قدر غفر واذا رأى زلة ستر. وهاهو الرشيد عندما غضب على حميد الطوسي دعا له بالسيف, فبكى الطوسي, فقال له ما يبكيك؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت لأنه لابد منه, وانما بكيت اسفا على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط علي! فضحك الرشيد وعفى عنه, وقال: ان الكريم اذا خادعته انخدع. وأمر زياد بضرب عنق رجل فقال له: أيها الامير ان لي بك حرمة. قال: وماهي. قال الرجل: ان أبي جارك بالبصرة. رد زياد: ومن أبوك. قال: يا مولاي اني نسيت اسمي من حدة سيفك فكيف لا انسى اسم ابي! فرد زياد أصابع يديه على فمه من شدة الضحك وعفا عنه. ويروى في بعض الاخبار ان ملكاً من الملوك أمر ان يصنع له طعام, وأحضر قوما من خاصته, فلما مد السماط أقبل الخادم وعلى كفه صحن فيه طعام, فلما قرب من الملك أدركته الهيبة فعثر فوقع من مرق الصحن شيء يسير على طرف ثوب الملك, فأمر بضرب عنقه, فلما رأى الخادم العزيمة على ذلك عمد بالصحن فصب جميع ما كان فيه على رأس الملك فقال له: ويحك ماهذا؟ فقال الخادم: أيها الملك انما صنعت هذا شحاً على عرضك, وغيرة عليك لئلا يقول الناس اذا سمعوا ذنبي الذي به تقتلني, قتله في ذنب خفيف فلم يضره وأخطأ فيه العبد ولم يقصده, فتنسب الى الظلم والجور, فصنعت هذا الذنب العظيم ليعذرك الناس في قتلي وترفع عنك الملامة. قال, فأطرق الملك مليا ثم رفع رأسه اليه وقال: يا قبيح الفعل يا حسن الاعتذار, قد وهبنا قبيح فعلك, وعظيم ذنبك لحسن اعتذارك, أذهب فأنت حر لوجه الله. حكي عن المأمون انه لما خرج عمه ابراهيم بن المهدي عليه وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد وخلعوا المأمون, وكان المأمون اذ ذاك بخراسان, فلما بلغه الخبر قصد العراق, فلما بلغ بغداد اختفى ابراهيم بن المهدي, وعاد العباسيون وغيرهم الى طاعة المأمون. ولم يزل المأمون متطلباً لابراهيم حتى أخذ وهو متنقب مع نسوة, فحبس ثم احضر حتى وقف بين يدي المأمون: فسلم. فقال المأمون: لا سلم الله عليك ولا قرب دارك, استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام. فرد ابراهيم قائلا: مهلا يا أمير المؤمنين, فان ولي الثأر محكم في القصاص, والعفو أقرب للتقوى, ولك من رسول الله شرف القرابة, وعدل السياسة, وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب, كما جعل كل ذي ذنب دونك, فان اخذت فبحقك, وان عفوت فبفضلك, والفضل أولى بك يا أمير المؤمنين ثم انشد: ذنبي اليك عظيم/وأنت اعظم منه /فخذ بحقك أو لا/فاصفح بعفوك عنه/ان لم أكن في فعالي/من الكرام فكنه/ فلما سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال: يا ابراهيم الندم توبة وعفو الله اعظم مما تحاول, واكثر مما تأمل ولقد حبب الي العفو حتى خفت ألا أؤجر عليه, فخلع عليه ورد امواله جميعا. ومن باب الاعتذار أجدني أطوق رقبتي بخيط رفيع لجميع من مستهم كلمات ذاكرتي المثقوبة في الاستراحة الماضية لعل ذاك الخيط يظل ممتداً بين عيني ووجوههم.

تعليقات

تعليقات