في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل العندليب الأسمر: شقة عبد الحليم حافظ لاتزال تنطق بوجوده

هل يجب انتظار الربيع لنكتب عن عبد الحليم حافظ ؟ وهل لا بد من مناسبة لنتذكر العندليب الأسمر؟ الواقع وأرقام توزيع ألبوماته الغنائية وحضوره الطاغي في الحياة الفنية كلها تجيب بالنفى. ولكننا في هذه السطور نكتب عنه والذكرى الحادية والعشرين لرحيله تمر متعجلة, وإن كنا لن نتناول الجانب الفنى في حياة حليم ولن نتعرف عليه من خلال رفاق مشواره من الملحنين أو المطربين أو الشعراء أو النقاد أو حتى من خلال أجيال الفنانين التى جاءت بعده. سنحاول الاقتراب من صورة حليم في وجدان الناس دون أن نلتقي بأحد ودون أن نسمح بمرور الإجابات الدبلوماسية والعبارات المنمقة التي قد يقولها البعض تحت إغراء النشر الصحفى. ربما يبدو هذا غريباً أو مستحيلاً, ولكنه مع عبد الحليم وحده ممكن وممكن جداً.. كيف؟ هذا ما أكدته زيارتنا لمنزل العندليب على نيل الزمالك.. دموع على حائط العندليب منزل العندليب يشبهه تماماً.. طابق واحد في عمارة شاهقة تطل على حديقة الأسماك حيث يلتقي الأحبة, ربما تعلقت أعينهم بشرفة العندليب في الدور السابع وابتسموا, وربما لا يعرفون أنهم بجوار بيت الرجل الذي لم يبخل بسنوات عمره من أجل أن يُغني للحب وأهله, ولكن المؤكد أن عمارة زهراء الجزيرة في شارع حسن صبري تشهد أنه كان هناك نجم للجماهير ورمز لأيامنا الحلوة اسمه عبد الحليم حافظ.. ضابط الأمن في مدخل العمارة يعرف زوار (حليم) منذ الوهلة الأولى ويسأل دوماً سؤالاً واحداً: (شقة العندليب أليس كذلك؟.. الحاجة عليّة تنتظركم..) ثم يبتسم ويفتح باب المصعد.. وللعمارة مصعدان, كل واحد منهما يحمل على جدرانه عشرات العبارات والتوقيعات والكلمات الصغيرة المدهشة الموجهة إلى عبد الحليم حافظ والتي تلخص أحلام وآمال أجيال عايشته وجاءت بعده وتشكل وجدانهم بأغنياته.. تعليقات عشاقه في الممر الطويل أمام باب الشقة آلاف أخرى من التوقيعات والحكايات المغمسة بالألم والدموع على الحائط, سلمى كتبت: (يا فرحة كانت تملأ الدنيا عليّ) .. وعبلة كتبت: (صورتك لا تفارق خيالى أبداً, ستظل دائماً رمز الحب والحرية) .. ورجاء كتبت: (أهواك وأتمنى لو أنساك) .. ونور كتبت: (لن تجف دموعنا أبداً ولن تسكت قلوبنا عن الصراخ, فرحيلك أكبر صدمة) .. وأمل كتبت: (لم ترحل عنا ولم تفارق خيالنا أبداً, ومن يقل غير ذلك فهو كاذب) .. وياسر كتب: ( يا مَنْ علمني الحب يا ليتني لم أتعلمه منك) .. وأحمد كتب: (الحزن عليك هو المكتوب يا ولدي) .. وخالد كتب: (لم أشعر بمعنى الفجيعة إلا ساعة رحيلك يا أعز الناس) .. وهشام وشروق كتبا: (كنت أنيسنا في ليالي حبنا وستظل دائماً أجمل نور أضاء حياتنا ونقش حكايتنا) .. لم تدهشني هذه العبارات وهذا الانجراف وراء مشاعر عاطفية دافئة ولكني تذكرت عندما قابل عبد الحليم حافظ الفنانة صوفيا لورين لأول مرة وقالت له (سمعت عن شهرتك العظيمة في بلادك, فليتك تُسمعني بعضاً من أغنياتك حتى أعرف سر ارتباط الناس بك) فغنى لها عبد الحليم أغنية (الحلوة) فضحكت صوفيا وقالت: لو غنيت هذه المعاني في أوروبا لم يلتف حولك غير المراهقين) , فقال لها العندليب: في بلادنا تتوقف مشاعرنا عند هذه المرحلة, نكبر وننضج ولكننا نعيش بعواطفنا, نحن شعب لا يحسب الأمور بالورقة والقلم وإنما بالقلب) .. يرفرف على أسرته شقة العندليب مقسمة لجزأين, أحدهما تسكنه أسرته المكونة من علية شبانة (شقيقته الكبرى) وابنتها زينب وزوجها المخرج محمد الشناوي نجل الفنان المعروف كمال الشناوي وأولادهما الثلاثة, وفردوس ابنة خالة العندليب التي تتردد بين الحين والآخر على غرفته المغلقة, وهذا الجزء الذي تستخدمه الأسرة للمعيشة مكون من غرف عديدة للنوم ومطبخ وحمام, أما الجزء الآخر فهو يخص العندليب وحده وفيه كل حاجياته الخاصة ولم يتغير ترتيبها منذ رحيله, صالة كبيرة تفصل بين الجزأين وبها طاقمان للصالون وبعض الأثاث وكان (حليم) يعقد فيها بروفاته وشهدت أجمل ذكرياته مع رفاق رحلته محمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب وغيرهم, وهناك أيضاً غرفة صغيرة بها دولاب ملابسه التي وزعتها شقيقته على الفقراء ولم يبق غير بعض البدل التي ارتداها في حفلاته الأخيرة, وفي الغرفة نفسها سرير صغير وجهاز تسجيل كان يستمع إليه في لحظات راحته القليلة جداً.. كل شئ كما هو أما غرفة نومه فكما هي لم يتغير وضعها, حتى علامة رأسه على سريره الذي شهد مرضه وأطول ساعات آلامه, كذلك لم يتغير ترتيب حمامه الخاص.. ماكينة حلاقته في موضعها كما تركها قبل سفره إلى لندن, والصابونة التي استخدمها لآخر مرة وزجاجات الكولونيا والعطور.. (كل شئ كما هو يؤكد وجود العندليب في منزله) هكذا بادرتنا شقيقته علية شبانة وأضافت والدموع تنهمر من عينيها: (21 عاماً ولكني لا أصدق حتى هذه اللحظة أنني فقدت شقيقي, صورته لا تفارقنى ومنزله لا يزال معبأ برائحته, وبين الحين والآخر أسمع صوته يناديني أو أراه يجلس مع عبد الوهاب في ركنهما الخاص بجوار النافذة عبد الوهاب يمسك بالعود وعبد الحليم يغني) . .. ( ثم تبكي وتضغط على زر الكاسيت ليتسلل إلينا صوته يغني (في يوم في شهر في سنة) وتقول علية : كانت أقرب أغنياته إلى قلبه.. كان يسمعها كثيراً فى أيامه الأخيرة ثم يبكي) آخر وصاياه .. هل تتذكرين آخر وصية له.. ؟! - كانت أن أحافظ على ما يتبقى منه وأفتح الشقة لكل الجمهور العربي الذي أحبه ومنحه الثقة.. وهل عملت بالوصية.. ؟! - يشهد الله على ذلك, فأنا لم أغلق الشقة في وجه أحد, ولكني أقوم بإجراء أمني فأتأكد أولاً من هوية الزوار, فنحن أسرة صغيرة في المنزل لا حول لنا ولا قوة.. كما أنني حريصة على زيارة ضريحه, وفى ذكراه نقرأ القرآن ونوزع بعض المال وملابسه حتى لا يأكلها الزمن, وندعو له بالرحمة , فقد كان حليم أطيب وأعز الناس.. وماذا عن خلافكما الأخير مع مجدي العمروسي محاميه الخاص وشريكه في (صوت الفن) ..؟! - لا تعليق.. وهنا يتدخل محمد شبانة ابن شقيق عبد الحليم ويقول: أرجوكم هذا الموضوع استهلك كثيراً من وقتنا ومشاعرنا في العام الماضي فلا داعي للخوض فيه مرة أخرى, ويكفى ما حدث.. وكان ورثة العندليب أقاموا في العام الماضي دعوى قضائية بالاتفاق مع أولاد محمد عبد الوهاب ضد مجدي العمروسي لتنحيته عن إدارة شركة (صوت الفن) ولكنهم خسروها.. نهج العم حليم ثم قال لنا محمد شبانة في ختام زيارتنا لمنزل العندليب: انتهجت طريق الغناء لعلي أكمل ما بدأه (عمو حليم) وأضعه دائماًَ نصب عينيّ, وأتمنى أن أحقق ربع ما حققه, فهو أسطورة الغناء العربي التي لا يستطيع أحد أن يعرف سرها ولكن لا يملك الجميع إلا أن يحبها ويتعلق بها.. ثم ودعتنا شقيقته علية شبانة قائلة: أقوم بطقوس معينة في ذكراه دائماً ولكني أقول لكم العندليب لم يرحل عن منزله. القاهرة- نيرة بركات . - علية شبانة ومحمد شبانة وبينهما صورة العندليب واحدى جوائزه.

تعليقات

تعليقات