استراحة البيان: المهرجانات ... ومن فيها! بقلم - محفوظ عبد الرحمن

لست من كتّاب (الاستراحات) أو اليوميات أو المقالات المحترفين. ولقد ظللت أسأل أي مسؤول اقابله من (البيان) ماذا اكتب وكيف اكتب, فينظر لي بريبة. اذ كيف تكتب مسرحية أو فيلما أو تمثيلية وتسأل كيف تكتب (استراحة) ؟! احسست انني اركب زورقاً صغيراً بشراع في حجم المنديل, ودخلت به الى قلب المحيط. وكأني بحار مبتدىء أعجبت بطريقة قيادتي للزورق. لكن لسوء الحظ لم يدم هذا الا قليلا, فعدت اسأل : هل ما اكتبه يندرج حقا تحت هذا العنوان؟ وردت علي نفسي الابتسامات المستريبة. واحدهم خيّل اليه انني استنطقه الاعجاب. وحاولت وانا ضائع في قلب المحيط ان اضع بعض قواعد الابحار كما لو كنت ماجلان أو احمد بن ماجد. ومن بين هذه القواعد التي تخيلتها ألا يكتب احد في هذا المكان تعليقاً على زميل له. وإلا لأصبح هذا الركن مثل ملعب التنس. يلقي احدهم كرته فيرد عليه الآخر الضربة. وانا في حياتي ما احببت التنس الذي كان حياة الصديق الراحل عادل شريف. واستطاع ان يحبب هذه الرياضة للملايين, عندما كان ينقل المباريات العالمية. وادخل تعبيرات إلى لغة الناس مثل وصفه لضربات التنس بأنها لا تصد ولاترد. أو وصفه للاعب بانه الواعد المتوعد. أو انه قادر على اللعب في الحر الهجير أو البر الزمهرير! ومع ذلك لم يستطع عادل ان يجعلني اعجب بالتنس! واعجبتني القاعدة التي وضعتها. واستطعت أن امنع نفسي من الاقتراب من زملائنا كتاب (الاستراحة) حتى حدث منذ فترة ان قرأت استراحة (ظاعن شاهين) عن المؤتمرات والمهرجانات وما فيها من شخصيات. وضحكت لما كتب وحاولت ان اتعرف عمن كتب عنهم. ومنذ ذلك الحين وان لم اكف عن الانشغال بما كتب ظاعن, الذي يبدو انه كان مغتاظا من بعضهم. وله الحق في ذلك. ولكن هذه الشخصيات, أليست شخصيات انسانية تصلح ايضا لان تثير فينا الشفقة؟! كما قال الزميل في استراحته هناك وجوه متكررة في نفس هذه اللقاءات. واعرف مسرحياً يمثل بلده في جميع المهرجانات المسرحية, ولا يتغير ابداً. وذات يوم التقينا في مهرجان دمشق المسرحي, فإذ به ليس موجوداً. واثار هذا دهشة الجميع. وقال احدهم: اين فلان؟ فأصبحت شعار المهرجان وكلما التقينا سألنا: أين فلان؟ وأصبح السؤال يفجر الضحك. ومن الغريب انني بعد هذا المهرجان, ذهبت الى بلد آخر حيث قضيت يومين أو ثلاثة, وانا في الطائرة قابلت (فلان) هذا. فسألته لماذا لم تأت الى مهرجان دمشق. فقال لي في أسى شديد انه كان عليه ان يذهب الى احد المهرجانين دمشق أو آخر. فاضطر ان يختار الآخر. ولكن من الوجوه التي لم ارها الا مرة واحدة, شخص حضر مؤتمراً واحداً, ولم اسمع به من قبل ولا من بعد. لما رأيناه لم نتخيل انه عضو معنا. كان فوق السبعين, يرتدي ملابس تنتمي الى الاربعينات, ولو انه لبس الطربوش لكان اقل اثارة للدهشة. وكان يحمل في كل وقت حقيبة جلدية بنية كبيرة, كالحة اللون من طراز يذكره من كان في سني, فلقد كانت حقائبنا ونحن في المدرسة الابتدائية بهذا الشكل. ورغم سنه الا انه كان اكثرنا حيوية ونشاطا. ولان كلا منا يعرف الآخر, فقد سألنا عن صاحبنا هذا, لكننا لم نعرف الا انه مشارك مثلنا, اذ كان يضع (البطاقة) على صدره بشكل بارز. وفي أحد الاجتماعات قدموا صاحبنا هذا ليتكلم. صعد بثقة العالم الكبير حاملا معه حقيبته الغامضة, وفتحها واخرج منها أوراقاً من انواع مختلفة لكنها تتميز بالقدم. ورغم كوميدية الموقف الا ان بعضنا كان يتوقع مفاجأة. لكن للأسف المفاجأة كانت فظيعة. بدأ الرجل بكلام مدرسي, ثم قفز فجأة الى انجازاته الثقافية. فهو أول من فعل كذا وأول من اسس كذا وأول من انشأ كذا. فكأنه رفاعة رافع الطهطاوي أو جمال الدين الافغاني . واسترسل في رصد انجازاته. وتدخل رئيس الجلسة. ولكن صاحبنا ربما ادرك انها فرصته الاولى والاخيرة, فاحتضن الميكروفون ورفض تسليمه لأي شخص. فلما أصدر احدهم الامر لفني الصوت, وقطع الكهرباء عن الميكروفون, لم يؤثر هذا عليه, بل استمر كأنه يخاطب الدنيا كلها. وانفجر الحاضرون بالضحك لكنه لم يأبه لذلك, فرسالته كانت أهم لديه من اي شيء. وعندما خلصوا الميكروفون منه, وانزلوه من على المنصة, لم يصدق رئيس الجلسة انه نجح في ذلك. فلقد بدا ان الامر يحتاج الى تدخل الشرطة, وربما تدخل القوات الخاصة. وبعدها كان صاحبنا من ألطف الناس واكثرهم وداً. فكان يقترب منا ويحادثنا لكن الجميع ابتعدوا عنه. واشفقت عليه فبادلته الحديث, فإذا به يحدثني عن امجاده حتى اقتربت من الاغماء! وانتهى المؤتمر واختفى الرجل واظنه كان قريباً لأحد الذين رتبوا للمؤتمر واتخيل انه مات بعد ذلك. فلقد حقق حلمه وانتهى. ولم يحدثنا ظاعن شاهين عن الذين يأتون الى المهرجانات بالحاح شديد أو بدون الحاح, ويحضرون الافتتاح والختام أو حتى لا يحضرون . اما بقية ايامهم فهي في غرف الفندق بين الاكل والقمار والثرثرة وعندما يعودون الى بلادهم يكتبون لوزاراتهم تقارير عن المهرجان ومستواه, وغالباً ما يصفون المهرجان بانه كان ممتازا وانه من المهم جداً المشاركة فيه, حتى يعودوا في العام التالي. وفي العدد نفسه الذي كتب فيه ظاعن استراحته, وفي صفحة اخرى حديث سنعود اليه عن عبد الرحمن الصالح. وعبد الرحمن صديق عمر اذ تعود علاقتنا الى نحو ثلاثة وعشرين عاماً. وارجو الا يغضبه هذا الرقم فمازال شابا, وسيظل شاباً دائماً. ولقد شارك عبد الرحمن ذات مرة في أحد المهرجانات بمسرحية له. وفي المناقشة التي تدور حول المسرحية في اليوم التالي فوجىء بهجوم على المسرحية. ورغم انني لا أذكر التفاصيل الآن الا انني اذكر انه كانت هناك مبالغة في هذا الهجوم. ويحدث هذا في بعض الاحيان في المهرجانات, وتكون لهذه المبالغة اسباب شريرة واحيانا لظروف غير مقصودة. ولا أظن ان الاسباب كانت نتيجة تآمر, لأنني اعتقد ان كل من دخل مجال المسرح يحب عبد الرحمن. المهم ان عبدالرحمن استاء مما حدث فظل واقفا طوال الايام الباقية لا يجلس مع احد, بل ولا يجلس على الاطلاق, وقال احدنا ان عبدالرحمن اقسم الا يجلس الا اذا راجعوا ما قالوا واعطوا المسرحية حقها, وللاسف كان ذلك صعبا, ولا ادري هل جلس عبدالرحمن في طائرة العودة ام ظل واقفا. وكان الحديث عن عبدالرحمن الصالح بمناسبة مسلسله الجديد (المحترم) وحكى في هذا الحديث عن المسلسل وكيف كان مشروعا مسرحيا, وتعثر من مكان إلى آخر, واصابه سوء الحظ مرات حتى وصل في النهاية إلى اذاعة أبوظبي. ولو لم يحك عبدالرحمن هذا لحكيته انا, فهو كاتب لكل عمل له قصة طويلة من الاحباطات. واذكر انني كنت قريبا من انقاذ احد اعماله المبكرة (حبابة) وكان هذا العمل الجميل قد تعثر سنوات. ولا اعرف عملا لعبدالرحمن خرج من بيد يديه إلى خشبة المسرح أو شاشة التلفزيون أو الاذاعة, دون آلام ودون ان يحس بالاكتئاب, ودون ان يقرر الاعتزال, ولا ادري السبب في ذلك, واعتقد ان الاسباب, أو معظمها على الاقل, في عبدالرحمن نفسه, فهو اشهر مشاكس نعرفه, دائما ما يضع العربة امام الحصان. وعبدالرحمن الصالح كان رئيسا لواحد من انجح المهرجانات. واعتقد انني من اكثر الذين حضروا مهرجانات في العشرين عاما الماضية, واظن انني استفدت منها كثيرا, وافدت قليلا, فليست الصورة قاتمة دائما, ولا مضحكة دائما. وكان اول مهرجان حضرته هو مهرجان دمشق 1976 وعرضت فيه اول مسرحياتي (حفلة على الخازوق) واحتفى بها المشاركون, واظن ان هذا الاحتفاء كان احد الاسباب الرئيسية في كتابتي للمسرح بعد ذلك, بل ربما كان احد الاسباب في استمراري في الكتابة نفسها. ومن هنا تأتي اهمية المؤتمرات والمهرجانات فهي فرصة لاختبار القدرات, وتبادل الخبرات, والتعرف على الجديد, والبحث عن مشاهد ذواق يغوص في اعماق العمل الفني, والاستعانة بمهارات الاخرين وغير ذلك مما لا يمكن احصاؤه. ومع ذلك تظل هذه اللمسة الكوميدية فيما نراه ونكتبه عن المهرجانات والمؤتمرات, فلولا هذه اللمسة لمتنا كمدا, وسنظل نحكي عن ذكرياتنا عما حضرناه من مهرجانات ومؤتمرات ونضحك, انسيت يا صاحبي كيف دعا بعضهم احد المشاركين إلى غرفتهم فمات وهو جالس معهم, وحاولوا نقله إلى غرفته خوفا من التحقيق, رغم ان الرجل مات بأزمة قلبية, فاختلط الاسى بالضحك, هذه هي الحياة, بكاء ودموع, وما بينهما. اكسر هنا اول قاعدة لكتابة (الاستراحة) , فأكتب بدءا من (استراحة) زميل, ولكن لماذا توضع القواعد, طبعا لكي نكسرها.

تعليقات

تعليقات