استراحة البيان: الرئيس الدكتور وزعامة الحمقى! يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

لا يتبقى للانسان سوى ذاكرته عندما تتساقط الاشياء منه كالتعب وتتلاشى فجأة من امام عينيه, فيحاول ان يقبض على تفاصيل الذاكرة باحثا عن نفسه وعن وجوه الاخرين, تلك الوجوه التي رسمت في يوم ما مرحلة من تاريخه المعجون بالاسئلة والتواصل والفرح الجميل . هكذا وبدون مناسبة احيانا نجد انفسنا نتنفس ذكرى تلك الوجوه ونتواصل معها ونرحل اليها في جلسة أو خلوة أو اغنية تحملنا ذكراها إلى موقف عايشناه معها. في العام 1989 رسم لنا القدر حكايته ونقش في وجه الذكرى تفاصيل تلك الوجوه التي التقت في مطار دبي الدولي لتمثل الدولة في تظاهرة شبابية هي مهرجان شباب العالم والذي نظمته بيونج يانج عاصمة كوريا الشمالية, فقد كانت تلك الوجوه المختلفة في التخصصات والتوجهات والمتباينة في الافكار والتطلعات تمثل عدة شرائح من هذا المجتمع وتمثل فيما بينها مجتمعا آخر هو مجتمع السفر الذي يبحث في شكله ومضمونه دائما عن الصحبة الطيبة. كانت تلك الوجوه المختلفة في الاعمار والخبرات تلتقي عند هدف واحد وهو تمثيل الدولة تمثيلا لائقا يتماشى ومكانتها المتميزة بين دول العالم المختلفة فقد كان الوفد المشارك عبارة عن استاذ جامعي متخصص في علم الاجتماع وشاعر وقاص وفنان متخصص في الموسيقى ومصور تلفزيوني ومقدم برامج وصحافي وفنان تشكيلي وباحث بالاضافة إلى وجوه اخرى هامشية. ولم تكن الرحلة العجيبة إلى عاصمة كوريا الشمالية رحلة عادية فقد بدأت في مطار دبي بتنصيب الاستاذ الجامعي نفسه رئيسا للوفد وقد كان له ما اراد رغم تململ البعض من ذاك التصرف الانتزاعي, وبما ان رئيس الوفد هو استاذ جامعي فقد اصدر قرارا سريعا لبقية الاعضاء بضرورة المشاركة في صندوق الخدمة الاجتماعية الذي سيكون تحت تصرفهم في الازمات والمشاكل التي قد تعترض هذه الرحلة مشيرا إلى ان على كل عضو دفع مبلغ وقدره خمسمائة درهم للصندوق, وامام هذا الالحاح دفع الجميع دون استثناء المبلغ المقرر, فقام الدكتور رئيس الوفد باستلامها عدا ونقدا. وهكذا انتزع صاحبنا دون مقاومة من أحد صلاحيات المهمة التي اوكلها لنفسه وفاز بها بنسبة 99.9 في المائة رغم انه المشارك الوحيد. بدأت الرحلة الطويلة والمتعبة من دبي إلى المانيا الشرقية سابقا ومن ثم إلى موسكو وبعدها إلى بيونج يانج, وكانت محطة برلين هي المحطة الامتحان لرئيس الوفد, إذ ان الرحلة المقبلة التي ستتوجه إلى بيونج يانج ستتأخر يوما كاملا وبذلك على جميع اعضاء الوفد اما البقاء في المطار لمدة 36 ساعة أو المبيت في احد الفنادق الالمانية على حسابنا الخاص بعد ان فشلت جميع محاولاتنا في اقناع شركة الطيران بضرورة توفير فندق على حسابها, وهكذا نظر جميع اعضاء الوفد للدكتور الذي نصب نفسه رئيسا وامينا لصندوق البعثة لان المشكلة اصبحت قائمة وعليه ان يبادر بحلها فورا. لكن الدكتور وببرود تام نطق بالحل السحري قائلا: ليس من المعقول ان نستمر لمدة 36 ساعة على تلك الكراسي المتعبة في مطار كئيب كهذا, لذا ارى انه من الصواب النزول إلى فندق معقول في هذه المدينة الساحرة وفي الوقت نفسه نرى معالمها وشوارعها واناسها, فما رأيكم يا شباب؟ بالطبع جميعنا رحب بتلك الفكرة الصحيحة, وطلبنا من الدكتور التصرف في تدبير الحجوزات والمواصلات للفندق, وما هي الا نصف ساعة وإذ نحن نرمي بأجسامنا المثقلة على تلك الكراسي الوثيرة في صالة الفندق الذي ترتمي على جانبيه حديقة غناء ومسرح عظيم وسيارات قديمة وقبب ذهبية اتلفتها الامطار وحولتها إلى رؤوس خضراء حليقة. قطع الدكتور علينا لحظات تأملنا الهادئة ولوح بيديه قائلا: يا شباب, كل شخصين سيقتسمان غرفة واحدة, لذا عليكم باختيار الصحبة, ولكن قبل ذلك ادفعوا للفندق مبلغا مقدما أو اعطوهم بطاقات الائتمان. قاطعه احدنا: لماذا كل هذا التعقيد؟ انت يا دكتور قمت بعمل صندوق تكافل اجتماعي وجميعنا تبرع فيه لمثل هذه الازمة, فلماذا ندفع من جديد؟ قال الدكتور: هل تعتقدون بأن هذه هي الازمة, نحن لم نبدأ بعد وامامنا الطريق مازالت طويله, وسيثبت لكم كلامي فيما بعد. وامام هذا الاصرار لم نجد وسيلة اخرى سوى الاعتماد على ما تحمله محافظنا من بطاقات فألقمنا موظف الاستقبال بتلك البطاقات, وادركنا اننا لم نتصرف بحكمة فقد كانت الطيبة والبلاهة تحكمنا, اقول ذلك لان اغلبنا لم يع الدرس الذي علمنا اياه الدكتور ببلاهة ايضا, فقد كشفت لنا الايام التي قضيناها سويا كوحدة واحدة في بيونج يانج بأن الحماقة داء معد, وذلك بعد ان تعمد بعضنا على سبيل المزاح ان يطلق كلمة (غجة) على احد اعضاء الوفد فيتحسس منها في بادىء الامر ثم ما تلبث ان تصبح عادية يطلقها الجميع على الجميع ابتداء من رئيس الوفد الذي اعتقدها اهانة ثم تقبلها وانتهاء بأصغر اعضاء الوفد, فيتصرف الجميع ببلاهة مطلقة تجعلهم نواة لتأسيس جمعية الحمقى والتي تسمى في عامية, اهل الامارات (جمعية الغجج) وهكذا يتحول رئيس الوفد الذي اخذ الرئاسة هكذا بالقوة من رئاسة الوفد الشبابي إلى رئاسة الجمعية بالاجماع بعد المواقف المثيرة التي كان هو بطلها. المثير ان البعثة عادت وعاد اغلب ممثليها إلى امورهم العادية وظل صاحبنا الدكتور يحلم برئاسة هذه الجمعية التي لم ولن ترى النور ابدا, فكيف يمكن ان يعترف احدنا بداء الحماقة ان لم يكن احمق حقا. المهم ان الحلم مازال مستمرا لدى الدكتور في زعامة اي احد حتى ولو كانوا حمقى!

تعليقات

تعليقات