احتضنته الغربة فغنى للوطن: محمد وردي في ضيافة مهرجان دبي للتسوق

شامخ كشموخ الجبال... غربته الطويلة لم تؤثر فيه, ومازال قادرا على العطاء, اعطى للفن جل عمره حيث قضى 40 عاما بين الغناء الرومانسي والوطني... والوجداني . انه الفنان السوداني محمد عثمان حسن وردي الذي انطلق من نبع النوبة, واشتغل مدرسا بالمرحلة الابتدائية في بداية عهده وله طريقته بل مدرسته الخاصة بالغناء, اطلقوا عليه الفنان الصاروخي, كون ثنائيا مع الشاعر الكبير اسماعيل حسن واثمر تعاونهما العديد من الاعمال الفنية... غنى اكثر من 400 اغنية عاطفية ووطنية. الفنان محمد وردي في زيارة لدولة الامارات العربية المتحدة لاقامة حفلتين في اواخر مهرجان دبي للتسوق 98 وبمناسبة عيد الاضحى المبارك. (البيان) انتهزت وجوده بالدولة وحاولت الغوص في اعماقه... وحاورته فكان هذا اللقاء: - نعود معا للوراء الى منتصف الخمسينات, عندما نشأ محمد وردي بالنوبة وعمل بها كمعلم... حدثنا عن هذه المرحلة؟ ــ بدايتي كانت في النوبة وكنت اغني باللهجة النوبية, ومازلت الى الآن اغني بها اذ اخذت على عاتقي الغناء باللغة النوبية, وكل الفنانين السودانيين من الغرب الى الشرق ومن الجنوب الى الشمال ايضا اخذوا على عاتقهم تطوير الاغنية السودانية في ذلك الوقت, واستمريت بالغناء باللهجة النوبية حتى منتصف الخمسينات وفي الفترة ذاتها كنت استمع واتعلم من غناء الآخرين من خلال الراديو وخاصة الغناء الوطني والقومي. - ما محطتك الغنائية الأولى؟ ــ محطتي الغنائية الاولى كانت في الاذاعة السودانية العام 1957 وكنت في ذلك الوقت معلما بالمرحلة الابتدائية, وكنت اغني بالعفوية الريفية... واشدو بالقيم الريفية, ولم اتعلم نفاق المدينة حتى اتهمت بالغرور حينذاك, ولكني اكتسبت الثقافات السودانية الاخرى كطريقة الغناء عند اهل الشرق والغرب والجنوب, وعشت من خلال تجاربي مع الآخرين ثراء التراث الغنائي السوداني, واستفدت منه بعد ان قمت بتطوير نفسي من خلال دراستي للموسيقى في معهد الموسيقى, وعملي في نقابة المهن الموسيقية ووقوفي الى جانب زملائي الفنانين في تحقيق مطالبهم واحتياجاتهم ولذلك انتخبت العام 1985 نقيبا ومازلت النقيب الشرعي حتى الآن. - ما مدى تأثير الفنان الكبير ابراهيم عوض على محمد وردي؟ ــ الاغنية السودانية فيها ايقاعات محافظة بمعنى انها تصدر من موسيقى وسط السودان, التي كانت تسمى اغاني ام درمان القديمة, وكنت انا وابراهيم عوض من جيل واحد, وكان هو مشهورا بالاغنية الخفيفة نصا ولحنا, وفي ذلك الوقت ظهرت بعض الاصوات العالمية مثل الفيس بريسلي الذي كان ظهوره متزامنا مع ظهور ابراهيم عوض وظهوري وقد اثر الفيس في الجيل بأكمله وليس في محمد وردي بمفرده في طريقة الغناء والرقص, وحتى تسريحة الشعر واشياء اخرى كثيرة ومازلت احترمه حتى الآن. - ماذا اضافت مرحلة التهجير لمحمد وردي؟ ــ اولا منطقتي غير مهجرة, لكن المنطقة المهجرة كانت رأس المنطقة وكانت مصدرا من مصادر حضارة الريف الحلفاوي, وقد اثرت سلبا على اهل النوبة سواء في شمال الوادي او جنوبه, وهم كانوا الشعوب المستقرة على بساط النيل, وعندما تم تهجيرهم لم يذهبوا الى مناطق صحراوية يصعب العيش بها... بل ذهبوا الى مناطق لم يقبلوها للعيش مع انها منطقة خير وبها زراعات كثيرة... ولكنهم شعروا بالشتات فجزء منهم ذهب الى مصر وجزء ذهب الى اقصى الشرق بالسودان, مما جعل النوبيين في حالة حنين للوطن, لكنها اثرت في المبدع النوبي سلبا وايجابا. - ما اشهر الاغاني لمحمد وردي اثناء الهجرة؟ ــ اغنية (الطير المهاجر) العام 63 التي قمت بغنائها في ايام هجرتي مما جعل السودانيين يعتقدون ان هذه الاغنية كتبت عن حياتي. - كونت ثنائيا فنيا مع الشاعر اسماعيل حسن ونتج عن ذلك بعض الاغنيات الجميلة, فماذا عنها؟ ــ جميع الاغنيات التي قدمتها مع اسماعيل حسن كانت مشهورة لانه شاعر مميز, وبدأت معه وكان ذلك في العصر الرومانسي للاغنية السودانية, والذي بدأ من اواخر الخمسينات وحتى الجزء الاول من الستينات, وكنا دائما نغني للحب والجمال, والحقيقة تقال انه كان شاعرا عظيما بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان, وفعلا قمنا باضافة اشياء كثيرة للفن السوداني. - ما اشهر الاغاني التي افرزها هذا الثنائي؟ ــ هناك كم هائل من الاغنيات الجميلة منها لو بهمسة, المستحيل, خاف من الله, نور العين, يا ناسينا, الشامة والكثير والكثير من الاغنيات الخفيفة. - ماذا بعد الانفصال عن اسماعيل حسن؟ ــ الطابع الرومانسي بدأ يتغير من شعراء الى آخرين, والاغنية السودانية بدأت ترتبط بالانسان السوداني ومشاكله, وهنا ظهر جيل جديد من الشعراء مثل محجوب شريف, عمر الطيب, مبارك بشير وغيرهم. الأغنية الوطنية - ماذا عن الاغنية الوطنية في حياة محمد وردي؟ ــ في وقت من الاوقات في العام 64 شغلتني الاغنية الوطنية والتعبير عن هموم الشعب السوداني وكادت تكون الاغنية الوطنية هي الشائعة والجميلة عند المواطنين السودانيين ومن الاغاني الوطنية التي مازالت عالقة في ذهن المواطن السوداني (يا شعب) , (ح نبني بهم) , (عرس السودان) , (حدق العيون لك يا وطن) , (يا شعب لهبت ثورتك) , (بلا وانجلى) والكثير الكثير من الاغاني الوطنية التي تفرغت لها, وحتى الآن. وللعلم الاغنية الوطنية السودانية ليست مارشات عسكرية ولكن لها مقومات كل الاغنية, ففيها موسيقى ورقص واحساس جميل جدا وكلام يحبه كل الناس ويتأثرون به. - اين انت من المسرح الغنائي؟ ــ المسرح الغنائي هو مرحلة متطورة للغناء الفردي, ويعبر عن اتجاه جماعي ويحتاج الى امكانيات اكبر مما تحتاجه الاغنية الفردية لان المسرح الغنائي يحتاج الى مجموعات كورالية مدربة على الغناء الجماعي والتوزيع الموسيقي الكبير والتأليف المسرحي, شعرا او نثرا, والتصوير, لكل هذا لم نصل للاستقرار لكي نقوم بتقديم المسرح الغنائي, وحتى البلاد التي سبقتنا بالغناء لم يستمر فيها المسرح الغنائي طويلا ولكني في بداياتي عملت اغنية استعراضية كورالية موزعة تتحدث عن القومية السودانية بأوركسترا كبيرة وكان ذلك في العام 1962. - هل هناك علاقة بين السياسة والفن؟ ــ السياسي لا يمكن ان يكون فنانا, لان السياسي عنده ادواته ولكن الفنان يمكن ان يكون سياسيا ويخدم قضية الوطن وقضية الانسان عن طريق ادواته الفنية, ومازلت احافظ على المسافة بين الفن والسياسة ولكني لم احترف السياسة لانني فنان ومعروف عني اني فنان, والدور الحقيقي للفنان ان يخدم شعبه ووطنه... وكل فنان يستطيع ان يغني بمشاعره الخاصة. - اين اتجهت عندما وجدت نفسك غير مرغوب فيك داخل السودان وحوربت كثيرا؟ ــ كانت اول هجرة العام 1983 عندما اعلنت قوانين سبتمبر ووجهت اليّ دعوة من جمهورية اليمن الجنوبية آنذاك, ثم قمت بجولة كبيرة زرت خلالها معظم الدول العربية بما فيها دول الخليج العربية, وكانت محطتي الاخيرة وطني الثاني مصر الى ان جاءت الانتفاضة فهاجرت مرة اخرى. - هل هناك اغنية من اغنياتك وصلت بها للعالمية؟ ــ اغنية (وسط الدائرة) التي استعارها المطرب محمد منير ودخل مهرجان البحر الابيض المتوسط, بينما هذه الاغنية من تأليف شاعر سوداني وغناء مطرب سوداني ومن الحان ملحن سوداني, والسودان ليست من حوض دول البحر الابيض المتوسط, وقد عرض عليّ بعض الاصدقاء في نقابة المهن الموسيقية ان ارفع دعوى وستكون النقابة الى جانبي ولكن بعض اهالي النوبة تدخلوا وقاموا بحل هذه المشكلة وديا وانتهت المشكلة. - محمد وردي خطواتك الفنية الى اين تقودك؟ ــ الى الانتشار اكثر, الى الانتاج الفني الغزير, الى الاستفادة من التقنية الحديثة والاستوديوهات واجهزة الكومبيوتر, والى اضافة الحان جديدة الى الاغنية القديمة, ولكن ليس على سبيل اعادة التوزيع وانما بهدف التحسين. - ما رأيك بالفيديو كليب؟ ــ انا لي رأي خاص بالفيديو كليب ولكني لو عملت فيديو كليب فسأراعي فيه المجتمع السوداني وسنوات عمري وفني. - هل هناك ظواهر فنية ملفتة للنظر؟ ــ هناك ظاهرتان في السنوات الاخيرة تبشران بالخير وقد شغلتا الرأي العام الفني وهما ماجدة الرومي وكاظم الساهر وهما من الظواهر الصحية في الغناء العربي. - ما رأيك بالاغنية الخليجية؟ ــ جميلة جدا ولها طابعها الخاص وتمثل الخليج في طابعه الودود والمميز. - مَن مِن الاصوات الخليجية اعجبتك؟ ــ جميع الاصوات الخليجية محببة جدا الى نفسي ولا استطيع ان اميز مطربا عن الاخر حتى لايغضب مني البعض. - لماذا لا تنتشر الاغنية السودانية عربيا؟ ــ اولا هناك ازمة في الاذن العربية كما ان المسألة مسألة تذوق ويؤكد ذلك ان السودانيين ليسوا عربا صرفا ولكنهم يتغنون باللغة العربية بينما اساس الموسيقى السودانية ليس عربيا وانما موسيقى خماسية افريقية لها طابع خاص. - لماذا لا تظهر اصوات نسائية سودانية على الساحة الفنية؟ ــ ظهرت هناك بعض الاصوات النسائية ولكن ليست بتلك الكثرة بسبب العادات والتقاليد الصعبة في المجتمع في ذلك الوقت بعد الاربعينات وكان الفن حينها من المهن المنبوذة ليس في السودان فقط بل في بعض البلاد العربية, ولكن الآن بدأت الفتاة السودانية تدخل معهد الموسيقى, واصبح هناك العديد من الفنانات والعازفات. - من الذين يمثلون مدرسة محمد وردي في السودان؟ ــ كثيرون ومنهم من الاجيال الحديثة ولكني لا اتذكر منهم سوى محمد عبدالله. - يصفك البعض بانك ضمير الامة, فما رأيك بهذا القول؟ ــ اسأل من يصفني بهذه الصفة! - ما سبب زيارتك لدبي؟ ــ جئت بدعوة خاصة لاقامة حفلات عديدة خلال مهرجان دبي للتسوق 98 وعيد الاضحى المبارك وسأقوم بغناء بعض اعمالي الجديدة والقديمة. حوار - فهمي عبدالعزيز محمد وردي مع (الطنبور) محمد وردي في احدى حفلاته

تعليقات

تعليقات