استراحة البيان: تجارب تجار الخليج: يكتبها اليوم - سعيد حمدان

قبل سنوات احضرت معي من لندن كتاباً في جزئين عنوانه (التجار .. اكبر رجال الاعمال في الخليج) لمؤلفه مايكل فيلد . ولم اجد آنذاك فسحة من الوقت لقراءة الكتاب فحفظته في ركن من زوايا مكتبتي.. قبل ايام قرأت مادة مصورة منشورة في ملحق اعلاني عن قصة تجارة (جاشينمال) في دول الخليج, شدني الموضوع للبحث عن قصص اخرى لتجار من ارض الخليج, فوجدتني اعود صدفة لكتاب فيلد. في كتاب (التجار) يشرح مايكل فيلد الهدف من كتابه وهو مساعدة رجال الاعمال الاجانب الذين يزورون شبه الجزيرة العربية للتعرف على التجار الذين هم مفتاح الدخول لهذه المنطقة وضمان الاستثمار الناجح فيها. وكذلك هدف من كتابه الى وصف المجتمع الخليجي, تحدث عن التاريخ وبدايات التجارة, وعن الحاضر, وحمله نصائح للمستقبل. تحمل بعض صفحات الكتاب مغالطات تاريخية ووصفاً غير دقيق ولكنه في النهاية عمل رائد فيه مجهود ومعلومات عن عالم المال وعن العوائل التجارية في الخليج. اختار المؤلف تسع عوائل بناء على حجم شركاتها ومدى شهرتها واعترف ان هناك 20 او 30 عائلة اخرى جديرة بأن يذكرها في كتابه إلا انه اعتمد في تحديده على خيار القرعة! كتب عن بدايات هذه العوائل وقصة نجاحها وتطورها وحاور بعضها, ووثق مجموعة من الصور النادرة لبعض شخصيات الكتاب وفي مناسبات مختلفة, تحدث بالتفصيل عن عوائل مثل: بيت الرضا, والغانم, الجفالي, القصيبي, درويش, كانو, سليمان عليان. وعندما تطرق للامارات, وازدهار تجارة دبي في التاريخ, ذكر اسماء بعض العوائل التجارية في دبي مثل: العويس, الغرير, جمعة الماجد, محمد الجاز, محمد الملا, كلداري, رستماني, الفطيم, عيسى القرق, ناصر عبداللطيف, عثمان صقر, وباكستاني يدعى هارون. قصص نجاحات هذه العوائل في عالم التجارة, تحمل عبرا ودروسا مفيدة لجيل اليوم, فتجارب الكبار تقول انه: لا توجد ثروة تسقط من السماء فجأة واذا حدثت المصادفة فإن هذه الثروة لا تكبر ايضاً فجأة وانه لا يوجد ثراء بين يوم وليلة, وان الذي يأتي بسرعة يذهب ايضاً بسرعة, وان السمعة عملة مهمة للتاجر الناجح, وان الدرهم يولد دراهم, ومطلوب ان تكون احلام التاجر كبيرة وبعيدة ولكن من الضروري ان تكون خطواته دقيقة ومدروسة نحو تحقيق هذه الاحلام, وان محيط التجارة قد يكون فيه خسارة كبيرة ولكن التاجر هو من يتعلم من هذه الخسارة ويعيد بناء تجارته من جديد, وايضاً في عالم التجارة قد يخسر الانسان شقيقه او والده, وأولاده اذا دخل الطمع شريكاً معهم. هناك تجارب سيئة يذكرها الكتاب, وعندنا من واقع الحاضر وفي اماكن مختلفة من الخليج ومن العالم حكايات دخل فيها المال فأفسد بين الأب وأولاده او ما بين الاخوان من علاقة, حدثت خصومات وصراعات وقضايا لا أول لها بل قد يكون الموت سبباً في اغلاق ملفات بعضها. فالمال اذا تسيد يصبح هو القلب والعقل واداة الفعل معاً, هذا وجهه الاسود الذي لا بد من التفكير فيه والنظر اليه والحذر منه باستمرار. ولأن المال ساحر شاغل للانسان, فقصة بناء وتطور المال فيها من هذا السحر, فكيف يبدأ مشروع الانسان التاجر, وكيف ينجح؟ ويكبر؟ علامات استفهام تثير في القاريء شغف المتابعة وسماع مزيد من التفاصيل, ويتزايد الاهتمام اذا كانت القصة لاسم محفوظ في الذاكرة او علم متواجد بيننا. لكن الكتب التي تروي حكايات وتجارب هؤلاء التجار محدودة نادرة في وطننا العربي, واذا تواجدت هذه المطبوعات فانها اما للدعاية والمزايدة واما للفضائح والابتزاز, الا فيما ندر, وجيل اليوم, جيل الطموح والاحلام الواسعة في حاجة الى ان يقرأ تجارب تجار بلده بنزاهة وواقعية, ليتعلم كيف ينجح, ويصبح مثلهم, فهم عنده القدوة في الثراء, وافضل من يسجل سيرة التاجر هو التاجر نفسه شريطة ان يكون امينا في طرحه لأن يسجل حديثاً لذاكرة التاريخ, وكذلك قد يبني حديث تجربته مستقبل تاجر جديد او يقوّم مسار بعض تجار المستقبل.

تعليقات

تعليقات